٤ – اللفظ على حساب المعنى

من المعلوم أنه إذا تم إدخال ألفاظ أو حذفها أو تغيير موضعها لمجرد مراعاة اللفظ والحفاظ على الفواصل، فإن المعنى يذهب، وهو من الأمور غير المحمودة عند العلماء. فقد فال الباقلاني – حين أراد أن يعيب السجع وينفي صغة السجع عن القرآن- : {السجع من الكلام الذي يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي الى السجع ، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى }.1
فالباقلاني إذن يعتبر أن محاولة الحفاظ على السجع تجعل المعنى يتبع اللفظ وليس العكس، وهو عيب يٌنعت به سجع الكهان من العرب، وبالتالي فإن هذا العيب عند الباقلاني لا يوجد في القرآن، لكن ما الذي يمكن للباقلاني أن يقوله حق هذه الآيات التي سنسوقها أمثلة على أن القرآن هو الآخر يحاول أن يجعل المعنى يتبع اللفظ في أحيان كثيرة، وأنه للحفاظ على الفاصلة تم إدخال كلمات و حذف أخرى ، وحذف حروف وتغيير مواضع بعض الكلمات .. يل تم تجاوز العديد من القواعد في سبيل اللفظ، قال الأستاذ الحداد: {ولا تحسن المحافظة على الفواصل إلا بالمحافظة على المعانى فأما أن تهمل المعاني في سبيل تحسين اللفظ فليس من قبيل البلاغة}.2 ونقل لنا السيوطي في كتابه ما قاله الرماني في كتاب إعجاز القرآن: {ذهب الأشعرية إلى امتناع أن يقال: في القرآن سجع ، وفرقوا بأن السجع

هو الذي يقصد فيه نفسه ثم يحال المعنى عليه ، والفواصل التي تتبع المعاني، ولا تكون مقصودة في نفسها. قال: ولذلك كانت الفواصل بلاغة ، والسجع عيبا}.3
لكن السيوطي يناقض نفسه في مكان آخر حين يسرد لنا الأمثلة التي خالف فيها القرآن الأصول قجعل المعنى يتبع اللفظ، حيث قال نقلا عن شمس الدين بن الصائغ: {إعلم أن المناسبة أمر مطلوب فى اللغة العربية، يٌرتكب بها أمور من مخالفة الأصول. قال: وقد تتبعت الأحكام التي وقعت في آخر الآية مراعاة للمناسبة فعثرت منها على نيف عن الأربعين حكما}.4

1 إعجاز القرآن للباقلاني الجزء الأول ص 88
2 نطم القرآن و الكتاب، الكتاب الأول: إعجاز القرآن ص 162

3 الإتقان ص 673و674 نقلا عن إعجاز القرآن ص 57.

4 الإتقان ص 676.

 

أمثلة للسيوطي
وإلبكم الأمثلة التي نقلها السيوطي نقلا عن بن الصائغ:
تقديم خبر كان على اسمها : {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } الإخلاص 4 والأصل :{ولم يكن أحد كفؤا له }.
تقديم ما هو متأخر في الزمان: { فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى} النجم 25 لولا مراعاة الفواصل لكانت {فلله الأولى والآخرة} كقوله: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ }القصص 70.
تقديم الفاصل على الأفضل: { بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}طه70 والصواب : {برب موسى وهارون} ولكن تم تجاوز الصواب في سبيل الفاصلة.
حذف ياء المنقوص المعرف: نحو: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ }الرعد 9 {يَوْمَ التَّنَادِ }غافر 22 والقاعدة هي أن يقال {الكبيرالمتعالي} و {يوم التنادي} .
حذف ياء الفعل فير المجزوم: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}الفجر4 الصواب {والليل إذا يسري}.
حذف ياء الإضافة: { وفَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ }القمر 16 {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} الرعد 22 والصواب: { فكيف كان عذابي ونذري} و { فكيف كان عقابي}.
إيثار أغرب اللفظين: { قِسْمَةٌ ضِيزَي }النجم 22 ولم يقل {جائرة} {لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ  }الهمزة4 ولم يقل: جهنم او النار ، وهدا ينطبق على {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } المدثر 26 {إِنَّهَا لَظَى}المعراج15 {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ  }القارعة9 ، وذلك لمراعاة الفواصل.
الاستغناء بالإفراد أو الجمع: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا  } الفرقان 74  عوض {واجعلنا للمتقين أثمة}، { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ}القمر54 والصواب: {إن المتقين في جنات و أنهار}.
تأخير الوصف غير الأبلغ عن الأبلغ: \{الرحمن الرحيم } والصواب: {الرحيم الرحمن } لأن الرحمن أيلغ ولذاك ينبغي أن تأتي بعد الرحيم.

تغيير بنية الكلمة: {وَطُورِ سِينِينَ} (التين : 2   والأصل {سينا}.

هذا غيض من فيض نكتفي به ههنا لنقول بأن القرآن كتاب هو الآخر ملئ بالعيوب البلاغية، والتي تجعل البشر ليسوا قادرين على الإتيان بمثله فحسب بل على تصحيحه والإتيان بأحسن منه أيضا، بقي أن نٌلفت الانتباه إلى أن القرآن لم يخضعوه لقواغد اللغة العربية كما أخضعت باقي النصوص، ولم يشاؤا الاحتكام إلى الشعر الذي هو قبل القرآن وهو ديوان العرب كما قال عنه ابن عباس، بل أخضعوا قواعد اللغة إلى القرآن وجعلوه فوق القواعد، وكلما خالف القرآن قواعد اللغة كلما جعلوا شذوذه إعجازا وخرجوا بفائدة في الأمر ووجدوا له مخرجا وقاعدة، فهل نستطبع الاحتكام إلى قواعد فٌصلت أصلا على مقاس القرآن ؟.

 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات