تساؤلات وملاحظات

مفاتيح الألوان :

الأخضر : آيات قرآنية .

الأحمر : آيات من الكتاب المقدس .

الأزرق : مصادر إسلامية أخري .

البرتقالي : روابط تستطيع الضغط عليها للوصول للمصدر الاصلي .

 

وهنا تطرح تساؤلات وملاحظات كثيرة :
-بالرغم من اعتقاد الكثير من علماء الإسلام بأن وجه الإعجاز القرآني يتضمن الفصاحة كوجه وحيد أو كواحد من بين أوجه كثيرة ، فإنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا بأن غير القرآن من باقي النصوص (كالشعر مثلا”) ليس فصيحا” ، وبهذا لم يستطيعوا أن يثبتوا للقرآن التميز من هذه الناحية ، ولا استطاعوا وضع مقاييس دقيقة يمكن الركون إليها للجزم بأن القرآن معجز في فصاحته متفوق علي كل ما عداه .
-إن كان القرآن وحده هو الفصيح أو هو الأفصح علي الإطلاق فكيف للعرب أن يعرفوا معني الفصاحة ؟

وكيف لهم أن يتذوقوا هذه الفصاحة و يحكموا بها للقرآن إن كانت كل أقوالهم ليست فصيحة كالقرآن ؟
-وإن كانت الفصاحة هي جزالة اللفظ وحسن المعني ، فهل هذا حاصل في كل آيات القرآن ؟ وهل حقا” لو نزعت من القرآن لفظة وأدرت لسان العرب علي لفظة أحسن منها لم تجد ؟ ألا توجد بعض الآيات الغامضة التي لا يفهم منها المرء شيئا” ؟ وماذا عن الآيات التي تحوي حروفا” مقطعة هل هي الأخرى فصيحة ؟ أين هو المعني إن كانت الفصاحة تعني وضوح المعني ؟! ثم ماذا عن آيات الأحكام أليست ركيكة الأسلوب ولا تمتاز بأي فصاحة تميزها عن باقي النصوص ؟
-جاء في الإتقان نقلا” عن القاضي أبو بكر : {ونحن نعتقد أن الإعجاز في بعض القرآن أظهر وفي بعضه أدق وأغمض} الإتقان ص 713 . وقد {اختار أبو نصر القشيري وغيره التفاوت (يقصد تفاوت مراتب الفصاحة) فقال : لا ندعي أن كل ما في القرآن أرفع الدرجات في الفصاحة . وكذا قال غيره : في القرآن الأفصح والفصيح} الإتقان ص 721 أنظر أيضا” البرهان ج 2 ص 87 .
وعبارة الأفصح والفصيح فيها نوع من المغالطة حتي لا يعترف بأن في القرآن {الفصيح وغير الفصيح} ، لأن المبهم الذي لا يعرف له معني لا يعد فصيحا” .

-انتبه الباقلاني في كتابه إلي أن آيات الأحكام لا تحتوي أي فصاحة تذكر فقال : {نحن نعلم أن قوله : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم سورة النساء 4 : 23 إلي آخر الآية ، ليس من القبيل الذي يمكن إظهار البراعة فيه ، وإبانة الفصاحة ، وذاك يجري عندنا مجري ما يحتاج إلي ذكره من الأسماء والألقاب ، فلا يمكن إظهار أي بلاغة فيه ، فطلبها في نحو هذا الضرب من الجهالة ، بل الذي يعتبر في نحو ذلك تنزيل الخطاب ، وظهور الحكمة في الترتيب والمعني} إعجاز القرآني للباقلاني جزء 2 ص87 .
-مسألة أخري في هذا الباب : جاء في سورة آل عمران 3 : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات آل عمران 3 آية 7 .وأورد السيوطي أقوالا” كثيرة تتحدث عن المحكم والمتشابه: {قيل : المحكم ما عُرف المراد منه، إما بالظهور وإما بالتأويل. والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل:المحكم: ما وضح معناه ، والمتشابه نقيضه. وقيل: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها” واحدا”، والمتشابه ما احتمل أوجها} الإتقان ص 475. فإن كان المتشابه يحتاج إلي تأويل وهو كثير في القرآن، فأين هو إعجازه من ناحية الفصاحة والبيان ؟ وأين هو وضوح المعني إن كان الله وحده هو الذي يعلم تأويله ؟ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب آل عمران 3: 7.

الفصاحة والناسخ والمنسوخ :

ورد في القرآن : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن، الله علي كل شيء قدير سورة البقرة 2: 106 ، وأيضا” : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون . النحل 16: 101 ، ورد كذلك قوله : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمني ألقي الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يُلقي الشيطان ثم يُحكم الله آياته والله عليم حكيم الحج 22 :52 . فإذا كان النسخ هو التبديل والتغيير فلماذا نجد السيوطي ينسب التغيير (وهو نقيصة في نظرة) فقط للقصائد والخطب وينفيه عن القرآن ؟ {تري البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولا،ثم ينظر فيها فيغير فيها وهلم جرا وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ،ثم أدير لسان العرب علي لفظة أحسن منها لم يوجد} الإتقان ص 714 ألا يشبه الناسخ والمنسوخ في القرآن التنقيح والتغيير وهو من عيوب الفصاحة والبلاغة في نظرهم ؟

 

للمزيد حول الناسخ والمنسوخ انظر : الفصل الثالث – أخطاء قرآنية (أخطاء القرآن) – الجزء الثاني  ١٤ – حوار حول أخطاء الناسخ و المنسوخ.
-الإعجاز البلاغي والوحي :

ومما اختلف فيه علماء القرآن أيضا” هو كيفية إنزال الوحي فذكر لنا السيوطي أقولا” مختلفة في هذا الباب نذكر منها ما يلي : {وقال غيره في المنزل علي النبي ثلاثة أقوال : أحدها : أنه اللفظ والمعني ، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به . وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ ، كل حرف منها بقدر جبل قاف، وأن تحت كل حرف منها معاني لا يحيط بها إلا الله , والثاني: أن جبريل إنما نزل المعاني خاصة، وأنه (ص) علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب. وتمسك قائل هذا بظاهر قوله تعالي: نزل به الروح الأمين علي قلبك. الشعراء 26 :193ـ194. والثالث : أن جبريل ألقي إليه المعني ، وإنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب وأن أهل السماء يقرؤونه بالعربية ، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك} الإتقان ص 118 . وفي موضع آخر نجده يذكر رأيا” للجويني: {قال الجويني كلام الله المنزل قسمان : قسم قال الله لجبريل : قل للنبي الذي أنت مرسل إليه : إن الله يقول : افعل كذا وكذا ، وأمر بكذا وكذا ، ففهم جبريل ما قاله ربه ، ثم نزل ذلك علي النبي وقال له ما قاله ربه ، ولم تكن العبارة تلك العبارة ، كما يقول الملك لمن يثق به : قل لفلان : يقول لك الملك : اجتهد في الخدمة ، واجمع جندك للقتال . فإن قال الرسول : يقول الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند تتفرق ، وحثهم علي المقاتلة ، لا ينسب إلي كذب ولا تقصير في أداء الرسالة . وقسم آخر قال الله لجبريل: اقرأ علي النبي هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير. كما يكتب الملك كتابا” ويسلمه إلي أمين ، ويقول : اقرأه علي فلان ، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا”} الإتقان ص 119 . وخلاصة القول مادام هناك فريق لا يستهان به من علماء الإسلام يري بأن محمد تلقي الوحي معني لا حرفا” ، وأن القرآن نزل به جبريل علي قلبه إلهاما” ، فإننا نتعجب كيف لبعضهم أن يدعو أن القرآن معجز في فصاحته وبيانه ؟ أليست الكلمات – بحسب القائلين بالوحي المعنوي – من تعبير محمد ليوصل ما تلقاه من المعاني ؟ مجرد الاختلاف في كيفية الوحي (وما كان ليكون هناك اختلاف فيها لو كانت واضحة ومبنية كتابا” وسنة ) ينسف قضية الإعجاز البياني من أساسها.

-الإعجاز البياني وعمر :

مجرد أن يخصص السيوطي في كتابه بابا” {لما أنزل علي لسان بعض الصحابة} سماه النوع العاشر :فيما أنزل علي لسان أصحابه يوحي بأن الأمر كان فيه قيل وقال وأنه من الأمور التي ينبغي أن ينظر إليها بعين العلم والتدقيق ،لا بعين العاطفة والمكابرة.والحقيقة أنه لا يقصد عددا” من الصحابة بقدر ما يقصد عمر بن الخطاب بالذات ،وهو ما يطلق عليه {موافقات عمر} . {أخرج الترمذي ، عن ابن عمر : أن رسول الله قال : {إن الله جعل الحق علي لسان عمر وقلبه} قال ابن عمر : وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال ، إلا نزل القرآن علي نحو ما قال عمر . وأخرج ابن مردويه ، عن مجاهد قال : كان عمر يري الرأي ، فينزل به القرآن} أورده السيوطي في النوع العاشر ص 97 ، والحديث الأول مروي عن ابن عمر رواه الترمذي (3682) وابن ماجه (108) وسنده صحيح وكذا عن أبي هريرة في مسند الإمام أحمد 2 /401 .

وجاء في صحيح البخاري : {حدثنا عمرو بن عون قال : حدثنا هشيم عن حميد عن أنس قال : قال عمر : {وافقت ربي في ثلاث : فقلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مُصلي فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مُصلي سورة البقرة 2 : 125 ، وآية الحجاب ،قلت يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر ،فنزلت آية الحجاب ، واجتمع نساء النبي في الغيرة عليه فقلت لهن، عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن .فنزلت هذه الآية } سورة التحريم 66: 5 صحيح البخاري جزء 2 ص 63 باب ما جاء في القبلة
وجاء في صحيح مسلم : {حدثنا عُقبة بن مُكرم العمى .حدثنا سعيد بن عامر قال : جويرية بن أسماء أخبرنا عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال عمر : {وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم ، وفي الحجاب ، وفي أساري بدر} صحيح مسلم جزء 15 ص 140 ،باب من فضائل عمر . ونقل لنا السيوطي موافقة أخري : {واخرج ابن أبي حاتم ، عن أنس ، قال : قال عمر : وافقت ربي . أو وافقني ربي . في أربع : نزلت هذه الآية: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. سورة المؤمنين23 : 12  12 فلما نزلت قلت أنا : {فتبارك الله أحسن الخالقين} فنزلت : فتبارك الله أحسن الخالقين سورة المؤمنين23 : 14 .الإتقان ص 98.

وفي تفسير الطبري : {حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي ، قال : إن يهوديا” لقي عمر فقال له : إن جبريل الذي يذكره صاحبك هو عدو لنا . فقال له عمر : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين قال: فنزلت علي لسان عمر}سورة البقرة 2: 98 جامع البيان جزء 1 ص 348 ، في تفسيره لسورة البقرة 2: 98
فإذا كان عمر وهو بشر مثلنا قد قال قبل القرآن علي الأقل 6 آيات (اعتمادا” علي المصادر الإسلامية التي سقناها) وجاء بها القرآن حرفيا” مثلما قالها عمر ، فإننا نتساءل ألا تعتبر الفصاحة القرآنية بشرية إذن؟ أليس القرآن إذن مجرد كلام عادي كان يمكن لأي قرشي كعمر بن الخطاب أن يقوله؟ أين هي الفصاحة التي ادعوا أنها تميز القرآن عن كلام البشر حتي قالوا : {وهيهات أن يكون المطموع فيه كالميؤوس منه ، وأن يكون الليل كالنهار ، والباطل كالحق ، وكلام رب العالمين ككلام البشر؟ } إعجاز القرآن للباقلاني ص 140 . إنهم أرادوا أن يصوروا القرآن وكأنه كلام لا يمكن لأي شخص أن يقوله إلا الله ، وانه ليس بتعابير موجودة ومفهومة للعرب آنذاك ، فحاولوا فصل القرآن عن ثقافته وبيئته وجعلوه نازلا” من اللوح المحفوظ كائنا” منذ الأزل ، كلاما” إلهيا” لا يمكن أن يشبه كلام البشر .

-الإعجاز البياني وجمع القرآن :

ومن المسائل الأخرى التي نريد أن نسوقها في هذا الباب أيضا” ، قصة جمع القرآن ، فهي الأخرى تحوي بين طياتها دليلا” واضحا” يظهر أن القرآن لا يمكن التمييز بينه وبين الكلام البشري ، وأن آيات القرآن مقدور عليها (من الممكن كتابة مثلها) ويمكن للمرء أن يحاكيها , فمن الثابت المعروف أن أبا بكر لما أمر زيدا” بن ثابت بجمع القرآن ، كان زيدا لا يقبل الآيات القرآنية إلا بوجود شاهدين اثنين علي صحتها وأنها من القرآن ، مما يعني أن هناك آيات تم استثناؤها ورفضها أثناء الجمع وتم اعتبارها بأنها ليست من القرآن بسبب عدم وجود شاهدين ، من بين هذه الآيات آية الرجم التي أتي بها عمر بن الخطاب ولم يتم إدراجها في المصحف لأن عمر كان هو الشاهد الوحيد ، كان هناك استثناء وحيد فقط وهو آخر سورة التوبة 9 الذي لم يوجد إلا مع أبي خزيمة الأنصاري وهذا ما ذكره لنا السيوطي في الإتقان : {قد أخرج ابن أشتة في المصاحف عن الليث ابن سعد ، قال : أول من جمع القرآن أبو بكر ، وكتبه زيد ، وكان الناس يأتون إلي زيد بن ثابت ، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل ، وأن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع خزيمة الأنصاري ، فقال اكتبوها فإن رسول الله جعل شهادته بشهادة رجلين ، فكتب . وأن عمر أتي بآية الرجم، فلم يكتبها، لأنه كان وحده} الإتقان النوع الثامن عشر ص 156. وورد ذلك أيضا” في فتح الباري : {حدثنا يحيي بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب أن ابن السباق قال إن زيد بن ثابت قال أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه قال إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله فاتبع القرآن فتتبعت حتي وجدت آخر سورة التوبة 9 آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم إلي آخره} فتح الباري جزء 10 ص 26 .

فإذا كانت فصاحة القرآن واضحة بينة وهي تبعد عن فصاحة البشر كبعد المشرق عن المغرب ، فلماذا احتاج زيد في جمعه للقرآن (وهو من الحفاظ القرآن) شاهدين لكل آية قرآنية ؟ أليس في هذا تلميح أنه كان بإمكان أي إنسان أن يدس في القرآن آيات ليست منه ؟ لو كان القرآن مميزا” في بلاغته وفصاحته عن سائر الكلام لكانت هي شاهدة في الجمع ، وما كان زيد ليحتاج إلي شهود في جمعه للقرآن ، بل كان سينظر للآية في فصاحتها ويقول: هذه بلاغة قرآنية ، وهذه ليست في القرآن لأنها ليست في مستوي بلاغته ! ولسهل جمع القرآن دون الحاجة إلي شاهدين .
-الفصاحة القرآنية والمصاحف :

مما ذكر في قصة المصاحف ، خصوصا” مصحف أبن مسعود ومصحف أبي أبن كعب ، أمورا” تناقض ما يُنسب للقرآن من إعجاز ، فقد جاء في الإتقان: {وفي مصحف ابن مسعود: مائة واثنتا عشرة سورة ، لأنه لم يكتب المعوذتين . وفي مصحف أبي ست عشرة لأنه كتب في آخره سورتي الحفد والخلع } الإتقان ص 171 تحت النوع التاسع عشر .فمصحف ابن مسعود لم يضم المعوذتين لاعتقاده أنهما مجرد دعاء أو رقية ، وأنه لم ير محمدا” يصلي بهما قط جاء ذلك في مسند الإمام احمد جزء 6 ص154 – وفي تفسير ابن كثير لسورة الفلق: قال : {ورواه البخاري أيضا”والنسائي عن قتيبة ابن سفيان بن عيينة عن عبدة وعاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب به وقال الحافظ أبو يعلي حدثنا الأزرق بن علي حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا السلت بن بهرام عن إبراهيم عن علقمة قال كان عبد الله يحك المعوذتين من المصحف ويقول إنما أمر رسول الله أن يتعوذ بهما ولم يكن عبد الله يقرأ بهما.} أما سورة الخلع فهي : {بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ، ونثني عليك ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك} .وسورة الحفد هي :{بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخشى نقمتك ، إن عذابك بالكافرين ملحق} . انظر الإتقان ص 171 ورد الحديث أحيانا” بسند ضعيف عند الطبراني في الدعاء ، وأحيانا” بسند رجاله ثقات خصوصا” في فضائل القرآن لأبي عبيد ص 189ـ 190.

ومما جاء في تفسير ابن كثير أن سورة البينة ، حسب ما ذكر أبي ابن كعب ، أنه من بين آياتها كانت الآيات التالية التي لا نجدها في المصحف الحالي : {ولو أن بن آدم سأل واديا” من مال فأعطيه لسأل ثانيا” ولو سأل ثانيا” فأعطيه لسأل ثالثا” ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب ويتوب الله علي من تاب وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيرا” فلن يكفره} قال أحمد حدثنا محمد ابن جعفر وحجاج قال حدثنا شعبة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال إن رسول الله قال لي إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال فقرأ (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) قال : فقرأ فيها ولو أن بن آدم سأل واديا” من مال فأعطيه لسأل ثانيا” ولو سأل ثانيا” فأعطيه لسأل ثالثا” ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله علي من تاب وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير المشركة واليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيرا” فلن يكفره ورواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة به وقال حسن صحيح .

وغرضنا من ذكر هذه الآيات هو التنبيه علي أمر واحد ، هو أن الفصاحة القرآنية لو كانت إعجازا” لما كان ابن مسعود ليظن أن المعوذتين مجرد دعاء ، ولما ظن أبي ابن كعب أن سورتي الخلع والحفد (وهما اليوم ما يقال لهم دعاء القنوت) هما من القرآن ! إذن فإمكانية الخلط بين الدعاء والقرآن قائمة ، مما يثبت قطعا” بأن القرآن ليس فيه أي بلاغة معجزية تفوق ما يستطيع البشر قوله ، وهناك أحاديث أخري لا تستطيع أن تفرق بينها وبين القرآن ، ولو تم وضعها ضمن سور القرآن ما كان ليعترض عليها شخص بحجة أن بلاغتها ليست من مستوي القرآن . نذكر من بين هذه الأحاديث الدعاء الآتي : {أعوذ بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة} سنن الترمذي جزء 6 ص 179 .

فلنفترض أنه تمت كتابة الدعاء علي الشكل الآتي :{بسم الله الرحمن الرحيم ، قل أعوذ بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة} هل يستطيع علماء الإعجاز إذن أن يخبرونا ما الذي ينقص هذا الحديث ليصير سورة قرآنية من ثلاث آيات ؟! ومن أكبر الأدلة علي كون المسلمين لم يكونوا يميزون بين القرآن والحديث في بعض الأحيان هو ما رواه أنس بن مالك حيث قال :{كنت أسمع رسول الله فلا أدري أشيء أُنزل عليه أم شيء يقوله ، وهو يقول : {لو كان لابن ادم واديان من مال لابتغي إليهما ثالثا” ، ولا يملأ جوف ابن ادم إلا التراب ،ويتوب الله علي من تاب} حديث بهذه الرواة جاء في سنن الدارمي باب لو كان لابي آدم واديان من مال ، وجاء أيضا” في صحيح مسلم ، كتاب الزكاة ، باب لو كان أبن لابن آدم واديين لابتغي ثالثا” . فلو كان القرآن كلاما” ألهيا” معجزا” من حيث بلاغته وفصاحته فأننا نتساءل لماذا لم يستطع أنس بن مالك أن يفرق بين كلام محمد وكلام القرآن ؟

-الإعجاز البلاغي والأحاديث القدسية: 

الأحاديث القدسية هل هي وحي إلهي؟ سؤال جريء 147 : 

لكي نعرف إن الذي يقصده علماء الحديث باصطلاح {الحديث القدسي} نقرأ ما أورده الدكتور صبحي الصالح في كتابه {علوم الحديث ومصطلحه} .حيث قال : {وكان رسول الله يلقي أحيانا” علي أصحابه مواعظ يحكيها عن ربه عز وجل ليست وحيا” منزلا” فيسموها قرآنا” ، ولا قولا” صريحا” يسنده عليه السلام إسنادا” مباشرا” فيسموها حديثا” عاديا” ، وإنما هي أحاديث يحرص النبي علي تصديرها بعبارة تدل علي نسبتها إلي الله } علوم الحديث ومصطلحه ص 11 .وغالبا” ما تستهل الأحاديث القدسية بعبارة اختارها المحدثون لتمييز هذا النوع من الأحاديث عن الأخرى وهي قولهم : {قال رسول الله فيما يروي عن ربه} أو بعبارة شبيهة :{قال الله تعالي ، فيما رواه عنه رسول الله} ، ويري العلماء أن الفرق بين الحديث القدسي والقرآن هو : {أن القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي ، وأما الحديث القدسي فهو ما كان لفظه من عند الرسول ، ومعناه من عند الله بالإلهام أو بالمنام} علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح نقلا” عن أبي البقاء ، كليات أبي البقاء ص 288 .

وقد جعل بعض العلماء الفرق بين القرآن والحديث القدسي في المسائل الآتية :

أ)أن القرآن معجز بلفظه ومعناه، بينما الحديث القدسي ليس فيه أي إعجاز.

ب)أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة شيء من القرآن، بخلاف الحديث القدسي فلا تجوز به الصلاة.

ج)أن القرآن لا تجوز قراءاته إلا بلفظه المتواتر بينما الحديث القدسي تجوز روايته بالمعني .

ولنا الحق هنا أن نطرح مجموعة من الأسئلة التي تدور في فكر أي قارئ لموضوع الأحاديث القدسية :
للحديث القدسي منزلة بين المنزلتين فلا هو بالحديث ولا هو بالقرآن، ولكنه في نفس الوقت يعتبر كلاما” لله مرويا” عنه بواسطة نبيه، فهو علي كل حال يعتبر وحيا”، وبما أنه كلام الله فلماذا لم يلحق بالقرآن؟ وإن لم يكن كلاما” لله فلماذا نسب إليه ؟ .
إن كان كلام الله معجزا” ولا يشبه بأي حال كلام البشر ، وأن الله تعالي حاشى أن يستطيع أي بشر أن يأتي بمثل كلامه ، فلماذا نجد الحديث القدسي (وهو كلام الله) مروي بلغة بشرية (كلمات محمد) وهي ليست بالمعجزة وهي مما يستطيع البشر أن يأتي بأحسن منه بكثير؟ هل كلام الله فيه المعجز وفية غير المعجز؟ هل يتكلم الله أحيانا” لغة تفوق مستطاع البشر ، وأحيانا” أخري لغة أقل بلاغة من لغة البشر؟
إن كان الغرض من الإعجاز القرآني هو إثبات نسبته إلي الله وإثبات نبوة محمد، لماذا نسب الحديث القدسي إلي الله دون حاجة إلي إعجاز ؟ وإلا ما هو الدليل علي أن الحديث القدسي كلام الله إذن؟

إن الأحاديث القدسية برأيي تلغي الغاية من الإعجاز البلاغي للقرآن ، فاعتبار المسلمين لها علي أساس أنها من جملة كلام الله تجعلني أقول : ها هو كلام إلهي لم يكن بحاجة إلي بلاغة معجزية حتي يثبت أنه فعلا” كلام الله ، وعدم إلحاقه بالقرآن وإعطائه نفس القيمة والمرتبة تجعلني أتساءل : ما الغاية من الأحاديث القدسية إذن ما دامت لا ترقي إلي المستوي القرآني وليس لها عند المسلمين نفس الأهمية التي للقرآن؟ ولابد للباحث أن يقر بأن في القرآن بعض الآيات الرائعة من حيث بلاغة ، لكن في نفس الوقت هناك عيوب بلاغية كثيرة موجودة في آيات أخري تجعل من القرآن كتابا” لا يرقي إلي مستوي المعجزة ، لأن المفترض في المعجزة أن تتصف بالكمال وتبلغ الذروة حتي لا تكون مما يقدر عليه البشر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات