الإعجاز داخل القرآن

اختلف علماء الإسلام اختلافًا كبيرًا في وجه الإعجاز داخل النص القرآني.، ورغم سعيي للإطلاع على مؤلفات كثيرة في هذا الباب ، وجدت من الصعب تبويبها وحصرها ، ذلك أن كل فريق يرى الإعجاز من وجه معين ، أحيانًا كثيرة تكون الأوجه هي نفسها ظهرت بتعبيرات شتى وتغييرات طفيفة في المعنى ، لكني حاولت قدر الإمكان وجردها كاملة للقارئ حتى لا أكون قد بخست هذا الباب حقه .

 

ا)الإعجاز في النظم والتأليف والرصف  والإعجار العددي :
وهو أن النص القرآني يختلف عن الأساليب المعهودة التي كان يعتمدها العرب في نظم الكلام ، أي أنه مغاير لها من ناحية الجنس والنوع ، فهو ليس شعرًا ولا سجعًا ولا خطبة ولا رسالة ، بل هو قرآن ، فالقرآن هو نوع جديد من ناحية الأسلوب .
قال الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن متحدثًا عن وجوه إعجاز القرآن :{منها ما يرجع إلى الجملة ، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه ، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم . وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد}1. جاء في الإتقان :{وقال القاضي أبو بكر : وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف ، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ، ومباين لأساليب خطاباتهم . قال : ولهذا لم يمكنهم معارضته}2. وورد ذلك أيضًا في البرهان للزركشي جزء 2 ص 94 .

ويمضي الباقلاني في التأمل في هذا الوجه من الإعجاز من ناحية النظم والتأليف قائلًا : {وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه ، ومباين لهذه الطرق ، ويبقي علينا أن نبين أنه ليس من باب السجع ، ولا فيه شيء منه ، وكذلك ليس من قبيل الشعر ، لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع ومنهم مَن يدعي أن فيه شعرًا كثيرًا ، والكلام عليهما يذكر بعد هذا الموضع . فهذا إذا تأمله المتأمل ، تبين بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة ، وأنه معجز ، وهذا خصوصية ترجع إلى جملة القرآن ، وتميز حاصر في جميعه} 3 .

ومن بين ما يتميز به النص القرآني عن باقي النصوص، نجد ما يذكره د. نصر قائلًا : {ومما يرتبط بسمة {التغاير} العامة بين النص القرآني وغيره من النصوص خصيصة {الحجم} أو {الطول} .فالقرآن على خلاف غيره من النصوص يتميز بطول غير مألوف في النصوص العربية . ولا يصح لنا هنا أن نعترض على الباقلاني قائلين أن صفة الطول ليست إلا محصلة للتنجيم الذي قارب بضعًا وعشرين عامًا تكون النص خلالها ، فالباقلاني الأشعري يؤمن بالوجود الأزلي السابق للنص بوصفه صفة قديمة ملازمة للذات الإلهية ، غير مستقلة عنها ، لأن التنجيم هنا يرتبط بمحاكاة النص للكلام الإلهي القديم ، والإعجاز واقع في هذه {المحاكاة} التي تتميز بالتغاير عن النصوص الأخرى من حيث الشكل العام ومن حيث الطول} 4 .
إذن فوجه الإعجاز حسب ما يراه الباقلاني والقاضي أبو بكر وغيرهم من الأشاعرة ، هو النظم والتأليف والترصيف والطول والكثرة أيضًا ، مما يخالف ما جرت عليه العادة عند العرب .

 

ملاحظات عديدة
ولنا ملاحظات عديدة على هذا الوجه من الإعجاز :
– ويقول د. نصر ملاحظًا : {ولكن الباقلاني لا يحدد ما يقصده ب{النظم والتأليف} الذي صار به القرآن معجز تحديدًا دقيقًا ، إنه يعدد أنواع البديع في الشعر والقرآن ثم ينتهي إلى أن وجوه البديع لا يستدل بها على الإعجاز} مفهوم النص ص 150 . فأين هو الإعجاز إن كان دعاته قد عجزوا عن تحديد وجهه ؟
– يقر الباقلاني في موضع آخر بأن أنواع البديع وأقسام البلاغة سواء في الشعر أو القرآن يمكن تعلمها بالتدريب والتعود حيث يقول : {لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها ، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له ، وأمكنه نظمه ، والوجوه التي نقول إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع له ، والتوصل إليه بحال} إعجاز القرآن ج 1 ص 144 . وعن هذه النتيجة يعلق د.نصر قائلًا : { ومن شأن ذلك كله أن يجعل معيار الإعجاز (العجز) بمعنى عدم إمكانية الوصول إلى فهم سر {الإعجاز} .وهنا لا يفرق الباقلاني بين {العجز} عن الإتيان بمثله – بمثل القرآن – وبين {العجز} عن فهم سر {الإعجاز}. ورغم أنه يفرق على مستوى النصوص الأدبية بين الوعي النظري النقدي وبين القدرة على الإبداع الأدبي ، فإنه في تحديده لمفهوم {النظم والتأليف} الذي صار به القرآن معجزًا يكاد يدخلنا في منطقة {اللا أدرية} وعدم التعليل} 5.
-وقد رأينا من قبل إن المعتزلة يقولون بخصوص :{نظم القرآن وحسن تأليف آياته فإن العباد قادرون على مثله ،وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف} 6 .

-جاء في كتاب مفهوم النص : {وقد ذهب أبو هاشم الجبائي إلى أن القرآن ليس معجزًا لاختلافه من حيث الشكل أو النوع أو الجنس عن النصوص الأخرى في الثقافة ، لأن تغاير الشكل لا يعني تفوقًا أو امتيازًا} 7 .
الأسئلة البسيطة التي يمكن لي أن أطرحها هنا متسائلًا عن معنى الإعجاز في التأليف والنظم كثيرة: هل كل ما خالف العادة ونقضها يعد إعجازًا ؟ هل الشكل الخارجي (ونحن نعلم أن النظم والتأليف هو بناء خارجي) هو معيار الإعجاز؟ هل كل نص طويل يعد إعجازًا ؟ أما كان الأسلم أن يأتي محمد بشعر من نفس الجنس الأدبي الذي تعوده العرب ويتحداهم أن يأتوا بمثله ؟ ألا يمكن للمرء أن يقول بأن الإعجاز هنا معكوسًا حيث أن محمدًا لم يستطع محاكاة العرب في الشعر وعجز عن قوله وعلم أنه لن يستطيع مضاهاة قصائدهم فأتى بكلام لا يخضع لأي معيار من معاييرهم وادعى أنه الأفضل؟!

-قال الأستاذ الحداد في هذا الباب: {لحسن التأليف شروط أجمعت عليها آداب اللغات كلها، مع تفاوتها في تحقيق ذلك.فمن حسن التأليف وحدة الموضوع في الفصل والكتاب ؛وترتيب الأجزاء ،لتنسيق الأقسام وحدات منسجمة ،في وحدة كبرى شاملة ؛ ومراعاة الوحدة الزمنية وتطورها في التنزيل والتبليغ ، والبيان والتبيين .فيسلم حسن التأليف من التداخل بين مواضيعه وأغراضه ؛ومن التكرار في تعليمه وأخباره ، ومن التفكك بين أجزائه وفصوله ؛ ومن الاختلاف في أوصافه من فصل إلى فصل . فلا يأتي التعليم متقطعًا ،ولا التشريع متفتتًا ،بحسب المناسبة من ظروف الزمان والمكان في السيرة والدعوة} 8.وهذه الشروط التي ذكرها ليست متوفرة في القرآن ، حيث لا توجد وحدة الموضوع فمواضيع القرآن متداخلة بعضها ببعض وقصصه متقطعة ومتفرقة بين سور كثيرة وناقصة غير مكتملة ، وأحيانًا كثيرة تبقي غامضة يمكن تأويلها على أكثر من وجه ، ولا يوجد ترتيب زمني للأحداث .. إلخ، فهل هذا لا يعد دليلًا ضد الإعجاز في النظم والتأليف ؟

نختم هذا الوجه من الإعجاز بتعليق للدكتور نصر لم أجد أحسن منه في هذا الباب : {وقد تصور الباقلاني أن توجهه بالهدم على قصائد امرئ القيس والبحتري من شانه أن يثبت له {الإعجاز} ومفارقة القرآن لكلام البشر ، ولكنه لم يدرك أن {مفارقة} الإعجاز لابد أن تستند إلى قوانين يمكن للبشر فهمها حتى تثبت دلالة النص على نبوة محمد ،ويثبت من ثم صدق الوحي .لذلك يكاد الباقلاني يرتد بقضية الإعجاز كلها. دون أن يدري إلى {العجز} الذي صاحب التحدي ،وهو مفهوم لا يكاد يختلف كثيرا عن مفهوم {الصرفة} .إن الاعتماد هنا في أثبات {الإعجاز} لا يستند إلي تحليل لغوي لبناء النص، ولكنه يعتمد على إثبات {حقيقة} أن العرب أهل اللسان والفصاحة عجزوا عن الإتيان بمثله} 9.

1 إعجاز القرآن ج 1 ص 51 

2 الإتقان في علوم القرآن ص 713

3 إعجاز القرآن ج 1 ص 52

4 مفهوم النص ص 149

5 مفهوم النص ص 151

6 الفرق بين الفرق للبغدادي ص 128

7 مفهوم النص ص 153

8 معجزة القرآن جزء 2  

9 مفهوم النص ص 152

 

سؤال جريء 275 الاعجاز العددي :

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات