۳ – مخالفته للقواعد

القواعد هي مجموعة من الضوابط التي تحترمها اللغة المتداولة، واليها يُحتكم في تصويب أو تقييم أي نص أو كلام، وإذا خالف نص معين أو كلام معين إحدى هذه القواعد فإنه سيعتبر شاذا او خاطئا.
وقد قال الأب الحداد: كل لغة لها في صرفها ونحوها وفقه لغتها وأساليب بيانها قواعد، متى تجاوزها الكلام عد غريبًا 1.
غير أننا نجد القرآن في الكثير من الحالات شذ عما جرت عليه العادة ، وأتي بما صار يصطلح عليه عند علماء القرآن بغريب القرأن ، ونعطي أمثلة لذلك:

 

التذكير والتأنيث
لم يحترم القرآن قواعد التذكير والتأنيث بل كان يؤنث متى شاء ويذكر متى شاء دون الالتزام بنفس القاعدة في كل آياته:
فتجده يقول مثلا: {جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} يونس 22 ثم يقول في موضع آخر: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً } الأنبياء 81 الصواب هو أن يقول >>جاءتها ريح عاصفة<< لأن فعل جاءت “مؤنث” هنا و الريح مؤنث 2.

 

الضمائر
قاعدة: قال السيوطي: ((الأصل توافق الضمائر في المرجع حذرا من التشتيت)) 3. ولكن القرآن خالف القاعدة في غير موضع: في سورة طه الآية 39  { أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ} الضمير الأول لموسى و الضمير الثاني للتابوت، ولكن هذا التفسير عابه الزمخرشي حيث قال: {والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة، لما تؤدي من تنافر النظم الذي هو أم إعجاز القرآن} 4، وخرج عن الفاعدة أيضا قوله { وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا} الكهف 22 ضمير فيهم أرجعوه لأصحاب الكهف وضمير منهم أرجعوه لليهود، وكذلك قوله {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا  }هود77

قال ابن عباس: ساء ظنا بقومه وضاق ذرعا بأضيافه 5 وكذلك قوله { ولِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا } الفتح 9 ردّ التسبيح على اسم الله، والتوقير والتعزيز على اسم الرسول  – تفسير القرطبي لسورة محمد آية 25.

 

السؤال والجواب
القاعدة هي أن يكون الجواب مطابقا للسؤال، و القرأن يخالف هذه القاعدة في الكثير من الأحيان، جاء في سورة الشعراء الأية 23و24 في سياق الحيث المنسوب بفرعون و موسى : {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ}. فالسؤال كان ب “ما” عن الماهية والجنس ، ولكن الجواب أتى غير ذلك تماما، ومهما حاول المفسرون تعليل الأمر فإنهم عجزوا عن إعطاء تبربر مقتع حيث قالوا أن موسى امتنع عن الجواب عن الماهية لأن السؤال فاسد – تفسير القرطبي لسورة النحل آية17، وفي قوله { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } الإسراء 58 تهرب من الجواب، وفيه أقوال أخرى ليس هذا مكانها، والخلاصة أن الجواب لم يأت مطابقا للسؤال، لأن السؤال هنا كان عن ماهية الروح لا عمن له كل العلم عن أمر الروح، قالسائل يعرف عن الروح من أمر الله.
هناك قاعدة ثانية متعلقة بالسؤال والجواب أوردها السيوطي في الإتقان: {أصل الجواب أن يعاد فيه نفس السؤال ليكون وفقه } 6. الأمثلة على صحة هذه القاعدة قوله :{قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ}يوسف 90 ، وكذلك قوله: { أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا} آل عمران 81 وقد شذ عن هذه القاعدة قوله: { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۖ } يونس 34 فلا يعقل أن يكون السؤال والجواب من واحد. قد يجد الشخص تبريرات لهذه الأسئلة لكن السؤال المطروح أما كان بإمكان النص أن يكون أكثر بلاغة وبيانا إذا التزم بهذه القاعدة؟

 

الخطاب بالاسم والخطاب بالفعل

قاعدة: قال السيوطي: {الاسم يدل على الثبوت و الاستمرار، و القغل يدل على التجدد والحدوث، ولا يحسن الوضع أحدهما موضع الآخر} 7  والمثل على ذلك قوله: {وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} الكهف 18 فباسط تدل على الثبوث لو قيل يبسط لكانت تدل على تجددد فعل البسط، وكذلك قوله: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه يَرْزُقُكُم} فاطر 3 فالرزق يتجدد ولذلك قال يرزقكم ولم يقل رازقكم. ولكن القرآن شذ عن هذه القاعدة في قوله: {ثُمً إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ، ثُمً إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } المومنون15و16 ففي ذكره للبعث استعمل الفغل وكأنه يتجدد كل يوم! وأيضا قوله: { إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}  المؤمنون 57و58 وكأنهم كل يوم يؤمنون من جديد!

1 الأب درة الحداد نظم القرآن والكتاب صفحة 151 .

2 قال الفخر الرازي { الريح مؤنتثة قال تعالى (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ  ) (( الحاقة : 6)) ، (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) ((يونس : 22)) تفسير الرازي لسورة القمر آية 33 

الإتقان ص 450 

4 الكشاف 2/526 وقد نقله السيوطي أيضا الإتقان ص 450

5 الإتقان ص 451

6 الإتقان ص 468

7 الإتقان ص 470

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات