٥ – نسبية البيان

من الأمور التي ينبغي الإشارة إليها أيضًا وهي من (مبطلات الإعجاز) أن البيان القرآني بيان محدود مكانا وزمانا، فهو بيان نسبي ليس له نفس الأثر لدى مختلف الناس ومختلف البيئات ومختلف الأزمنة، لذلك كان للكثير من المستشرقين، وغيرهم من الدارسين للقرآن، ملاحظات كثيرة تتعلق بهذا الموضوع، ومن أحسن ما نسوق في هذا الباب ما أورده الأستاذ الحداد في كتابه نقلا عن كتاب أثر القرآن، و أيضًا نقلا عن المستشرق نلدكه: {يقول نلدكه أن القرآن يستخدم عناصر الطبيعة للتذكير بعظمة الله وسره وعدله، ويرى أن كثيرا من هذه الصور مستمدة من البيئة فهي لا تعطي الأثر القوي عند رجل غربي. فصور السحاب الذي يسيره الله فوق الأرض وفي السماء، عبر الصحراء المقفرة، والمطر الذي ينزله على الصحراء الجرداء ليكسوها ويعيد إليها نضرتها وجناتها وثمارها، فيبتهج العربي بمنظر الخضرة لأنها عنده الحياة. هذه الصورة قوية الأثر في نفوس الأعراب الذين تعودوا أن تمر بهم سنوات عجاف تجف فيها الأرض قبل أن يهطل الغيث ليكسو قسوة الصحراء التي خلقها الزمن خيرا عميما ومراعي خضراء غنية}. 1 وبالتالي مادام البيان نسبيا فكيف نجعله إعجازا يشمل جميع البشر وجميع الأماكن وكل العصور؟

1. نظم القرآن والكتاب، إعجاز القرآن درة الحداد ص 190، نقلا عن أثر القرآن ص 362 وأيضًا Noldeke S.E.H.p.33

 

الموسيقى في القرآن
أما آخر ما نختم من خصائص هذا الوجه المعجزي للقرآن هو [الإعجاز الموسيقي]، والذي لكثرة ما قبل فيه كدنا نفرد له بابا خاصا لولا مخافة أن نكثر على القارئ أبوابا دون حاجة لذلك.
ومما ذكر في هذا الباب قول الرافعي الذي ساق أمثلة لهذا النظم الموسيقي الفريد للقرآن فقال: {من ذلك لفظ (النذُر) جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه. ولكنه جاء في القرآن على العكس وانتفي في طبيعته من قوله تعالي: {وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ } (سورة القمر 36)  فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله، وتذوق مواقع الحروف، وأجر حركاتها في حس السمع، وتأمل مواضع القلقلة في الدال (لقد) وفي الطاء من (بطشتَنا) وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (تماروا) مع الفصل بالمد كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها، كما تكون الأحماض في الأطعمة}.2
وقال صبحي الصالح معلقا على النظم الموسيقي للقرآن: {هذا النظم الذي يشبه السحر والذي ألف العرب على تعاديهم وكون منهم أمة واحدة تطرب للحن واحد تجتمع عليه قلوبها في الأرض بينما ترتفع به أرواحها في السماء}.3

2.  تاريخ آداب العرب للرافعي 2\229 ، ونقله صبحي الصالح في مباحث علوم القرآن ص 218 

3.  مباحث في علوم القرآن ص 319 

 

وهذا الكلام ما هو إلا وصف أدبي لا يسمن ولايغني من جوع، لا يقدم أي مقاييس علمية ولا كلاما معقولا منطقيا يمكن الركون إاليه، فالإعجاز يكاد يحصل عندهم حتى في الحروف (حتى القلقة في دال “لقد” وطاء “بطشتنا”)!! وكان الذي قال هذا الكلام لا يعرف أن القرآن ما كان مشكلا ولا منقطا وأن الكثير من القرآن يقبل القراءة على أكثرمن وجه، وأن الشعر العربي فيه من القلقلة ومن المد ومن كل هذا وأكثر ما يغني ويزيد، فهل ذلك يجعل من الشعر معجزة إلهية ؟ أما ردنا على صبحي الصالح فهو : متى كانت الألحان هي التي تؤلف القلوب وتزيل العداوة ؟ وأي تآلف أتى به القرآن للعرب أصلًا ؟ أما اقتتلوا في عهد القرآن وبعده اقتتالًا لم يشهدوه من قبل ؟ ثم ما دخل هذا الإعجاز ؟ أليست الأشعار جميلة اللحن وعذبة السمع ؟ ألا يطرب الناس للأغاني والقصائد ؟ فهل أعظم قصيدة في العالم ، وأعظم أغنية في الكون ، وأحسن لحن في الوجود يجعل منه كلامًا للإله ؟ أي مقاييس يعتمدها علماء القرآن في حكمهم على الأشياء ؟

لكن بعض علماء الإسلام أبوا إلا قول الحق في هذا الباب حين علموا أن الإصرار على هذا الوجه من الإعجاز يمكن الرد عليه من وجوه عديدة ، لذلك قال القاضي عبد الجبار : { فأما حسن النغم وعذوبة القول فيما يزيد الكلام حسنًا على السمع ، لا أنه يوجد فضلا في الفصاحة ، لأن الذي تتبين به المزية في ذلك يحصل فيه وفي حكايته على السواء ، ويحصل في المكتوب منه على حسب حصوله في المسموع} 4.

وفي نفس السياق علق د . نصر حامد أبو زيد : { ولم ينتبه القدماء إلى أن ( حسن النغم) ليس إلا خصيصة لغوية ترتبط بالقدرة على استخدام البعد الصوتي للغة استخدامًا خاصًا في تناغم مع قوانين اللغة التي حصروا الفصاحة فيها } 5

ومما ينبغي التنبيه إليه هنا هو أن الكتاب المقدس قد احتوى ما يسمى بالأسفار الشعرية ، وهي : سفر أيوب ، والمزامير ، والأمثال ، والجامعة ، ونشيد الأناشيد ، وهذا النوع من الكتابة الموزونة قد أتى بقبل القرآن بآلاف السنين . كما أن التلاوة والتجويد ليسا من إبداع المسلمين ، بل قد سبقهم اليهود والمسيبحيون إلى ذلك بقرون عديدة .. فالكنائس والمجامع منذ مئات السنين وهي تترنم بآيات الكتاب المقدس ، ومع ذلك ما تجرأ أحدهم ولا ادعى بأن هذه الألحان والأوزان والتلاوة الموزونة تشكل وجهًا من معجزات الكتب المقدسة ، المسلون وحدهم هم الذين سقطوا في هذه الحلقة المفرغة من إدعاء الإعجاز حتى في أصغر التفاصيل معتمدين على العاطفة والتعصب دون التقيد بأدنى المعايير العلمية .

4. القاضي عبد الجبار المغني في أبواب التوحيد والعدل ج 16 ص 200

5. د . نصر حامد أبو زيد ، مفهوم النص ص 157

 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات