لوقا 19 : 27 شبهات وهمية حول المثل الذي قاله السيد المسيح وفيه ملك يقول :”أما أعدائي ….. فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي

معنى آية : أما أعدائي فاذبحوهم قدامي   سؤال: في مثل الوزنات قال السيد المسيح له المجد “اما اعدائي اولئك الذين لم يريدوا ان املك عليهم فاتوا بهم الى هنا و اذبحوهم قدامي” من هو الملك المذكور في هذا المثل؟ هل المقصود هو السيد المسيح ؟ 

الإجابة:   حينما نتحدث عن آية من الكتاب. لا نستطيع أن نفصلها عن روح الكتاب كله، لأننا قد لا نفهمها مستقلة عنه. فلنضع أمامنا روح الإنجيل، ورسالة المسيح التي ثبتت في أذهان الناس. ثم نفهم تفسير الآية في ظل المفهوم العام الراسخ في قلوبنا.  ولا ينبغي أن نعتمد على آية واحدة أو جزء من آية، بدون وضع السياق والزمن الذي قيلَت فيه، ومَنْ القائل، ولِمَنْ.. إلخ.

رسالة السيد المسيح هي رسالة حب وسلام: سلام مع الرب، وسلام مع الناس: أحباء وأعداء. وسلام داخل نفوسنا بين الجسد والعقل والروح وهو لم يكن قائد كتيبة حربية والتلاميذ لم يكونوا محاربين . ورأينا أيضًا عندما انفعل بطرس وقت القبض على السيد المسيح وأخذ آلة حادة كانت معه وضرب أذن ملخس عبد رئيس الكهنة، كيف انتهره السيد المسيح و”قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!” (إنجيل متى 26: 52). وكمقدمة ينبغي أن أقول إن الإنجيل يحوي الكثير من الرمز، ومن المجاز. ومن الاستعارات والكنايات، من الأساليب الأدبية المعروفة.

مبادئ تفسير الأمثال:  فى الحقيقة عندما نريد أن ندرس أى مثل هناك عدة مبادئ لابد أن نعرفها جيداً حتي نفهم المثل وهي : لمن قال المسيح المثل؟ فهناك فرق بين أن يكون ذكره للتلاميذ وبين أن يكون ذكره لجماعة الفريسيين أو لعامة الشعب… الخ.  ما هى المناسبة التى قيل فيها المثل؟ ليس لكل تفاصيل المثل معاني روحية خاصة مقصودة، فهناك قصد أو هدف رئيسي للمثل من أجله قدم المسيح المثل، وهذا القصد الرئيسي هو البوصلة التى تساعدنا فى تفسير كل تفاصيل المثل.  وفى الحقيقة عندما ندرس هذا الأصحاح بالكامل نجد أن المسيح تبع هذا المثل بمثل آخر وهو الغني ولعازر، والمثلان يقدمان لنا مبدأ واحداً مهماً وهو:  إن الحياة العتيدة هي ثمرة ونتاج الحياة الحاضرة، وأن الطريقة التى بها نتصرف فى ممتلكاتنا تحدد مصيرنا فى الحياة العتيدة.  والمثلين يقدمان لنا كيف نعيش كوكلاء، وكيف نتعامل مع الأشخاص والأشياء التى نقابلها فى الحياة.

      نعود الآن للسؤال  ولنعرض الآن الجزء المتعلق بالآية كاملًا في إنجيل لوقا الأصحاح 19، حتى نعرف سياق الحديث:   فبعد دعوة زكا العشار، ودخول السيد المسيح بيته، ينتهي الأمر بتوبة زكا العشار، وليس فقط توبته، بل إصلاح أخطاء الماضي كما يتضح من الآيات: “فَوَقَفَ زَكَّا وَقَالَ لِلرَّبِّ: «هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (إنجيل لوقا 19: 8-10).

ثم يتم عرض موضوعنا كما يلي:   “وَإِذْ كَانُوا يَسْمَعُونَ هذَا عَادَ فَقَالَ مَثَلًا، لأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ أُورُشَلِيمَ، وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ عَتِيدٌ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْحَالِ.   “فَقَالَ: «إِنْسَانٌ شَرِيفُ الْجِنْسِ ذَهَبَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ لِيَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مُلْكًا وَيَرْجعَ. فَدَعَا عَشَرَةَ عَبِيدٍ لَهُ وَأَعْطَاهُمْ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ، وَقَالَ لَهُمْ: تَاجِرُوا حَتَّى آتِيَ. وَأَمَّا أَهْلُ مَدِينَتِهِ فَكَانُوا يُبْغِضُونَهُ، فَأَرْسَلُوا وَرَاءَهُ سَفَارَةً قَائِلِينَ: لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا. وَلَمَّا رَجَعَ بَعْدَمَا أَخَذَ الْمُلْكَ، أَمَرَ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ أُولئِكَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ الْفِضَّةَ، لِيَعْرِفَ بِمَا تَاجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ. فَجَاءَ الأَوَّلُ قَائِلًا: يَا سَيِّدُ، مَنَاكَ رَبحَ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ. فَقَالَ لَهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ! لأَنَّكَ كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ، فَلْيَكُنْ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَى عَشْرِ مُدْنٍ. ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي قَائِلًا: يَا سَيِّدُ، مَنَاكَ عَمِلَ خَمْسَةَ أَمْنَاءٍ. فَقَالَ لِهذَا أَيْضًا: وَكُنْ أَنْتَ عَلَى خَمْسِ مُدْنٍ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ قَائِلًا: يَا سَيِّدُ، هُوَذَا مَنَاكَ الَّذِي كَانَ عِنْدِي مَوْضُوعًا فِي مِنْدِيل، لأَنِّي كُنْتُ أَخَافُ مِنْكَ، إِذْ أَنْتَ إِنْسَانٌ صَارِمٌ، تَأْخُذُ مَا لَمْ تَضَعْ وَتَحْصُدُ مَا لَمْ تَزْرَعْ. فَقَالَ لَهُ: مِنْ فَمِكَ أَدِينُكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ. عَرَفْتَ أَنِّي إِنْسَانٌ صَارِمٌ، آخُذُ مَا لَمْ أَضَعْ، وَأَحْصُدُ مَا لَمْ أَزْرَعْ، فَلِمَاذَا لَمْ تَضَعْ فِضَّتِي عَلَى مَائِدَةِ الصَّيَارِفَةِ، فَكُنْتُ مَتَى جِئْتُ أَسْتَوْفِيهَا مَعَ رِبًا؟ ثُمَّ قَالَ لِلْحَاضِرِينَ: خُذُوا مِنْهُ الْمَنَا وَأَعْطُوهُ لِلَّذِي عِنْدَهُ الْعَشَرَةُ الأَمْنَاءُ. فَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَمْنَاءٍ! لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ. أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي» (إنجيل لوقا 19: 11-27).

ينفرد هذا المثل : كان الملوك في الأقاليم الرومانية مثل الجليل وبيرية يذهبون إلي روما ليتسلموا ممالكهم وكانت الأسرة الهيرودسية الحاكمة ، تعتمد علي روما في بسط سلطتها ، كما أن هيرودس الكبير كان قد ذهب بنفسه إلي روما ليأخذ مُلكه  . فينفرد هذا المثل عن أمثال السيد المسيح جمعاء لأنه فريد بحق ، فهو مؤسس علي حادثة تاريخية هامة ، إذ يخبرنا عن ملك ذهب ليأخذ لنفسه ملكا” وعمل عبيده كل الوسائل الممكنة والمستحيلة لحرمانه من ذلك الملك . عندما مات هيرودس سنة 4 قبل الميلاد ترك مملكته مقسمة بين هيرودس انتيباس فيلبس ، وأرخيلاوس ، وقد أيد الرومان هذا التقسيم وصادقوا عليه إذ كانوا يستعمرون فلسطين قبل التقسيم وذهب أرخيلاوس الذي كان عليه أن يملك علي اليهودية إلي أوغسطس في روما ليطلب منه أن يملك علي نصيبه ، ولكن اليهود أرسلوا وراءه سفارة من خمسين رجلا” ليخبروا أوغسطس أنهم لا يقبلونه ملكا” عليهم ، لكن أغسطس ثبت أرخيلاوس علي ميراثه بدون لقب وعندما يسمع أي إنسان في اليهودية هذا المثل يتذكر حالا” تلك الحوادث التاريخية التي بني عليها أما لنا فيخبرنا المثل عن حقائق سامية عظيمة في الحياة المسيحية.

إذًا، يتضح من هذا الأمر أن : أولًا:  فهو مؤسس علي حادثة تاريخية هامة وعندما يسمع أي إنسان في اليهودية هذا المثل يتذكر حالا” تلك الحوادث التاريخية التي بُني عليها. ثانيا” : هذه ليست وصية إلهية، بل مجرد كلام في مَثَل proverb لتقريب المعنى، وليس كلام حرفي. ثالثا” :الكلام جاء على لسان ذلك الإنسان الذي اصبح ملك وهكذا كان الملوك الشرقيين يعاملوا الاعداء وليس كنص من كلام السيد المسيح نفسه كوصية للشعب أو للتلاميذ. ولا يوجد حادثة واحدة في حياة السيد المسيح ولا التلاميذ ولا الآباء الرسل ولا ما بعدهم عن تنفيذ هذا الكلام، لأنه حتى أبسط شخص يقرأ هذا الكلام يعرف أنه مجرد مثل ورمز عن العقاب الأبدي في يوم الدينونة بعد نهاية العالم.   فهذا المثل يتحدث بصورة رمزية عن الوكالة  فهذا الملك المذكور في المثل أعطى لكل عبيده وزنات أو ما يجب عليهم عمله، ومسئوليات كل واحد منهم ومواهبه..  وهؤلاء العبيد هم كل البشر بدون استثناء..  لا يوجد أحد لم يأخذ وزنة.  غير أن البعض تاجَر وربح، والبعض أهمل وزنته ولم يعمل بها.  ثم هناك فترة اختبار على الأرض، يعقبها فترة المحاسبة وفترة المكافأة حسب عمل كل واحد. والمسيحية  تؤمن بمبدأ الثواب والعقاب.

فلماذا بعض الأخوة المسلمون يستخدمون هذه الآية كأنها معادلة لآيات الجهاد الإسلامي ضد الكفار؟!  هذا يدل أولًا على عدم الدراية الكافية بالدين المسيحي، ولا طبيعة الرب في المسيحية أن “اللهَ مَحَبَّةٌ” (رسالة يوحنا الرسول الأولى 4: 8، 16)، وأننا نحب الجميع، ولا نجاهد ضد أحد، بل نجاهد لأجل الناس في خدمتهم لكي يعرفوا الرب عز وجل..  ونجاهد ضد سلطان الخطية خلال علاقة كل إنسان مع الرب، ولا ندين أحدًا أو نحكم عليه..  بل نحب الجميع، بغض النظر عن السن أو العقيدة أو التوجه الطائفي أو الدين أو حتى اللادين..   لقد أعطاك الرب أمانة مثل باقي أولاده، فليتك تكون أمينًا في وقتك وقدراتك ومواهبك، وتعلَّم من المجاهدين حولك، حتى تتحمس مثلهم فتختبر عشرة الرب على الأرض، ثم تفرح بالأكثر في السماء..  فمحبتنا الرب والحياة معه ليست هي هربًا من العقاب الأبدي، بل “نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا” (رسالة يوحنا الرسول الأولى 4: 19)، وكما تقول الترنيمة: “إني أحب الرب لا لأربح النعيم، ولا لكي أنجو من العذاب في الجحيم”.

المصدر : موقع القديس تكلا وتفسير جون ماك أرثر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات