2 صموئيل 24: 1، 11- 14 هل الرب إله يغوي البشر على فعل الشر؟ والإختلاف في رواية القصة ذاتها من سفر أخبار الأيام الأول.

2 صموئيل 24: 1، 11- 14 هل الرب إله يغوي البشر على فعل الشر؟

1وَعَادَ فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَأَهَاجَ عَلَيْهِمْ دَاوُدَ قَائِلاً: «امْضِ وَأَحْصِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا»…11وَلَمَّا قَامَ دَاوُدُ صَبَاحًا، كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى جَادٍ النَّبِيِّ رَائِي دَاوُدَ قَائِلاً: 12«اِذْهَبْ وَقُلْ لِدَاوُدَ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: ثَلاَثَةً أَنَا عَارِضٌ عَلَيْكَ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ وَاحِدًا مِنْهَا فَأَفْعَلَهُ بِكَ». 13فَأَتَى جَادُ إِلَى دَاوُدَ وَأَخبَرهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتَأْتِي عَلَيْكَ سَبْعُ سِنِي جُوعٍ فِي أَرْضِكَ، أَمْ تَهْرُبُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ أَمَامَ أَعْدَائِكَ وَهُمْ يَتْبَعُونَكَ، أَمْ يَكُونُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَبَأٌ فِي أَرْضِكَ؟ فَالآنَ اعْرِفْ وَانْظُرْ مَاذَا أَرُدُّ جَوَابًا عَلَى مُرْسِلِي» (2صم24: 1، 11-14). يقول د. منقذ بن محمود السقار: “ويتحدث سفر صموئيل عن أن داود قد أمره الرب بإحصاء بني إسرائيل، فيقول: “عاد فحمي غضب الرب على إسرائيل، فأهاج عليهم داود قائلاً: امض وأحصِ إسرائيل ويهوذا “، ففعل داود ” فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك، فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس مستل السيف (800 ألف)، ورجال يهوذا خمسمائة ألف رجل (500 ألف).  ثم إن داود ندم على إحصائه بني إسرائيل، وقال للرب: “لقد أخطأت جداً في ما فعلت، والآن يا رب أزل إثم عبدك”، وهذا الندم عجيب، إذ هو قد امتثل لأمر الرب ، وصنع تماماً كما أمره.  ثم أمر الرب النبيَّ جاد أن يبلغ داودَ عقوبةَ الرب له، فالرب  يخيره بين أمور ” أتأتي عليك سبع سني جوع في أرضك ؟ أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك ؟ أم يكون ثلاثة أيام وباء في أرضك ؟ فالآن اعرف، وانظر ماذا أرد جواباً على مرسلي” (2 صموئيل 24 : 1 ، 13). 

ويختلف سفر الأيام عن سفر صموئيل في رواية القصة ذاتها، فيقول: “ووقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوى داود ليحصي إسرائيل …. فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود، فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل (مليون ومائة ألف) مستلّي السيف، ويهوذا أربع مئة وسبعين ألف رجل مستلّي السيف (470 ألف)… وقبح في عيني الله هذا الأمر، فضرب إسرائيل”. فقال داود لله: لقد أخطأت جداً حيث عملت هذا الأمر، والآن أزل إثم عبدك، لأني سفهت جداً. فكلم الرب جاد رائي داود، وقال: اذهب، وكلم داود قائلاً: هكذا قال الرب: ثلاثة أنا عارض عليك، فاختر لنفسك واحداً منها فأفعله بك … إما ثلاث سنين جوع، أو ثلاثة أشهر هلاك أمام مضايقيك، وسيف أعدائك يدركك، أو ثلاثة أيام يكون فيها سيف الرب ووبأ في الأرض .. فانظر الآن ماذا أرد جواباً لمرسلي” (1 أخبار الأيام الأيام 21 : 1 – 12).

 فقد تناقض النصان في 3 أمور: 

1) من الذي أمر بإحصاء بني إسرائيل الرب أم الشيطان ؟ وكما يقول العلامة ديدات: ” فإن الشيطان والرب ليسا مصطلحين مترادفين في أي الديانات ” .     

2) أعداد بني إسرائيل، ففي سفر صموئيل كان رجال إسرائيل 800000 ، وفي الأيام أضحوا 1.100000، وفي سفر صموئيل كان رجال يهوذا 500000 رجل، فجعلهم سفر الأيام 470000 رجل، فأي السفرين أرقامه صحيحة؟ ومن المخطئ، هل هو الروح القدس أم الكتبة الملهمون؟ وتعلق نسخة الرهبانية اليسوعية على أرقام القتلى المهولة بقولها: “من الواضح أن الأرقام مبالغ فيها كما في كثير من الأرقام المماثلة في العهد القديم، وقد زيد عليها أيضاً في سفري الأخبار”.

3) وهل كانت العقوبة التي خيِّر داود ثلاث سنين جوع أم سبع سنين؟ ويسأل آخر:  من الذي أغوي داود الرب أم الشيطان؟ هل الإغواء والوسوسة من صفات الرب أم من صفات الشيطان؟ أي من السفرين أرقام تعداده صحيحة والآخر خطأ؟

 

الإجابة: هذه القصة فعلاً تطرح العديد من الأسئلة مثل: لماذا يهيج الرب قلب داود ثم بعد ذلك يعاقبه؟ ما ذنب الشعب حتى يموت منه 77 ألف شخص؟ من الذي أغوي داود الرب أم الشيطان؟ هل العقوبة كانت ثلاث سنين أم سبع سنين؟

أولاً: حقائق أساسية:  إن من يدرس كلمة الرب في عمقها وغناها يجد أنه من بين الحقائق الأساسية الكثيرة التي يعلنها لنا هناك 3 حقائق رئيسية تساعدنا في حل هذه الإشكالية وهي:

(1) الإنسان حر الإرادة: يعلن لنا الكتاب المقدس مراراً وتكراراً أن الإنسان حر يستطيع أن يتخذ ما يشاء من قرارات، وله القدرة على الاختيار والتنفيذ ويملك إرادة، لذلك هو مسؤول مسئولية أدبية عن أفعاله، مسؤول أمام الرب وأمام المجتمع وأمام ضميره. وقصة الخلق تؤكد لنا حرية الإنسان. فقد خلق الرب الإنسان على صورته (تك1: 27). وأعطاه حرية وسلطان وإرادة. وما سقوط آدم فى الخطية إلا دليلاً أكيداً على حريته. فكان يمكن للرب أن يقيد حريته، أو يجعله عاجزاً عن الوصول إلى الشجرة، كأن يحيطها بسور من نار، أو يجعله يصاب بشلل إذا اقترب منها مسافة متر مثلاً، ولكن الرب لم يفعل هذا، لأن هذا يتنافى مع كرامة الإنسان.  وما ندم آدم عندما أخطأ، والتماس الأعذار لنفسه، وإلقاء اللوم على الآخرين، ومحاولة الاختباء من وجه الرب إلا دلالة أكيدة على حريته. فلو لم يكن حراً لما فعل ذلك، ولو كان مسيراً ومجبراً على تصرفاته لما كان فى حاجة إلى تبرير أفعاله. ووجود الوصايا يؤكد حرية الإنسان أيضاً. فإعطاء الوصية للإنسان دليل على أنه حر، وأنه يمتلك إمكانية مخالفتها. ولو أن الإنسان مسير فما ضرورة الوصية؟ هل هى تمثيلية يقوم بها الرب؟ كلا، لقد خلقنا أحراراً، وأعطانا الوصايا لكى نطيعه بمطلق حريتنا، وما مخالفة الإنسان للوصية إلا أكبر دليل على أن الرب يحترم حرية الإنسان لدرجة أنه لا يمنعه من مخالفة وصيته. كما أن وجود يوم للدينونة والمجازاة هو أكبر  دليل على حرية الإنسان. فكيف يحاسب  الرب  الإنسان إن لم يكن حراً؟! كيف يقول له: أعط حساب وكالتك وقد كان مرغماً على تصرفاته؟! كيف يجازي الإنسان عما فعل سواء خيراً أو شراً وهو لم يكن سيد قراره. لأنه من أبسط قواعد العدل أن لا يُحاسَب الإنسان على فعل لم يكن صاحب الإرادة فيه. لقد خلق الله الإنسان حراً لذلك يقول له: “اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلتُ اليَوْمَ قُدَّامَكَ الحَيَاةَ وَالخَيْرَ وَالمَوْتَ وَالشَّرَّ…. البَرَكَةَ وَاللعْنَةَ. فَاخْتَرِ الحَيَاةَ لِتَحْيَا أَنْتَ” (تث30: 15و19). وهنا نرى الرب يشير على الإنسان أن يختار طريق الحياة، إنه يعرض ولا يفرض، فالأمر متروك لحرية الإنسان، فكما يقول اللاهوتى الكبير بول أفدوكيموف “الرب يستطيع كل شىء… إلا إرغامنا على محبته”.  فكل إنسان حر فى أن يقبل أو يرفض، يؤمن أو يلحد. ويقول له أيضاً: “هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ. إِنْ شِئْتُمْ وَسَمِعْتُمْ تَأْكُلُونَ خَيْرَ الأَرْضِ. وَإِنْ أَبَيْتُمْ وَتَمَرَّدْتُمْ تُؤْكَلُونَ بِالسَّيْفِ». لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ”. (أش1: 18- 20) إنه يدعونا هنا أن نسأل ونناقش لكي نقتنع فمن غير الممكن أن نقبل الحقائق الإيمانية هكذا دون بحث وفهم واقتناع, فلا توجد حقيقة روحية حقيقية غير مقنعة لأفهامنا, فكل ما هو غير مقنع للعقل هو غير منطقي لأنه ليس بحقيقي. تخيل الرب نفسه يدعونا أن نتحاجج ونناقش ونفهم ونقتنع وذلك لأن الإنسان حر الإرادة. وقال المسيح: “.يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا وَلَمْ تُرِيدُوا” (مت23: 37). وهناك العديد من الآيات التي تؤكد حرية الإنسان (راجع يش24: 15، إش1: 19، لا26، تث11: 26 – 29، مر6: 5و6). يقول اللاهوتى الكبير (C.S.Lewis): “لقد خلق الرب الإنسان حراً، والحرية تعطى إمكانية عمل الخير أو الشر على السواء. ثم يتساءل: لماذا أعطى الرب الإنسان الإرادة الحرة؟ ويجيب: على الرغم من أن الإرادة الحرة جعلت عمل الشرممكناً، إلا أنها السبيل الوحيد لعمل الخير، فإن عالماً ميكانيكياً يعمل فيه الناس كالآلات غير جدير بأن يُخلَق أو يُعَاش، فالسعادة الحقيقية التى ينشدها الرب هى فى أن يرى البشر يحبونه ويطيعونه بمحض إرادتهم”.  لقد قضى الرب فى حكمته أن يخلق الإنسان حراً، يفكـر ويقرر ويختار كما يشاء، وتبعاً لذلك سيُحاكم ويُجازى. 

(2) الرب صاحب السلطان المطلق على الكون: هل من تعارض بين حرية الإنسان وسلطان الرب على التاريخ؟ بكل يقين لا. فدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية لها قانون يحكمها، وتضع لنفسها رؤى وأهدافاً لأكثر من 20 سنة. فهل قانونها ونظامها يحد من حرية المواطن الأمريكى؟ بالطبع لا. بل القانون يؤكد حرية المواطن ويحميها. والأهداف التى تريد أن تحققها فى فترة زمنية معينة لا تتعارض مع حرية المواطن الأمريكى، وعدم تجاوب مئات بل آلاف المواطنين لا يعطل الدولة عن الوصول إلى أهدافها. هذا مع الفارق الكبير بين دولة ما مهما كان شأنها، وبين الرب العظيم القدير الذى قال “فبمن تشبهوننى؟”. يقول الوحي: “قَلْبُ الْمَلِكِ فِي يَدِ الرَّبِّ كَجَدَاوِلِ مِيَاهٍ حَيْثُمَا شَاءَ يُمِيلُهُ” (أم21: 3) وهذا لا يعني أن البشر كالعرائس في يد الرب  يحركهم كيفما يشاء دون اعتبار لإرادتهم، بل معناها أنه لا يستطيع أحد أن يقف أمام خطة الرب ومقاصده للعالم. فالرب  فى قصده الأزلى قضى بأن يخلق الإنسان حراً ، ولذلك هو لا يفعل الشىء ونقيضه، بمعنى أن يقضى بحرية الإنسان ثم يجبره على تصرف معين. إن الإنسان حر يفعل ما يشاء وبالرغم من ذلك فإن قصد الرب لابد أن يتم. قال نَبُوخَذْ نَصَّرُ: “الَّذِي سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ وَمَلَكُوتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ… وَهُوَ يَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ فِي جُنْدِ السَّمَاءِ وَسُكَّانِ الأَرْضِ وَلاَ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ يَدَهُ أَوْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ”؟(دا4: 34, 35). ونقرأ أيضاً: “فَأُعْطِيَ سُلْطَاناً وَمَجْداً وَمَلَكُوتاً لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ”. (دا 7: 14). “… وسُلْطَانُهُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْر وَمِنَ النَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ” (زك9: 10). “مُتَسَلِّطٌ بِقُوَّتِهِ إِلَى الدَّهْرِ. عَيْنَاهُ تُرَاقِبَانِ الأُمَمَ. الْمُتَمَرِّدُونَ لاَ يَرْفَعُنَّ أَنْفُسَهُمْ” (مز66: 7).

(3) الشيطان هو الْمُجَرِّب: يعلن لنا الكتاب المقدس بكل وضوح أن الشيطان هو مصدر الإغواء والإغراء والشر ولذلك أعطاه الوحي عدة ألقاب وصفات منها: 
(أ) الشِّرِّير:  (مت 6: 13) «وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ».  (يو 17: 15) «لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ». (أف 6: 16) «حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ».  (2تس 3: 3) «أَمِينٌ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُثَبِّتُكُمْ وَيَحْفَظُكُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ».  (1يو 2: 14) «كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ».
(ب) الْمُجَرِّب: (مت4: 3) «فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزاً». (لو4: 13) «وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ».  (1تس 3: 5) «.. لَعَلَّ الْمُجَرِّبَ يَكُونُ قَدْ جَرَّبَكُمْ، فَيَصِيرَ تَعَبُنَا بَاطِلاً». (رؤ 2: 10) «هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضاً مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا».
(ج) المضل:  (رؤ 12: 9) «فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ».
(د) الكذاب: (يو 8: 44) «ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ». وذلك لأنه يستخدم الكذب والضلال في التجربة، وهو عادة يخلط الحق بالباطل ليضلل الإنسان عن معرفة الرب الحقيقية.
(ه) المشتكي:  (رؤ 12: 10) «لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلَهِنَا نَهَاراً وَلَيْلاً». ويسعى الْمُجَرِّب بكل وسيلة لكي يُسقِطَنا في الخطية ولذلك يستخدم المكايد، والفخاخ، والسهام الملتهبة، والعروض المغرية.

 

ثانياً: من الذي أغوى داود؟ في ضوء ما تقدم من حقائق نستطيع أن نقول الآتي:

(1) إن الشيطان هو الذي أغوى داود كما يقول كاتب سفر الأخبار: “وَوَقَفَ الشَّيْطَانُ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ وَأَغْوَى دَاوُدَ لِيُحْصِيَ إِسْرَائِيلَ” (2أخ1:21). فكما ذكرت سابقاً هو المُجَرِّب والمُضِل والكذاب والمشتكي. لقد كان الشيطان يريد أن يسقط داود في الخطيه ليدمره هو والشعب أيضاً 

(2) إن الرب سمح للشيطان أن يجرِّب داود كما يذكر كاتب سفر صموئيل: “وَعَادَ فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَأَهَاجَ عَلَيْهِمْ دَاوُدَ قَائِلاً: «امْضِ وَأَحْصِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا” (2صم1:24).  ونستطيع أن نفهم هذه الفكرة عندما نقارن هذا الفعل مع ما حدث فى سفر أيوب، فنحن نرى فى سفر أيوب أن الشيطان قد جاء إلى الرب، وقدم شكواه ضد أيوب، وكانت النتيجة أن جرَّب أيوب فى حدود معينة، فمن الذى جرَّبه؟ الشيطان، ولكن فى حوار أيوب مع زوجته، ومع أصدقائه، وأيضاً فى حوار أيوب مع الرب، لم يذكر اسم الشيطان مطلقاً، بل لم يظهر الشيطان فى المشهد مطلقاً، كل الكلمات كانت عن الرب وما فعله الرب، أما الشيطان الصانع الحقيقي للتجربة بقى خارج الصورة تماماً، فقال لزوجته: «أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟» (أي15:2). لذلك نقول إن الشيطان هو الذي جرَّب داود وليس الرب، فالرب لا يجرب بالشرور كما قال الرسول يعقوب: “لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، لأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَداً” (يع1: 13). ولكن في نفس الوقت كل شئ تم بسماح من الرب، لأنه لايوجد شئ في السماء أو على الأرض يتم بدون سماح من الرب. ولهذا نرى دقة التعبير الإلهي فيذكر سفر صموئيل أن التجربة أتت من الرب لكي لا يفهم أحد أن الشيطان جربه بدون إذن من الرب، وأيضاً وضَّح سفر الأخبار أن الشيطان هو الذي جرَّبه ليؤكد أن الرب لا يجرِّب بالشرور بل يسمح للشيطان بالتجربة للتنقية.  فسواء ذكر الوحي (الشيطان) المهيج الحقيقي للأحداث مثلما فعل الوحي فى سفر الأخبار، أو ذكر (الرب) المهيمن على كل الأمور والذى سمح بهذا الأمر مثلما فعل الوحي فى سفر صموئيل، فالعبارتان صحيحتان ومكملتان لبعضهما. 

(3) إن داود هو الذي سقط في التجربة بكامل حرية إرادته. فكما ذكرت سابقاً أن كل إنسان حر الإرادة، يقرر ويختار ويفعل ما يشاء. وقد قال الرسول يعقوب بوضوح: “… كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. 15ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمُلَتْ تُنْتِجُ مَوْتاً” (يع1: 15،14).
الأمر الأول هو أن في الحقيقة كانت الخطية قد بدأت تتسلل إلى قلب داود، ففي (1صم21) نجده لا يستشير الرب في أمر الْجِبْعُونِيِّين ويتعجل التصرف. وهنا يكرر نفس الخطية ولا يستشير الرب فهو لم يتعلم من خطيته السابقة. وهو هنا يريد أن يفتخر بذكائه وبقوته وبجيشه، وهذا الفكر الشرير يجعله يعتمد علي قوته وليس علي الرب كما كان في الماضي  فداود الصبي الذي بدأ حياته معتمداً علي الرب فقط في قتل الأسد والدب، والذي كان قلبه مشتعلاً بالغيرة على اسم الرب، وعلى جيش الرب فذهب لمواجهة جليات باسم رب الجنود فقط وقال له: “أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِ صُفُوفِ إِسْرَائِيلَ” (1صم45:17) وقتله بالمقلاع، الآن يفكر في معرفة عدد جيشه وسلطانه وهذا أحزن قلب الرب، وقد سمح الرب للشيطان أن يغوي داود . وما يؤكد أن فعل كل كل ما فعل بكامل حرية إرادته أننا نجد أنه رفض أن يستمع لنصيحة يواب بل واحتد عليه، فلقد أدرك يوآب أن التعداد خطأ، وحاول تنبيهه داود لذلك وأن الرب قادر أن يزيد عدد الشعب 100 مرة، لكن داود أصّر على خطأه، فلقد كان الرب  يريد أن يوصل صوته إلى داود ويُرجِعه عن طريقه لكنه رفض فنقرأ: “فَقَالَ الْمَلِكُ لِيُوآبَ رَئِيسِ الْجَيْشِ الَّذِي عِنْدَهُ: «طُفْ فِي جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ مِنْ دَانَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ وَعُدُّوا الشَّعْبَ، فَأَعْلَمَ عَدَدَ الشَّعْبِ».3 فَقَالَ يُوآبُ لِلْمَلِكِ: «لِيَزِدِ الرَّبُّ إِلهُكَ الشَّعْبَ أَمْثَالَهُمْ مِئَةَ ضِعْفٍ، وَعَيْنَا سَيِّدِي الْمَلِكِ نَاظِرَتَانِ. وَلكِنْ لِمَاذَا يُسَرُّ سَيِّدِي الْمَلِكُ بِهذَا الأَمْرِ؟»4 فَاشْتَدَّ كَلاَمُ الْمَلِكِ عَلَى يُوآبَ وَعَلَى رُؤَسَاءِ الْجَيْشِ، فَخَرَجَ يُوآبُ وَرُؤَسَاءُ الْجَيْشِ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ لِيَعُدُّوا الْشَعْبَ،أَيْ إِسْرَائِيلَ” (1صم24: 2-4). ويرد (ع4) في (ت ع م) كالآتي:  “غير أن الملك فرض رأيه على يوآب وعلى قادة الجيش، فخرجوا من عنده ليعدوا بني إسرائيل”
والأمر الثاني هو أن داود اعترف بخطيته وأقر بحماقته قبل أن يوبخه جاد الرائي فنقرأ: “وَضَرَبَ دَاوُدَ قَلْبُهُ بَعْدَمَا عَدَّ الشَّعْبَ. فَقَالَ دَاوُدُ لِلرَّبِّ: «لَقَدْ أَخْطَأْتُ جِدّاً فِي مَا فَعَلْتُ، وَالآنَ يَا رَبُّ أَزِلْ إِثْمَ عَبْدِكَ لأَنِّي انْحَمَقْتُ جِدّاً» (2صم10:24). وهي ترد في بعض الترجمات كالآتي: (ت ك) “فخفق قلب داود من بعد إحصاء الشعب، وقال داود للرب: قد خطئت خطيئة كبيرة فما صنعت، والأن يا رب أغفر إثم عبدك، لأني بحماقة عظيمة تصرفت”. (ك ح) “وبعد أن تم إحصاء الشعب اعترى الندم قلب داود، فتضرع إلى الرب قائلا: «أخطأت جدا بما ارتكبته، فأرجوك يارب أن تزيل إثم عبدك لأنني تصرفت تصرفا أحمق».
والأمر الثالث هو عقاب الرب له، فليس من العدل ولا المنطق أن يكون الربهو الذي دفعه لهذا الخطأ ثم يعاقبه! ولقد غضب الرب جدا حينما قام داود بعمل هذا الإحصاء وذلك للأسباب الآتية

(أ) لم يستشر الرب كعادته. 

(ب) إحصاء الشعب يعني أنه بدأ يشعر أن سر قوته وانتصاراته يرجع إلى عدد رجاله وإمكانياته، وأنه بدأ يعتمد على قوته العسكرية. 

(ج) ربما قصد داود بهذا الإحصاء إثارة حروب جديدة لم يأمره بها الرب لتوسيع مملكته. 

(د) ربما أراد تسخير الشعب بوضع جزية مالية ثقيلة لحسابه الخاص أو حساب الخزانة وليس لحساب خيمة الاجتماع. 

(ه) نسى داود أن الشعب هو شعب الرب وليس شعبه هو، وأن الرب قادر أن يزيد الشعب كما حدث فى مصر إن أراد، وقادر أيضاً أن ينقصه كما حدث هنا. وهو قادر أن يجعل النصرة بأقل عدد كما حدث فى أيام جدعون. وعلينا أن ندرك هذا لحياتنا فلا نضع قلوبنا على ما نمتلك فالرب  قادر أن يزيد ويبارك فيما نملك، وقادر أن يأخذ كل شئ، وقادر أن يبارك فى القليل. المهم أن نضع ثقتنا في الرب وليس فيما نملك. 

(و) يبدو أن الدافع الرئيسي لإحصاء الشعب كان هو التفاخر والتباهي والإعلان عن عظمته وقدراته وإمكانياته، كما كان يفعل ملوك الأمم حوله، وذلك ليرعب الأمم المجاورة له.

ما ذنب الشعب حتى يموت منه 77 ألف شخص؟ في الحقيقة كان الشعب محتاجاً إلى التأديب وإلاّ كان الرب قد أدَّب داود وحدهُ. ونحن لا نعرف كل الحقائق ولكن علينا أن نثق في عدالة الرب. ففى موضوع بثشبع وأوريا الحثي لم نسمع أن الرب  أدَّب الشعب على خطأ داود بل انصبَّ التأديب على داود وحده. لكن الآن نسمع أن الضربة موجهة للشعب أيضاً، إذاً فهو مستحق. فطالما أن الدافع الرئيسي لإحصاء الشعب كان هو التفاخر والتباهي والإعلان عن عظمة وقدرة وإمكانيات المملكة، فالشعب شريك في هذه الروح، والخطية يشترك فيها الجميع وليس داود وحده، فكلاهما شَعَر بالغرور والانتفاخ وبالتالي الشعور بعدم الاحتياج إلى الرب، وهذا الإحساس يؤدي دائماً للسقوط فى خطايا كثيرة.  وقد تاب داود ووبخه قلبه على ما حدث ولكن الشعب لم يتب ولم يندم فلذلك عاقبه الرب. إلى جانب ذلك بعد أن استراح الشعب من الحرب مع الفلسطينين، واغتنى بغنيمة كثيرة من بني عمون، وأيضاً استراح من الجفاف الذي حدث لمدة ثلاث سنوات، بدأ ينتشر بني بليعال بين الشعب وابتعد عدد كبير من الشعب عن الرب (2صم23).

المصدر :كتاب هل إله العهد القديم إله دماء للقس عزت شاكر . 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات