دراسة بعض اﻷمثلة – المثال الثانى

المثال الثاني – سورة المجادلة 58 : 8 
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } سورة المجادلة 58 : 8
الإعجاز في هذه الآيات كما يراه الكثيرون هو أن اليهود كانوا يأتون محمدًا وأصحابه ويسلمون عليهم سلامًا فيه تحريف لغوي فيقولون السام عليكم عوضًا عن السلام عليكم ، وأن محمدا سمع سلامهم أو أعلمه الله به فكان يرد عليهم بكلمة {وعليكم} وأن الله أيضًا أطلعه على ما يقولون في أنفسهم (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ ) أي : {يقولون في أنفسهم لو كان هذا نبيًا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن لأن الله يعلم ما نسره ، فلو كان هذا نبيًا حقاً لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا} انظر تفسير ابن كثير للمجادلة 8 . إذن فالقرآن كلام الله المعجز لأنه أعلم محمدًا بما يدور في خلد اليهود رغم أنهم لم يعلنوا ذلك .

وهنا نجد عدة أسئلة محيرة تطرح أمام الباحث :

 علي فرض أن الروايات صحيحة وأن اليهود فعلًا كانوا يقولون السلام عليكم ، عوضًا عن السلام عليكم ، وهو أمر غريب لأن تحية السلام هي تحية يهودية أصلًا وهم يقولون (شلوم) التي هي سلام ، ولا يوجد مصدر آخر غير المصادر الإسلامية مشحونة بالكراهية لليهود ، فلا عجب إذن أن ينسبوا لهم هذه التحية المضحكة ! فلنفترض جدلًا أن يهود الجزيرة العربية كانوا يقولون ذلك ، وكلنا نعرف أن السلام تحية علانية ، وبالتالي فإن محمدًا وأصحابه سمعوا التحية وعليه يكون الإعجاز الغيبي لاغيًا ، فإذا قال قائل إنهم قالوها بشكل مخادع حتى يعتقد المسلمون أنها تعني (السلام عليكم) بينما هي في الحقيقة (السام عليكم) سنجيبهم بواحد من الأحاديث مروي عن عائشة :{عن مسروق عن عائشة قالت : {دخل على رسول الله (ص) يهود فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقالت عائشة :وعليكم السام قالت : فقال رسول الله عليه وسلم : {يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش} قلت : ألا تسمعهم يقولون السام عليكم؟ فقال رسول الله صلعم {أو ما سمعت أقول وعليكم }1.

إن كان المقصود بالإعجاز الغيبي في هذه الآية هو قولهم في أنفسهم لو كان هذا نبيًا لعذبنا الله بما نقول ، سنسأل السؤال نفسه مَن سيؤكد لنا أنهم فعلًا قالوا ذلك في أنفسهم؟ عليهم أن يقروا أنهم قالوا بذلك فأين هي تصريحاتهم المؤكدة للآية؟ وحتى إن اعترفوا – وهو أمر لم نجد له دليلًا – كيف يصدقهم المسلمون وهم كما يقولون عنهم أعداء لدينهم؟ فالآية ينقصها الدليل ، وكأني بدعاة الإعجاز يبنون أدلتهم على التصريح القرآني فقط قائلين : القرآن قال أنهم يقولون ذلك شاءوا أم أبوا صرحوا أم نفوا لا يهم ! المهم أنهم قالوا ذلك وهذا إعجاز غصبًا عنهم ! فأي منطق هذا؟ لابد من توفر أدلة خارج النص تثبت دعوى الإعجاز للنص وهذا غير موجود في هذه الحالة .

أن كان من المعروف أن العداوة بين محمد واليهود هي عداوة راسخة أثبتتها الأحداث المتلاحقة من تكذيبهم لرسالته ، وامتحانهم له في غير ما مرة ، واعتزازهم بدينهم وتاريخهم وإرثهم الروحي واستهزائهم بالقرآن هذا من جهتهم ومن جهة محمد أنه اغتال منهم الكثير وقام بتصفيتهم ، وسبي نساءهم وذراريهم وطردهم من المدينة وشتمهم في أكثر من آية قرآنية ..فهل سيخفي إذن على أي عاقل أنهم في أنفسهم يكرهون محمدًا ويقولون قولًا من هذا القبيل {لو كان نبيًا لعذبنا الله بما نقول}؟ إنه ليس بالقول الذي يصعب تخمينه بناء على العداوة بمَن فيهم الصحابة وعائشة ! وما كانوا يحضرون اجتماعات محمد إلا لامتحانه وإحراجه بالأسئلة ! فالإعجاز الغيبي كما قلنا سابقًا ينبغي أن يكون معجزًا بكل ما في الكلمة من معنى بحيث لا يمكن تخمينه ولا توقعه ، وهذا هو ما لا يتوفر في هذه الآية.

 1. (ذكره ابن كثير في تفسيره لسورة المجادلة 588 ، وهو حديث جاء حتى في الصحيح حيث قال ابن كثير : {وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم :عليكم السام والذام واللعنة ،وأن رسول الله (ص)قال إنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا } ذكره البخاري على الأقل في ست مواضع بينها باب الدعاء على المشركين ) إذن عائشة سمعتهم بحسب الحديث وهنا يلغي الإعجاز الغيبي مرة أخرى !

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات