الإعجاز خارج القرآن – ٢ – إعجاز التدخل الإلهي

ب – إعجاز التدخل الإلهي

أو ما أصطلح على تسميته ب{الصرفة} وأشهر مَن قال به إبراهيم بن سيار بن هانيء البصري ، وهو من المعتزلة ،اشتهر باسم النظام (231هجرية) .قد عُرف المعتزلة بتمثيل التيار العقلي في الفكر الإسلامي ، وهم مَن قالوا بخلق القرآن ، وأن كلام الله مخلوق لا قديم .
وإذا أردنا تعريف مبدأ {الصرفة} نأخذ ما قاله السيوطي : { أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم ،وكان مقدورًا لهم أن يعارضوه، لكن عاقهم أمر خارجي ، فصار كسائر المعجزات }1
وجاء في الملل والنحل : {صرف العرب (أي الله)عن الاهتمام به جبرًا وتعجيزًا ،حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظمًا} 2 .
ويعلق الدكتور نصر حامد أبو زيد على مبدأ الصرفة قائلًا: {إذا كان المعجز هو القدرة الإلهية الخارقة التي تدخلت لتمنع العرب من الإتيان بمثله فالنص في ذاته.أي من حيث هو نص لغوي – كان في مقدور للبشر الإتيان بمثله لو خُلًي بينهم وبين قدراتهم العادية}3 (أي بدون تدخل الله المزعوم لكان البشر أتوا بمثله لأنه لغويًا عادي).

فالنًظًام يرى بأن المعجز هو الله ،فقدرته تفوق قدرة البشر ،ولذلك صرف الناس عن الإتيان بمثل القرآن ،فكان التحدي بالقدرة الإلهية لا طبيعة الكلام .
هذا الرأي لم يذهب إليه النًظًام وحده بل أيضًا نجده عند هشام الفوطي و عباد بن سليمان ، وعيسي المردار ،حيث قالوا : {أن نظم القرآن وحسن تأليف كلماته ليست بمعجزة للنبي ،ولا دلالة على صدقه في دعواه النبوة ،وإنما وجه الدلالة منه على صدق ما فيه من الأخبار والغيوب .بمعني أخبار الماضي والمستقبل فأما نظم القرآن وحسن تأليف آياته فإن العباد قادرون على مثله ، وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف} 4 وقال أبو القاسم البلخي ، وهو من شيوخ الاعتزال في القرنين الثالث والرابع الهجريين ، مؤكدًا مقالة النظام : {إن الحجة في القرآن إنما هو ما فيه من الإخبار عن الغيوب لا النظم والتأليف ، لأن عنده مقدور عليه لولا إن الله منعه}5 .

وإذا كان الكثيرون اليوم ينكرون على النًظًام قوله هذا ويجعلون مبدأ الصرفة مبدأ فاسدًا ، بل يقولون بأن مدرسة النًظًام مدرسة منكرة للإعجاز القرآني ، فإني وجدت رأيًا منصفًا للدكتور أبو زيد بخصوص مبدأ الصرفة حيث يقول : {وإذا كان خصوم المعتزلة والنظام خاصة يتجاهلون عادة ربطه للإعجاز بإخبار عن الأمور الماضية وتنبؤه بأمور تحدث في المستقبل ، فإنهم يفعلون ذلك من أجل الوثب إلى نتيجة فحواها أن النظام ومدرسته ينكرون إعجاز القرآن . والحقيقة أن هذا الرأي لا ينكر {الإعجاز} من قريب أو من بعيد . وإذا توقفنا قليلًا عند مفهوم (الصرفة) ، وهو المصطلح الذي شاع بعد ذلك وصفًا لتفسير النظام ، قلنا أن النظام يجعل المعجزة أمرا واقعًا خارج النص ويرتبط بصفة من صفات قائل النص وهو الله} 6. ويقول أيضًا : {إن الدلالة على صدق النبي في نظر المعتزلة هي وقوع المعجز على يديه ، يستوي في ذلك المعجز الأفعال الخارقة للعادة والطبيعة أو الأفعال العادية الطبيعية المقدور للبشر إذا قارنها عجز البشر في الحال عن إتيان ما اعتادوه من الأفعال ولم يكن مستعصيًا عليهم من قبل}7.
ومهما قيل عن أصحاب ها الرأي ومهما تم من تسفيه لآرائهم والرد عليها فإن مبدأ الصرفة ما كان ليقال لو كان القرآن واضحًا في وجه إعجازه ، ولو لم تكن قدرة البشر على الإتيان بمثله بل والتفوق عليه ظاهرة لمن قالوا به، وهم ممن وصفوا باستخدام العقل وترجيحه .

1الإتقان طبعة دار الكتب العربي 2004 ص : 712

2 الملل والنحل ج 1 ص 64

3مفهوم النص ، ص 146

4 فضيحة المعتزلة ص :28

5 فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 70

6 مفهوم النص ص 145

7 مفهوم النص ص 146

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات