الإعجاز في غيبياته

الإعجاز في غيبياته

من أوجه الإعجاز التي تحدث عنها علماء القرأن واختلفوا فيها، هو الإعجاز الغيبي، أي أن القرآن ذكر العديد من الأمور الغيبية التي لم يكن لمحمد من أين يعلمها، فلذلك جعلت من القرآن معجزة خالدة ودليلها موجود فيها، فإخباره عن الأمم الماضية يعد غيبا لأن محمدا أُمي (وهو أمر سندرسه فيما بعد) ولم يكن له من أين يتعلم مثل هذه الأمور، و أخبر عما في الضمائر في آيات أخرى وما يضمره الإنسان هو غيب لا يعلمه إلا الله، وتنبأ عن المستقبل نبؤات صدقت مما يثبت إعجاز القرآن أيضًا ، هذه الغيبيات كلها اتخذها الكثير من علماء القرأن وجها من آوجه الإعجاز القرآني، ودليلا قطعيا على أن الله هو من أوحي بالقرآن إلى محمد، وبالتالي شهادة قوية تضاف إلى غيرها لتؤكد نبوة محمد وصدق رسالته.
ومن بين ما قيل في هذا الباب ما نقله لنا السيوطي عن القاضي عياض، مما قاله هذا الأخير بخصوص أوجه الإعجاز حيث أن ذكر من بينها: {ما انطوي عليه من الإخبار بالمغيبات ومالم يكن، [ووجد كما ورد]. ما أنبأ من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أخبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده (ص) على وجهه، ويأتي به على نصه، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب}. 1
ويذكر لنا السيوطي في موضع آخر أيضًا أقوال الكثير من عبماء القرآن حيث قال: {وقال قوم: وجه إعجازه ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة، ولم يكن ذلك من شأن العرب، وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن قصص الأولين وسائر المتقدمين، حكاية من شاهدها وحضرها. وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن الضمائر، من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل، كقوله: { إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ } آل عمران 122، {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّه} المجادلة 8 }.2
ويتخذ صبحي الصالح من هذا الوجه الغيبي في القرآن حجة دامغة تثبت صدق دعوي محمد بالنبوة فيقول: {والكذب المفتري لا يلبث أن ينكشف، ففي أي شئ كذب النبي؟ في أخبار الغيب أم في أخبار أخبار الماضي أم أخبار المستقبل المحجوب، وهل كانت ثقافة العرب المحدودة تسمح لهم بأن يكونوا في هذا الصعيد حكما على الكاذبين أو الصادقين؟}. 3
فلنفحص هذه الأوجه الغيبية واحدا تلو الآخر لنرى صدقها من كذبها، ولنحدد ما إن كان القرآن فعلا قد تحدث عن الغيبيات وإن تحدث فهل صدق وأصاب؟

1. نقله الأسيوطي في الإتقان ص719 عن القاضي عياض في الشفا 1\258 – 280
2. الإتقان ص713
3. مباحث في علوم القرآن ص41

 

أخبار الأمم السابقة
قال صبحي صالح في هذا الباب: {وكأي من خبر ماض قص القرآن به أحسن القصص عن أمم خلت، وصحح به أخطاء وردت في الكتب السابقة فتناول عصمة الأنبياء، وفند به بعض المغالطات التاريخية، وصور محمدا شاهدا الأحداث كلها، مراقبا إياها، كأنه يعيش في عصرها بين أصحابها. قص على نبيه قصة نوح ثم قال: { تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} هود 49.

وفصل كثيرا من أحوال موسى في مدين: ثم قال: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} القصص 44-45 ، ووصف ولادة السيدة مريم ابنها عيسى عليهما السلام وكفالة زكربا لها ثم قال: { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} آل عمران 44 ، وأسهب في سرد قصة يوسف وإخوته ثم قال: { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} يوسف 102}.4
قد يتأثر القارئ بهذه الجمل المزخرفة والتي تحمل بين طياتها مغالطات كثيرة حول القصص القرآني، وحول ما جاء من أخبار الأمم في غير القرآن من كتب مقدسة وأشعار وغيرها، ولكن بدراسة متأنية يتجلى كل شئ ويظهر للقارئ مدى تعصب المسلمين للقرآن حتى أنهم لم يعتبروا أي كتاب غيره، ولولا الحاضر والواقع الذي يفرض أمورا عديدة لوصل بهم التعصب الأعمى إلى القول بأن القرآن هو الكتاب الوحيد الموجود على هذه الأرض.

إن كل القصص التي ذكرها القرآن وقام صبحي الصالح بجردها موجودة في الكتب المقدسة عند اليهود والمسيحيين، فقصة نوح فرد لها الكتاب المقدس خمس أصحاحات متتالية على الأقل، (سفر التكوين من الأصحاح 6 إلى 10) ، وهي تذكر تفاصيل القصة أكثر بكثير مما ذكر في القرأن (حوالي 13 آية في سورة هود) بحيث لم يذكر إلا عموميات دون التفاصيل، مع إضافة بعد التحريفات التي لم ترد أصلا في الكتاب المقدس وهو قبل القرآن بقرون كثيرة، وأوفى وأشمل وأدق، فالقرآن لم يأت بأي جديد يذكر في قصة نوح، وليس أمرا عجيبا أن يكون محمد مطلعا على قصة نوح، لأن القول بخلاف هذا يوحي بأن محمدا كان منقطعا عن الناس ويعيش في جزيرة لوحده، فقصة نوح قصة معروفة ومتداولة فربما أدخلت لشبه الجزيرة العربىة سواء عن طريق المقيمين فيها من يهود ونصارى، أو عن طريق الحجاج القادمين إليها كل موسم، أو عن طريق تجارها الذين كانوا يذهبون إلى الشام ويلتقون الناس من مخنلف الأديان زالمذاهب.

4. مباحث في علوم القرآن 41-42

 

لكن الثابت في الأمر أنها قصة نوح؟ ها يعقل أن يكون ورقة بن نوفل لا يعرف قصة نوح؟ ومادام الأمر من المستحيلات ألم يسمع محمد من ورقة أي قصة من قصص الكتاب المقدس وهو ممن استشارتهم خديجة في مسألة الوحي؟ هل يعقل أن يكون اللقاء مرة واحدة وهو من أصهار محمد؟ وخير دليل لنا على أن قصة نوح كانت من الأمور المسلمة لدى العرب هو أقوال الشعراء:
فها هو أمية بن أبي الصلت يذكرها ويحفظها عن ظهر قلب، وهو لم يكن لا من النصارى ولا من اليهود، ولا قسا ولا حبرا، بل كان شاعرا عربيا وقد كان محمد مولعا بأشعاره5 :

كَرَحمَةِ نُوحٍ يَومَ حَلَّ سَفينةً لِشيعَتِهِ كَانوا جَميعاً ثَمانِيا
فَلَمّا اِستَنارَ اللَهُ تَنُّورَ أَرضِهِ فَفارَ وَكانَ الماءُ في الأَرضِ ساحيا
تَرَّفَعُ في جَريٍ كَأَنَ أَطِيطَهُ صَرِيفَ مُحالٍ يَستَعيدُ الدَوالِيا
عَلى ظَهرِ جَونٍ لَم يُعَدَّ لِراكِبٍ سَراهُ وَغيمٍ أَلبَسَ الماءَ داجِيا
فَصارَت بِها أَيامُها ثَمَّ سَبعَةً وَسِتَ لَيالٍ دائِباتٍ عَواطِيا
تَشُقُّ بِهِم تَهوي بِأَحسَنَ إِمرَةٍ كَأَنَّ عَليها هادِياً وَنَواتِيا
وَكانَ لَها الجودِيُّ نِهياً وَغايَةً وَأَصبَحَ عَنهُ مُوجُهُ مُتَراخِيا
وَما كانَ أَصحابُ الحَمامَةِ خَيفَةً غَداةَ غَدَت مِنهُم تَضُمُّ الخَوافِيا
رَسولاً لَهُم واللَهُ يَحكُمُ أَمرَهُ يُبَيِّنُ لَهُم هَل يُؤنَسُ الثوبُ باديا

5. جاء في مسند الإمام أحمد حديث حديث رقم 18657″ حدثنا سفيان عن إبراهيم بن مسرة عن عمرو بن الشريد عن أبيه أن شاء الله أو يعقوب بن عاصم يعني عن الشريد كذا حدثناه أبي قال: أردفني رسول الله صلي الله عليه وسلم خلفه فقال هل معك من شعر أمية شئ قلت نعم قال أنشدني فأنشدته بيتا فقال هيه فلم يزل يقول هبة حتى أنشدته مائة بيت”

 

وقال في موضع آخر:

سمع اللـه لابن آدم نوح ربّنا ذو الجلال والأفضال
حين أوفى بذي الحمامة والنا سُ جميعاً في فلكه كالعيال
فهي تجري فيه و تجتسر البحـ ـر بأقلاعها كَقِدْح المغالي
حابساً جوفه عليه رسولاً من خفاف الحمام كالتمثال
فرشاها على الرسالة طوقاً وخضاباً علامةً غير بالي
فأَتته بالصدق لما رشاها وبقَطْفٍ لما غدا عِثكالِ
تصرخ الطير والبرية فيها مع قوي السباع والأفيالِ
حين فيها من كل ما عاش زوج بين ظهري غواربٍ كالجبالِ

 

وله أيضا:

منج ذي الخير من سفينة نـوح يـوم بـادت لبنان مـن أخـراها
فار تنوره وجـاش بمـاء طم فـوق الجبـال حتـى عـــلاها
قيـل للعبـد سر فسار وبالله على الهـول سـيرها وسـراها
قيل فأهبط فقد تناهت بك الفلك عـلى رأس شـاهق مـرساهـا

 

فهل بعد هذه التفاصيل كلها، والتي ذكرها شاعر عربي يسلم بأن ما يتحدث عنه معروف ومتداول بين قومه، يمكن أن يقال بأن قصة نوح من أنباء الغيب؟ إن الغيب هو ما لا يعرفه إلا الله وحده ولا سبيل إلي معرفته إلا بإعلان إلهي وكشف رباني، أما قصة نوح فإنها من الأمور التي كان من السهل على أي طفل في قريش معرفتها، فكيف بمن كان يهيئ نفسه لأن يكون رسولا؟!

أما قصة موسى والتي أيضًا سبقت في هذا الباب فإنها سردت في (التوراة) على امتداد أربعة أسفار كاملة، والقول بأن محمدا لم يكن على علم بها قول فيه مغالطات كثيرة، أإلى هذا الحد لم تكن قريش تعرف عن موسى أي شئ؟ ألم يوجد بمكة أهل الكتاب من النصارى واليهود؟ ألم يكن ورقة بن نوفل نصرانيا كما تقول كتب السيرة؟ ألم توجد قبائل بأكملها يهودية أو نصرانية كنجران وبني النضير؟ أن العرب بمن فيهم محمد لم يسمعوا بموسى قط، وأنه لأول مرة سيحكي لهم  محمد قصتة، بل حتى هو سيتعجب لما يتلقاها بالوحي!!

يذكر لنا البخاري في باب بدء الوحي أنه لما شرح محمد لورقة ما رآه قال له ورقة هذا الناموس الذي نزل الله على موسى 6 و محمد لم يسأل: مَن هو موسى؟ كما أن حديث ورقة يدل على أنه كان يفترض معرفة مسبقة لمحمد بموسى، وهل من المعقول أن يكون العرب – وهم ممن حققوا في أنسابهم حتى جعلوها تتصل بإسماعيل وبإبراهيم – أن يكونوا ممن لا يعرفون قصة موسى؟ فها هو أميه بن أبي الصلت مرة أخرى يذكر لنا جزءا من هذه القصة في إحدى قصائده:

وَأَنْتَ الَّذِي مِنْ فَضْلِ مَنٍّ وَرَحْمَةٍ بَعَثْتَ إِلَى مُوسَى رَسُولًا مُنَادِيَا
فَقالَ أَعِنّي بِاِبنِ أُمَتي فَإِنَني كَثيرٌ بِهِ يا رَبِّ صِل لي جَناحِيا
فَقُلْتَ لَهُ: فاذْهَبْ وهَارُونَ فَادْعُوَا إِلَى اللهِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كَانَ طَاغِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ سَوَّيْتَ هَذِهِ بِلَا وَتَدٍ حَتَّى اطْمَأَنَّتْ كَمَا هِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ رَفَعْتَ هَذِهِ بِلَا عَمَدٍ أَرْفِقْ إِذًا بِكَ بَانِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ سَوَّيْتَ وَسْطَهَا مُنِيرًا إِذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ هَادِيَا
وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُرْسِلُ الشَّمْسَ غُدْوَةً فَيُصْبِحُ مَا مَسَّتْ مِنَ الأَرْضِ ضَاحِيَا
وَقُولَا لَهُ مَنْ يُنْبِتُ الحَبَّ فِي الثَّرَى فَيُصْبِحُ مِنْهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابِيَا
وَيُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّهُ فِي رُؤُوسِهِ وَفِي ذَاكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا

 

أما الأعجب من هذا كله هو أن تكون قصة السيد المسيح (رغم ما زيد عليها من إضافات في القرآن) هي الأخرى غيبا لم يكشف عنه إلا القرآن! العالم كله كان يؤرخ بالميلاد العذراوي للمسيح، ومع ذلك تبقى قصة هذه الولادة غيبا كان العالم ينتظر مجئ القرآن ليكشفه له! سبحان الله! أربعة أناجيل كاملة تتحدث بالتفصيل الدقيق عن المسيح وعن حياته ومعجزاته، كما أن انتشار المسيحية الواسع آنذاك شمل أقطارا كثيرة بما فيها الإمبراطورية الرومانية، ومع ذلك يقال بأن فصة المسيح من أنباء الغيب أوحاه الله لمحمد!! بل الكعبة نفسها كانت تحوي صورا للمسيح علي جدرانها!7 فهل يا ترى كان العرب يقدسون شخصا ويضمون تماثيله وصوره ولا يعرفون قصته؟! لندع شعر أمية يجيبنا عن هذا السؤال:

6. صحيح البخاري الحديث 3 باب بدء الوحي

 

وَفي دينِكُم مِن رَبٍ مَريمَ آيةٌ مُنَبِّئَةٌ بِالعَبدِ عِيسى اِبنِ مَريمِ
اَنابَت لِوَجهِ اللَهِ ثُمَّ تَبتَّلَت فَسَّبَحَ عَنها لَومةَ المُتَلَوِّمِ
فَلا هِيَ هَّمَت بالنِكاحِ وَلا دَنَت إِلى بَشرٍ مِنها بِفَرجٍ وَلا فَمِ
ولَطَّت حِجابَ البَيتِ مِن دُونِ أَهلِها تغَيَّبُ عَنهُم في صَحاريِّ رِمرِمِ
يَحارُ بِها السارِي إِذا جَنَّ لَيلُهُ ولَيسَ وإِن كانَ النَهارُ بِمُعلَمِ
تَدّلى عَليها بَعدَ ما نَامَ أَهلُها رَسولٌ فَلم يَحصَر ولَم يَتَرَمرَمِ
فَقالَ أَلا لا تَجزَعي وتُكذِّبي مَلائِكَةً مِن رَبِ عادٍ وجُرهُمِ
أَنيبي وأَعطي ما سُئِلتِ فاِنَّني رَسولٌ مِن الرَحمنِ يَأتِيكِ بابنَمِ
فَقالت لَهُ أَنّى يَكونُ ولَم أَكُن بَغيّاً ولا حُبلى ولا ذاتَ قَيّمِ
أَأُحرَجُ بالرَحمنِ إِن كُنتَ مُسلِماً كَلامِيَ فاقعُد ما بَدا لَكَ أَو قُمِ
فَسَبَّحَ ثُمَّ اغتَرَّها فالتَقَت بِهِ غُلاماً سَوِيَّ الخَلقِ لَيسَ بِتَوأَمِ
بِنَفخَتِهِ في الصَدرِ مِن جَيبِ دِرعها وما يَصرِمِ الرَحمَنُ مِلأَمرِ يُصرَمِ
فَلمّا أَتَمَتَّهُ وجاءَت لِوضعِهِ فآوى لَهُم مِن لَومِهم والتَنَدُّمِ
وَقالَ لَها مَن حَولَها جِئتِ مُنكَراً فَحَقٌّ بأَن تُلحَي عَلَيهِ وتُرجَمي
فَأَدرَكَها مِن ربّها ثُمَّ رَحمَةً بِصِدقِ حَديثٍ مِن نَبيٍّ مُكَلَّمِ
فقال لها اني من الله اية وعلَّمني واللـه خير معلمِ
وأُرسِلتُ لَم أُرسَل غَويّاً ولَم أَكُن شَقيّاً ولَم أُبعَث بِفُحشٍ وَمَأثَمِ

 

أن ثقافة العرب كانت ثقافة شفهية لا كتابية، و الافتراض بأن محمدا كان يلزم أن يكون قارئا وكاتبا ليمكنه معرفة أخبار الأمم الخالية افتراض باطل، لأن العرب كانوا أهل ثقافة تناقل شفاها لا بالكتب. فهم يحفظون القصائد الطوال، ويرددون الأشعار والقصص والأمثال والأنساب عن ظهر قلب، دون الحاجة إلى كتب. لذلك فالقول بأن محمدا أمي لا يعرف القراءة والكتابة، حتى لو كان صحيحا، لن يمنع اطلاعه على ثقافة قومه وسعة علمه بها ومعرفته لما حوته من قصص سواء الحقيقة منها أو الخرافية، لذلك لم تكن آيات القرأن مخالفة للبيئة التي ظهرت فيها بل كانت جزءا منها، فإذا أردنا إذن أن نفترض بأن محمد لم يكن يعرف من قصص الأولين شيئا علينا أن نفترض أيضا أنه كان أصماً وأبكماً وأعمى لكي نثبت ذلك.

7. وقد حكي ابن عائد في المغازي عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أن صورة عيسى وأمه بقيتا حتى رآهما بعض من أسلم من نصاري غسان فقال: إنكما لببلاد غربة، فلما هدم ابن الزبير البيت ذهبا فلم يبق لهما أثر، وقد أطلب عمر بن شبه في “كتاب مكة” في تخريج طريق هذا الحديث فذكر ما تقدم وقال: >>حدثنا أبوعاصم عن ابن جريج سأل سليمان بن موسي عطاء: أدركت في الكعبة تماثبل قال: نعمـ أدركت تماثيل مريم في حجرها ابنها عيسي مزوقا، وكان ذلك في العمود الأوسط الذي يلي الباب، قال: فمتي ذهب ذلك قال: في الحريق<< فتح الباري جزء 8 ص316

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات