دراسة بعض الأمثلة – المثال الأول

مفاتيح الألوان :

الأخضر : آيات قرآنية .

الأحمر : آيات من الكتاب المقدس .

الأزرق : مصادر إسلامية أخرى .

البرتقالي : روابط تستطيع الضغط عليها للوصول إلى المصدر الأصلي .

 

المثال الأول –  سورة الأنفال 8 7 – 8 :
يقول مؤيدو فكرة الإعجاز الغيبي أن القرآن سبق وتنبأ بهزيمة الكفار المشركين في معركة بدر قبل أن يلاقوهم وذلك اعتمادًا على الآية القرآنية :{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ  } سورة الأنفال 8 : 7 – 8 .

جاء في تفسير هذه الآية : {قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني حدثنا بكر بن سهل ،حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران ، حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول : قال رسول الله ونحن بالمدينة {إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها ؟} فقلنا نعم فخرج وخرجنا فلما سرنا يومًا أو يومين ، قال لنا {ما ترون في قتال القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم ؟ }فقلنا لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ولكنا أردنا العير، ثم قال {ما ترون في قتال القوم؟} فقلنا مثل ذلك فقال المقداد بن عمرو : إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } قال فتمنينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم ، قال فانزل الله على رسوله صلعم { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} تفسير ابن كثير لسورة الأنفال 8 :  5 – 8 .

 

أسئلة عن الإعجاز في الآيات:
بعض الأسئلة التي تمنعنا من قبول الإعجاز في هذه الآيات :
الآية جاءت في سورة الأنفال 8 ومن المعلوم أن سورة الأنفال 8 أتت بعد غزوة بدر وليس قبلها ، وهذا ما أخبرنا غير واحد من السلف :{روي أبو داود ، والنسائي ، وابن حبان ، والحاكم ، عن ابن عباس قال : قال النبي صلعم :{مَن قتل قتيلًا فله كذا وكذا ، ومَن أسر أسيرًا فله كذا وكذا} . فأما المشيحة فثبتوا تحت الرايات ، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم ،فقالت المشيخة للشبان : أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردءًا ، ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا . فاختصموا إلى النبي صلعم ، فنزلت : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} 1.والآيات موضوع دراستنا هنا هي الآية السابعة والثامنة ، وهي ليست منفصلة في السياق عن الآيات الأخرى وتعالج نفس الموضوع ، فليس من المعقول أن تكون قد جاءت قبل دخول المعركة بل بعدها ، والمتأمل للآيات التي بعدها أيضًا مثل قوله :{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} سورة الأنفال 8 : 9 يتأكد من هذه الخلاصة لأن فعل استجاب هو في الماضي ، والحادثة ترويها الروايات على أن دعاء محمد إنما كان أثناء المعركة حين رأى كثرة عدد خصومه 2. وبالتالي فإن الآيتين السابعة والثامنة أيضا” هما مجرد رواية ما حدث من قبل ، ولا يحق أن يتم تصنيفهما على أنهما علم بانتصار المسلمين في وقعة بدر 3.

إن كان المقصود بالإعجاز الغيبي خصوصًا معرفة ما في الضمائر ، وأن الله أخبر محمدًا بأن أصحابه يكرهون في داخل أنفسهم أن يلاقوا قريشًا في الحرب ، وإنهم يفضلون بدل ذلك – في داخلهم أيضًا- أن يهجموا على القافلة (غير ذات الشوكة) فإن المتأمل للتفاسير سيجد تعابير كثيرة توحي بأن هذا أيضًا لم يكن بالأمر الخفي ولا بالأمر المستتر ، فقد جاء في الطبري :{قال : ثنا هشام بن عروة ، عن عروة : أن أبا سفيان أقبل ومَن معه مِن ركبان قريش مقبلين من الشام ، فسلكوا طريق الساحل فلما سمع بهم النبي صلعم ندب أصحابه ، وحدثهم بما معهم من الأموال وبقلة عددهم . فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان ، والركب معه لا يرونها إلا غنيمة لهم ، لا يظنون أن يكون كبير قتال إذا رأوهم ، وهي ما أنزل الله: { وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْتكون لكم} تفسير الطبري للأنفال 7 (الجزء 9 ص 123 من طبعة 1990 لدار المعرفة) وجاء في تفسير ابن كثير كما رأينا من قبل أن أصحاب محمد قالوا:{فقلنا لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ولكنا أردنا العير}!! فهل هذا بالشيء المعجز أن أعرف أن أي إنسان في العالم يحب الغنيمة السهلة التي ليست فيها أي مواجهة على الغنيمة التي سيكون فيها مغامرة بالنفس وفيها قتال؟

من أسباب النزول أيضًا نستنتج أمرًا مهمًا للغاية : {عن ابن عباس ، قوله : { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} قال : أقبلت عير أهل مكة يريد : من الشام فبلغ أهل المدينة ذلك ، فخرجوا ومعهم رسول الله يريدون العير(القافلة). فبلغ ذلك أهل مكة ، فسارعوا السير إليها لا يغلب عليها النبي صلعم وأصحابه ، فسبقت العير رسول الله صلعم ، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين ، فكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم وأيسر شوكة وأحضر مغنمًا . فلما سبقت العير ، وفاتت رسول الله صلعم ، سار رسول الله صلعم بالمسلمين يريد القوم ، فكره القوم مسيرهم لشوكة في القوم} تفسير الطبري لسورة الأنفال 8 آية :7(الجزء 9 ص 123 من طبعة 1990 لدار المعرفة) الحكاية رغم كثرة الروايات فيها هي أن محمدًا اعترض القافلة التجارية التي كان أبو سفيان يقودها ، وحين علم أبو سفيان غير الطريق واستطاع أن يفلت من محمد ، وكانت قريش قد أعدت العدة وخرجت لحماية قافلتها بعد أن توصلت بالخبر ، أما محمد فكان قد استشار أصحابه أن يختاروا بين مهاجمة أصحاب القافلة التجارية وهم عُزل وأسهل في المغنم وكثيرة هي الغنائم التي سيحصلون عليها من هذا الهجوم ، وبين أن يلاقوا المدافعين من قريش الذين خرجوا لحماية قافلتهم وهم أصعب في المواجهة وغنائم مواجهتهم أقل مما في القافلة ، وبالتالي أحب أصحابه الخيار الأول وتقول الأخبار أيضًا أن محمدا قد قال لهم أن الله وعدهم إحدى الطائفتين 4. وحتى على فرض أن هذا الخبر صحيح فإن السؤال الذي يُطرح هنا لماذا ليس هناك دقة في الوعد مادام الأمر نبوة كما يدعون؟ هل الله مبهم إلى هذه الدرجة حتى يقول أنه يعدهم إحدى الطائفتين دون تحديد؟ 5. ولماذا أفلت أبو سفيان حتى لم يعد محمد أي خيار إلا مواجهة قريش أو الرجوع مذلولًا؟ أين هو الوعد بإحدى الطائفتين؟ أليس ذلك مجرد واقع فرض نفسه أكثر مما هو نبوة؟ أما كان الأجدر بالنبوة أن توفر على محمد المشورة من أصحابه خصوصًا وأنه ظل يستشيرهم حتى أن سعد بن معاذ انزعج من أسئلة محمد وعلم أن محمدا إنما هو متردد في مواجهة قريش خوفًا من أن يتخلى عنه الأنصار ما دامت المعاهدة التي كانت تجمعهم إنما هو معاهدة دفاع لا تنص على مساندتهم في مثل هذا الغزو الذي هو عبارة عن هجوم غايته الغنيمة ليس إلا؟

حتى لو كان صحيحًا أن هذه الآيات قد قيلت قبل الموقعة ، رغم أن هذا شيء يخالفه السياق وليس هناك ما يكفي من الأدلة لتأكيده ، فإنها ستكون مجرد توقعات ليس إلا ، والدليل على هذا أن محمدا لم يكن متأكدًا بل كان يتمنى ، وقد عبر عن ذلك بقوله { لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا } وما هذه التعابير إلا محاولة لشحن المشاعر ولرفع معنويات أصحابه من المقاتلين ليس إلا ، إذ لا يوجد جيش في الوجود كله يتأهب لخوض معركة يقول بأنه لن يَغلب! كل الجيوش تذهب للمعارك قائله بأنها ستغلب! إن محمدا نفسه عندما ذهب إلى معركة أُحد كان ذاهبًا وهو متأكد من أنه سيغلب حيث تقول الآية عن أبي سفيان الذي صار يصرف المال الكثير لجمع المقاتلين ينتقم بهم من محمد بسبب معركة بدر: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} سورة الأنفال 8 : 36 (هذه الآية وعد بانهزام أبي سفيان في معركة أحد بحسب أسباب النزول ) 6. ولكن معركة أُحد هُزم فيها محمد شر هزيمة! وإلا فهل هذه الآية تعبير عن العجز الغيبي للقرآن إذن؟ بل السؤال المحرج ههنا لماذا سمح الله لمحمد أن يذهب إلى معركة كاد أن يُقتل فيها 7. وقد تعود الله أن يخبر نبيه قبل المعارك بواسطة جبريل؟ 8. فلماذا ذهب إن كان يعرف أنه سيُغلب؟ وهل الإعجاز الغيبي ظهر فقط في الآيات المتعلقة بمعركة بدر ثم اختفى في الآيات المتعلقة بمعركة أُحد؟ 9. بل الأخطر من هذا هو أن القرآن يقول بأن معركة أُحد كانت نصرًا كما وعد الله لكن المسلمين انهزموا لأنهم لم يطيعوا أوامر الرسول ، فيا للعجب إن انتصروا فذلك وعد من الله تحقق وإعجاز غيبي تحقق ، وإن انهزموا فذلك منهم ، ولا يمكن القول عنه أنه وعد من الله لم يتحقق وإعجاز غيبي لم يتحقق ! تأمل الآية : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} سورة آل عمران 3 : 152 .

1. أسباب النزول للسيوطي جزء 1 ص 241.

2.  (جاء في تفسير الطبري لسورة الأنفال 8 الآية 9 : {لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلعم إلى المشركين وعدتهم ، ونظر إلى أصحابه نيفا على ثلاث مئة ، فاستقبل القبلة ، فجعل يدعو ويقول :{اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام ، لا تُعبد في الأرض } فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ، وأخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فوضع رداءه عليه ، ثم التزمه من ورائه ، ثم قال أبو بكر :{كفاك يا نبي الله بأبي وأمي مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك فانزل الله : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ}).

3.  يتم عن قصد الاستشهاد بعض المرات بسورة القمر 54: 45 {وسَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}على أساس أنها تنبؤ عن انتصار المسلمين في معركة بدر ، لكن سياق الآية والتفسير يثبت بأنها تتحدث عن آل فرعون ! .

4. جاء في تفسير الطبري للأنفال 8 آية 7 :{ قام المقداد بن الأسود الكندي ، فقال : يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسي :  {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ولكنا نقول : أقدم فقاتل إنا معك مقاتلون ففرح رسول الله بذلك وقال : {إن ربي وعدني القوم وقد خرجوا فسيروا إليهم} فساروا. وجاء أيضًا : فقال رسول الله :{إن الله قد وعدكم العير أو القوم}.

5. جاء في تفسير الطبري للأنفال : 7 أيضًا أن محمدًا قال لأصحابه {هذه عير قريش فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها} فلو كان متأكدًا من وعد الله ما كان ليكون مترددًا هكذا ، ونعلم أن القافلة قد أفلتت منه . 

6. أنظر أسباب النزول للواحدي أو لباب النقول في أسباب النزول. 

7. {قال ابن هاشم : وذكر ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدرى عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري : أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله عنه يومئذ ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى ، وجرح شفته السفلى ،وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته ، وأن ابن قمئة ، جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ووقع رسول الله في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون} السيرة النبوية لابن هشام، باب ما أصاب الرسول يوم أحد جزء 3 ص 28 طبعة دار المعرفة .

8. جاء في تفسير الطبري للأنفال : 7 {ثم إن أبا سفيان أقبل من الشام في عبر لقريش ، حتي إذا كان في قريبًا من بدر ، نزل جبريل على النبي صلعم ، فأوحي إليه :{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ }.

9. الآيات المتعلقة بمعركة أُحد جاءت في سورة آل عمران 3 كلها آيات تعزية للمسلمين ومحاولة مواساتهم{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} سورة آل عمران3 : 140 .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات