مسائل في التحدي – التحدي رد فعل

اللون الأخضر يشير إلي آيات قرآنية

ب-التحدي رد فعل :

ولنلاحظ مسألة أخري : إن كل السياقات التي جاءت فيها آيات التحدي هذه ،كانت ردود أفعال علي تحدي العرب للنبي محمد بأن يأتي بمعجزة تثبت نبوته، وتقليلهم لشأن الآيات التي يتلوها عليهم .

الآية الأولي:
من سورة الإسراء 17 وقد جاءت في السياق الآتي : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا” إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا” قل لئن اجتمعت الأنس والجن علي أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا” أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا” أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا” أو تأتي بالله والملائكة قبيلا” أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا” نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا” رسولا” وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا” رسولا” قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا” رسولا” قل كفى بالله شهيدا” بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا” بصيرا” سورة الإسراء 17 من 86 إلي 96 .
فالآية رغم وجودها في السياق قبل الآيات التي تليها إلا أنها مجرد رد علي نفر من قريش ،جاؤوا يطلبون معجزات حسية من محمد :{تفجير ينبوع} أو {جنة} أو {يسقط السماء كسفا} ،أو يكون له {بيت من زخرف} أو {يصعد السماء} أو {ينزل عليهم كتابا”} ،مما يوحي بأنهم لم يكونوا قط مقتنعين بالآيات القرآنية التي كان يتلوها عليهم ،فهي بالنسبة لهم لم تكن ترق إلي مستوي معجزات الأنبياء السابقين ،فموسي قد فجر الصخر ينبوعا” وانزل كتابا” ،ولوط أسقط علي قومه السماء كسفا ،وسليمان كان له بيتا” من زخرف ،والمسيح صعد إلي السماء ،فأرنا معجزتك يا محمد غير هذه الآيات التي لا تعتبر كتابا” ككتاب موسي ،فما كان من الآية إلا أن أجابت عن محمد : قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا”…… قل كفى بالله شهيدا” بيني وبينكم راجع تفسير ابن كثير وراجع الحديث الذي ساقه الطبري تحت رقم 7140 . ورد التهمة عن القرآن بأن قال : قل لئن اجتمعت الأنس والجن علي أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا” .وما هذه إلا صيغة مبالغة لأنه متي اجتمعت الأنس والجن علي أن يقوموا بعمل واحد فيما بينهم ؟!

 

الآية الثانية:
وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين سورة يونس 10 : 37 إلي 39 .
وهذه الآيات بطبيعة الحال يسبقها اتهام واضح للقرآن : {يفتري} أم يقولون افتراه نعم أنهم يقولون افتراه !فما جوابك يا محمد ؟ قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم...إذن فالتحدي هنا هو رد فعل أيضا” ،لأن قريش كذبت بالقرآن بحسب الآية وقد قال ابن كثير في تفسيره لها: {بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه}.راجع تفسير ابن كثير لسورة يونس 10 الآيات 37 -40 . فكيف يتحداهم القرآن وهم لم يفهموه أصلا”؟ ولم يأتهم تأويله ؟

 

الآية الثالثة :
فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين سورة هود 11 :12 و 13 ،هنا نجد رد الفعل واضحا” جليا” ،فالقوم قد تحدوا محمدا” مرة أخري وأصروا أنهم يطالبون معجزات حسية {كنز} أو {ملك} حتي ضاق صدره ولعله تارك بعض ما أوحي إليه ! بسبب هذا التحدي الذي عجز عن رده ،لأنه إنما مجرد نذير والله هو وكيله في الرد ،لذلك حتي لو قالوا إن هذا القرآن مجرد افتراء فأطلب منهم يا محمد أن يفتروا عشر سور مثيلة له!.

الآية الرابعة :
فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين سورة الطور 52 من 29 إلي 34 الاتهامات الموجهة هنا إلي محمد هي أنه {كاهن} {مجنون} {شاعر} {تقوله} ،قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات :{أي لست بحمد الله بكاهن كما تقوله الجهلة من كفار قريش ،والكاهن الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء {ولا مجنون} وهو الذي يتخبطه الشيطان من المس .ثم قال تعالي منكرا”عليهم في قولهم في الرسول أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ؟ أي قوارع الدهر ،والمنون الموت ،يقولون ننتظره ونصبر عليه حتي يأتيه الموت فنستريح منه ومن شأنه ،قال الله تعالي قل تربصوا فأني معكم من المتربصون أي انتظروا فإني منتظر معكم ،وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة .قال محمد بن اسحاق عن عبد الله ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما :أن قريشا” لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي قال قائل منهم :احتبسوه في وثاق وتربصوا به ريب المنون حتي يهلك كما هلك قبله من الشعراء زهير والنابغة إنما هو كأحدهم} تفسير ابن كثير للآية ،فالآية إذن موجودة لرد اتهامات قريش .

 

الآية الأخيرة:
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين سورة البقرة 2 : 23 السؤال هنا موجه لقريش:هل أنتم في ريب مما عند محمد ؟ نعم نحن في ريب كبير منه !إذن فأتوا بسورة من مثله !هذا رد فعل آخر أتي بعد شك القوم وتكذيبهم المتواصل للآيات القرآنية واحتقارها ، والنظر إليها من زاوية أنها لا ترق ولا تصلح أن تكون معجزة للإقناع مثلما كانت معجزات الأنبياء قديما” حجة ودليلا” !
لقد توقف التحدي القرآني في السنة الأولي من الهجرة للمدينة ،مع العلم أن تحدي العرب لم يتوقف ومعارضتهم للقرآن  واستهزاءهم به ظل متواصلا” بعد ذلك وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون سورة الأنفال 8 :31 إلي 33 .فهاهو النضر بن الحارث يروي في المجالس أحاديث من بلاد فارس يتفوق فيها علي ما يرويه محمد في القرآن من أخبار ،حتي أنه يسأل القوم : {أيهما أحسن قصصا” أنا أو محمد} وهو الذي قال أي النضر بن حارث :لو شئنا لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين فما أجابه محمد إلا بالسيف في معركة بدر حيث تم أسره ولم يعامله محمد معاملة الأسري ، بل أمر بقتله لأنه قلل من شأن القرآن وتحداه ، وشرح محمد سبب قتله {لأنه كان يقول في كتاب الله ما يقول}  تفسير ابن كثير لسورة الأنفال 8 الآيات 31-33 .

 

بينما قال أبو جهل( صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن ، سورة الأنفال 8 باب : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا) . اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ! وهي دعوة المتأكد بأن ما يتلي عليه من آيات ليس حقا” ، وإلا كان فعلا” قد أصابه العذاب ،وكان جواب محمد عليه وما كان الله يعذبهم وأنت فيهم (يا محمد) مما يعني أن محمدا” كان عاجزا” عن الإتيان بمعجزة مادية ظاهرة ،وأن العرب ما كانوا يعترفون بأن القرآن معجزة !
كان محمد يتلو علي القرشيين النصوص القرآنية ،وكان يقص عليهم حكايات وإخبار قديمة ، كبرهان علي صحة دعواه بالنبوة ،لكن ذلك لم يكن مقنعا” لكثير من القرشيين ،فقالوا بأن ما سمعوه من محمد ليس جديدا” وأنه يعيد علي مسامعهم أقاصيص الأزمنة الغابرة : ان هذا أساطير الأولين سورة الأنفال 8 :31 .

لم ير القرشيون في القرآن معجزة لغوية أو قصصية ،بل رأوا فيه إبداعا” يمكن محاكاته ، لو نشاء لقلنا مثل هذا سورة الأنفال 8 : 31 وربما مضاهاته . ورأوا أيضا” إن محمد يكرر الأساطير القديمة .أساطير الأولين سورة الأنفال 8 : 31 ،فقد وجهوا نداء لإله محمد أن يبرهن لهم حتي لو تعرضوا للعذاب علي صدق محمد : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ،أو ائتنا بعذاب أليم سورة الأنفال 8 : 32 .
كان هذا تحديا” كبيرا”.لما كان محمد يعرف أن البرهان لن يأتي ،فأنه تخلص من التحدي بذكاء ،فقال للقرشيين إن الله لن يعذبهم لأنه مقيم بينهم وما كان الله ليعذبهم وأنت يا محمد فيهم سورة الأنفال 8 : 33 ثم استدركت الآية : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون سورة الأنفال 8 : 33 مع أن القرشيين لم يكونوا مسلمين ،ولم يقبلوا دعوة محمد ، فكيف كانوا يستغفرون ؟ ويسارع احد المفسرين لتبرير ما لا يبرر فيقول : {كان القرشيون الوثنيون يقولون في الطواف : غفرانك ، وقيل إن الاستغفار راجع إلي المسلمين الذين هم بين أظهرهم} : (أي ما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين) القرطبي 9 : 497 .ونسأل : إن كان وجود محمد والمسلمين هو الواقي لقريش من عذاب الله فلماذا لم ينزل الله بهم العذاب بعد أن هاجر محمد وأصحابه ؟ ألم يحرق الله سدوم وعمورة بعدما اخرج لوطا” منها من كتاب معضلة القرآن .

إذن بما أن كل آيات التحدي هي مجرد ردود أفعال ،فإننا نطرح تساؤل آخر : لماذا عجز محمد في الأول عن رد تحدي قريش بأن يأتي بمعجزات مادية تشبه معجزات الأنبياء الحقيقيين ؟ ألا يعتبر رده دليل فشل في قبول تحديهم ؟هل يجاب التحدي بتحد مغاير ؟ لو كانت آيات القرآن في نظرهم معجزة ما كانوا ليطالبوا بمعجزات مادية حسية !وكأن محمدا يقول لهم: كل ما عندي هو مجرد {كلام} إما أن تقبلوه علي أنه معجزة أو تأتوا بمثله !وهو دليل واضح علي فشل محمد في تقديم معجزات مادية ملموسة، كل ما قدمه كان مجرد كلام !

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات