التنبؤ عن المستقبل – المثال الثانى

مفاتيح الألوان :

الأخضر : آيات قرآنية .

الأحمر : آيات من الكتاب المقدس .

الأزرق : مصادر إسلامية أخرى .

البرتقالي : روابط تستطيع الضغط عليها للوصول إلى المصدر الأصلي .

 

المثال الثاني : سورة الروم 30الآية 1
{الم  غُلِبَتِ الرُّومُ  فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}سورة الروم 30 : 1 – 5 .

 

وجه الإعجاز 

قالوا في وجه الإعجاز : {جاءت آيات الروم متضمنة للبشارات والبراهين المعجزة التالية:
أ-أن الروم سينتصرون على الفرس في مدة أقل من تسع سنين وهو ما حدث كما تنبأ به القرآن .

ب أن المعركة بين الروم والفرس ستقع لا محالة ، وهذا في حد ذاته إعجاز غيبي لأنه ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تحدث المعركة أكان بعد ذلك يصدق أي إنسان القرآن دأو يؤمن بالدين الجدي ؟

ج- تنبأ القرآن بأن المسلمين سوف يفرحون بنصر عزيز في نفس الوقت الذي ينتصر فيه الروم على الفرس ، وهذا بالرغم من قلة عدد المسلمين في مكة ، وكان يوم انتصار المسلمين المبشر هو يوم بدر} 1.

 

جاء في التفسير :
{عن ابن عباس ، قال : كان المسلمون يحبون أن تغلب الروم أهل الكتاب ، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس ، لأنهم أهل الأوثان ، قال : فذكروا ذلك لأبي بكر ، فذكره أبو بكر للنبي صلعم فقال :{أما إنهم سيُهزمون} ، قال : فذكر ذلك أبو بكر للمشركين ، قال : فقالوا : أفنجعل بيننا وبينكم أجلًا ، فإن غلبوا كان لك كذا وكذا ، وإن غلبنا كان لنا كذا وكذا ، قال : أفنجعل بينهم وبينه أجلًا ، خمس سنين ، قال : فمضت فلم يَغلبُوا ؛ قال : فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلعم ، فقال له :{أفلا جعلته دون العشر} ، قال سعيد : والبضع ما دون العشر ، قال : فغُلب الروم ، ثم غلَبَتَ ؛ قال : فذلك قوله : { الم غُلِبَتِ الرُّومُ  فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ } وفي موضع آخر قال محمد لأبي بكر : نَاحَبَ أبو بكر قريشًا ، ثم أتي النبي صلعم ، فقال له :إني قد ناحبتهم ، فقال له للنبي صلعم :{هلا احتطت فإن البضع ما بين الثلاثة إلى التسع} تفسير الطبري لسورة الروم 30الآية 2.



ثلاثة اختلافات جوهرية في الآية
1-اختلافهم في القراءة
{وقوله :{ غُلِبَتِ الرُّومُ } اختلفت القراء في قراءته :
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثني أبي ، عن الحسن الجفري ، عن سليط ، قال : سمعت ابن عمر يقرأ الم غَلَبَت الروم فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ، على أي شيء غَلَبُوا؟ قال : على ريف الشام} تفسير الطبري لسورة الروم 30آية 2 .
القراءة المبينة للمعلوم ستجعل الآية مجرد إخبار عن حدث وقع بعد أن انتصرت الروم لا قبل الانتصار وتعدهم بانتصار آخر ، وهذا ابن عمر قرأها على المعلوم ، ومادامت الآية في قراءتها ، سنطرح السؤال البديهي : لو كانت الآية إعجازًا غيبيًا عرفه الصحابة وأقروا به جميعًا لماذا إذن اختلفوا في القراءة ؟ أما كان ينبغي أن يكون هناك إجماع على أنها (غُلبت) وليس(غَلبت)؟ ومادام القرآن قد كُتب دون تشكيل ولا تنقيط فهذا الاحتمال وارد أيضًا وينسف قضية الإعجاز المزعوم فيها من أساسها لأن المعجزة ينبغي أن تكون واضحة جلية سالمة من المعارضة على حد تعبير السيوطي ! هل إعجاز تنبؤي مثل هذا عرفه كل المسلمين يمكن أن يحدث خلاف بشأنه ويقع شذوذ عنه خصوصًا من شخص بمقام عبد الله بن عمر؟

 

2-اختلافهم في معنى كلمة بضع
يقول الرازي:{في بضع سنين قيل هي ما بين الثلاثة والعشرة ، أبهم(ترك الوقت غامض) الوقت مع أن المعجزة في تعيين الوقت أتم } تفسير الرازي لسورة الروم 30الآية 4 .
{وروي الشعبي أن النبي صلعم قال لأصحابه :{كم البضع} قالوا الله ورسوله أعلم قال :{ما دون العشرة} تفسير الرازي لسورة يوسف 12 الآية 42 .
{وفي الحديث أن رسول الله صلعم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه :{وكم البضع} فقال : ما بين الثلاث إلى السبع} تفسير القرطبي لسورة يوسف 12 الآية 42 .
{عن ابن عباس رضي الله عنهما {فلبث في السجن بضع سنين :{قال اثنتا عشرة سنة وقال الضحاك أربع عشرة سنة} تفسير ابن كثير لسورة يوسف 12 الآية 42 .
إن هذه الكلمات جوهرية في الآية وبالتالي إن كان المسلمون لا يعلمون بالضبط كم هي بضع هل هي ما بين الثلاثة والعشرة أو ما بين الثلاثة والسبعة أو يمكن أن تصل حتى أربعة عشر ، فإني أتساءل كيف يجرأون على القول بأن هناك إعجاز في الآية ، خصوصًا أن العامل الزمني هنا يلعب دورًا محوريًا ؟ ومَن سيؤكد لنا خارج الروايات الإسلامية أن كلمة بضع تعني المعنى الذي قالوه ؟ هل هناك نصوص شعرية أو نثرية معاصرة لمحمد تؤكد أقوالهم ؟ لو كانت كلمة بضع واضحة المعنى لما كان أبو بكر قد وقع في الخطأ وراهن وخسر الرهان، ألم يكن يعرف معنى بضع وهو ابن اللغة العربية ؟ إن النبوة فضفاضة وغير محددة وتوحي بأن قائلها غير متأكد مما يقول ، حتى أن الرازي نفسه أقر بأن القرآن لو حدد المدة لكانت المعجزة أبلغ وأتم ! السؤال هو لماذا استعمل القرآن كلمة غامضة للتنبؤ عن حدث مثل هذا والغرض هو إثبات معرفته بالمستقبل ؟ إن الكلمة التي لها أكثر من معنى لا يمكن بتاتًا اعتمادها حجة في الإعجاز الغيبي، لأن من شروط الإعجاز الدقة والتحديد !

 

3-اختلافهم في التاريخ
اختلافهم في تاريخ{نزول} الآية وتاريخ حدوث المعركة حيث اختلفوا في متى غلبت الروم فارس هل هو عام الحديبية أم تزامنًا مع معركة بدر .
جاء في التفسير :{وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من العلماء ، كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم . وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال : لما كان يوم بدر ، ظهرت الروم علي فارس ، فأعجب ذلك المؤمنين ففرحوا به ، وأنزل الله { فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}….وقال الآخرون : بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية . قال عكرمة وقتادة وغير واحد} تفسير ابن كثير لسورة الروم 30الآيات من 1 – 7 .
قال المستشرق الألماني نولدكه عن هذه الآيات :{لابد أن الآيات الأولي من سورة الروم 30نُزلت بعد هزيمة البيزنطيين (الروم) أمام الفرس في إحدى الدول المجاورة لشبه جزيرة العرب ، لكن يصعب تحديد أي من الهزائم الكثيرة التي مني بها البيزنطيون – حتى بعد الهجرة – هي المعنية هنا ، لاسيما وأنه لا توجد أخبار بيزنطية موثق بها تؤكد روايات الكُتاب المسلمين القدامى ، وهي مشوشة وغير دقيقة حول هذه الأحداث} 2.

إن اختلاف المسلمين في تاريخ هذه المعركة ونقصان الأدلة التاريخية الأخرى غير الروايات الإسلامية تجعل تأكيد نسبة الإعجاز لهذه الآية من المستحيلات ، لأن الإعجاز كله زمني هنا فإن جهلوا الزمن واختلفوا فيه بطل الإعجاز .
ثم فليلاحظ القاري أن ابن كثير أعطانا معلومة أخرى مفيدة جدًا ، وهي أن الآية الأولي والثانية قيلتا حين انهزمت الروم {الم  غُلِبَتِ الرُّومُ  فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ }، أما الآية التي تليها فقد قيلت حين انتصرت الروم بعدة أعوام من ذلك حيث قال :{لما كان يوم بدر ، ظهرت الروم على فارس ، فأعجب ذلك المؤمنين ففرحوا به ، وأنزل الله :{فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} وهذا التصريح الخطير هو أكبر دليل على أن قول دعاة الإعجاز إنما هو ضرب من التخمين لا يستند على أسس علمية ولا تاريخية ، وبالتالي فإن ادعاء إعجاز تنبؤي غيبي في هذه الآية باطل من أساسه.
قال الأستاذ الحداد عن هذه الآية :{أنها تسجيل حدث مشهود عام 624 م فرح به المسلمون لنصر الإيمان ، كما فرحوا بنصر بدر على مشركي العرب والتاريخ خير شاهد : فقد بدأت حمله الفرس الظافرة عام 612 م. فاحتلوا سورية سنة 622 م. ، وفلسطين 614 م. ومصر 618 م. وظهر هرقل فسار بحملة الثأر الظافرة سنة 622 م. ، وسنة 624 م. كان طرد الفرس من سوريا ، يوم نصر بدر . وظل هرقل زاحفًا حتى احتل عاصمة فارس ، واسترجع منها ذخيرة الصليب . فما يسمونه نبوءة في آية الروم ليس سوى واقع تاريخي مشهود} 3.

إن آيات سورة الروم 30التي لا يكاد يخلو منها أي كتاب يتحدث عن الإعجاز القرآني هي واحدة من آيات كثيرة مليئة بالاختلافات بين المفسرين ، وفيها من الغموض والتناقض وعدم الدقة ما يكفي ويزيد ، ومع ذلك يصر دعاة الإعجاز على ترديدها متخذين إياها حجة ليس بعدها حجة على صدق كتابهم وألوهية مصدره ، ولكنها في الحقيقة بعيدة عن الإعجاز كل البعد .

1 مجله الوعي الإسلامي العدد ص 491 .

2 تاريخ القرآن ، الترجمة العربية طبعة 2004 ص 134 .

 معجزة القرآن للأب يوسف الحداد ص 181.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات