التنبؤ عن المستقبل – المثال الثالث

اللون الأخضر يشير إلى آيات قرآنية

المثال الثالث : التنبؤ عن وسائل النقل :
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ  وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ  وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} سورة النحل 16من الآية 3 إلي 8 .

جاء في كتاب روح الدين الإسلامي :{وفي القرآن تنبؤات عما سيحدث من وسائل النقل الكثيرة ، فمنذ أربعة عشر قرنًا يقول القرآن { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فجملة {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} معطوفة على الإبل التي جعلها الله أداة للركوب ، أي أن الله سيجعل وسائل للركوب غير التي كانت في عصر نزول القرآن وها هو الإنسان يتوصل إلى اختراع السيارات والطائرات والقطارات مما هدي الله الإنسان لاكتشافه}2.  إذا نموذج من النماذج التي نواجهها عند دراستنا لقضايا الإعجاز في القرآن .
هناك على الأقل ثلاث مشاكل تواجه من يدعي الإعجاز في هذه الآية:

معنى كلمة {يخلق}:
معنى الخلق في لسان العرب: الخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه ؛ وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سُبق إليه 3.

إن المتأمل لفعل {خلق} في القرآن يجد أنه فعل مختص بالله سبحانه {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}سورة النحل 16الآية 17 . وبالتالي فهو فعل يميز الله عن غيره ، وهو فعل استعمل للدلالة على عملية الابتداء على مثال لم يسبق إليه كما جاء في اللسان :
كخلق السموات والأرض أو خلق الإنسان …….إلخ، والخلق عملية يتولاها الله سبحانه ويقوم بها بنفسه دون وساطة أحد ولا يوكلها إلى أي مخلوق آخر ، وبالتالي فإن الأفعال التي يقوم بها أي مخلوق لا يمكن أن يقال عنها بأنها خلق، لذلك لا يمكن أن يقال عن الصناعة خلقًا.

هناك آيتان شكلتا الاستثناء في هذه القاعدة القرآنية:
 {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} سورة الصافات 37 : 96 : هذه الآية جاءت على لسان إبراهيم في عتاب لقومه حيث يدور حوار افتراضي يتساءل فيه إبراهيم قال {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} !وهذه الآية تتحدث عن الخلق غير المباشر الذي ينسب لله أيضًا ، لأنه بما أنه خلق الناحت فالمنحوت يعتبر خلقًا له بالتعدي . لكن هذه الآية مجرد استثناء هذا أولًا ، وثانيًا فيها قرينة لغوية توضح بأن معنى الخلق هنا خلق مباشر وخلق غير مباشر أيضًا (ما تنحتون….ما تعملون) ، فلولا وجود هاتين القرينتين لما أمكن تفسير الخلق إلا على ظاهره وهو الخلق المباشر المعروف كخلق السموات والأرض وخلق الإنسان . وبما أن الآية موضوع الدراسة لا توجد فيها أي قرينة لغوية تفيد عكس الخلق المباشر وهو ظاهر الآية فلا يمكننا قبول الخلق بمعنى الصنع، إذن فالآية ينبغي أن تؤخذ على ظاهرها إلى حين وجود دليل قاطع يفيد عكس ذلك.
الآية الثانية التي شكلت الاستثناء هي قوله :{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} سورة العنكبوت 29 الآية 17 . ومعناها :{تعبدون الأوثان وتخلقون الكذب} تفسير القرطبي لسورة العنكبوت 29 الآية 17

هذه الآية هي الأخرى تحوي قرينة لغوية تفيد معنى الخلق بالمعنى الاستثنائي خروجًا على القاعدة ، فالحديث موجه إلى بشر وجاء ذكر الأوثان قبله وهو أيضًا كلام مفترض من إبراهيم إلى قومه ، ويصح في الكلام أن نقول {خلق كذبة} أو {اختلق الكذب} : بمعنى أوجد شيئًا لم يكن له وجود من قبل . إذن فمعنى الخلق ما كان ليخالف المعنى السائد لولا وجود هذه القرائن في الآية .

السياق
إن سياق الآية يقتضي الكلام عن المخلوقات من الأحياء ، حيث أتى على ذكر خلق الإنسان أولًا ، ثم ذكر الأنعام 6 التي يأكل منها الإنسان ، وبعد ذلك سرد مجموعة من الحيوانات التي يركبها الإنسان ، وختمها بقوله ويخلق ما لا تعلمون ، فالسياق إذن يقتضي أن يستمر الحديث عن مخلوقات حية أخرى لا يعلمها الإنسان وليست مما يأكل منه ولا مما يركبه .. فالانتقال مستحيل من مخلوقات إلى مصنوعات في ظل هذا السياق ، ولا توجد أي قرينة تؤكد لنا ضرورة هذا الانتقال ، فلو أراد القرآن التطرق إلى وسائل الركوب من المصنوعات لذكر لنا أولًا ما كان متوفرًا حينها من وسائل النقل كالعربات والسفن حتى يكون سياق الآية متناسقًا مع التأويل الذي أراده دعاة الإعجاز لكلمة ما لا تعلمون ! إذن فتفسير ما لا تعلمون على أنه سيارات وطائرات ووسائل النقل العصرية هو تفسير مبني على الظن ليس إلا ، إذ لا يوجد ما يؤكده لا من الناحية اللغوية ولا من ناحية السياق ، وبالتالي لا يمكننا قبول إعجاز مبني على الظن والغموض ، بل فيه مخالفة حتى لأبسط قواعد تفسير القرآن المعروفة وهي حمل النص على ظاهره إلى أن يثبت العكس . ولنلق نظرة على تفاسير القرآن لهذه الآية لنتأكد من معناها:

 

التفاسير :
جاء في تفسير القرطبي لهذه الآية : روي عن النبي صلعم أنها أرض بيضاء ، مسيرة الشمس ثلاثين يوم مشحونة خلقًا لا يعلمون أن الله تعالي يعصي في الأرض ، قالوا : يا رسول الله ، من ولد آدم ؟ قال: (لا يعلمون أن الله خلق آدم) قالوا: يا رسول الله ، فأين إبليس منهم ؟ قال : (لا يعلمون أن الله خلق إبليس) – ثم تلا {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}  ذكره الماوردي.  تفسير القرطبي لسورة النحل 16الآية 8 .

 

وجاء في تفسير الرازي : اعلم أنه تعالى لما ذكر أولًا : أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعًا ضروريًا وثانيًا : أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعًا غير ضروري بقي القسم الثالث من الحيوانات وهي الأشياء التي لا ينتفع الإنسان بها في الغالب فذكرها على سبيل الإجمال فقال :{ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير الرازي لسورة النحل 16آية 8
وأما الطبري فيقول :{ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يقول تعالى ذكره : ويخلق ربكم مع خلقه هذه الأشياء التي ذكرها لكم ما لا تعلمون مما أعد في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها مما لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر} تفسير الطبري لسورة النحل 16الآية 8 .

 

لقد اخترت فقط نماذج مما قاله المفسرون ، حتى يتأكد القارئ بأن ادعاء الإعجاز في هذه الآية ليس مخالفة لأصول التفسير فحسب ، بل هو خروج عما أجمع عليه قدماء المفسرون وما ذكر في أمهات الكتب وبالتالي فهو تفسير بالرأي ، والتفسير بالرأي حرام شرعًا ! فهل يستطيع دعاة الإعجاز أن يعطونا دليلًا واحدًا سواء من اللغة ، أو من السياق ، أو مما رواه السلف ، أو مما قاله قدماء المفسرين يؤكد إعجازهم المزعوم ؟ إن الإعجاز ينبغي أن يكون واضحًا جليًا ودقيقًا ، ليس مبنيًا على تأويل الكلام وإبعاده عن سياقه العام ، والخروج به عما أجمع عليه علماء السلف .

1  لسان العرب لابن منظور باب الخاء.

2 روح الدين الإسلامي ص60.

 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات