الإعجاز لغة

أما من الناحية اللغوية فإننا نجد أن الإعجاز مشتق من {العجز} والعجز في لغة العرب تدور أصوله الثلاثة (ع،ج،ز) على معنى التأخر ، ويلزم هذا المعنى : الضعف ، فيظن أنهما أصلان لا رحم بينهما ، ولكن الرحم بينهما موصولة ، فإن الضعف من ولائد التأخر ، فالذي يعجز عن الأمر أي يضعف عنه إنما هو آتيه في آخر ذلك الأمر ، فلا يستقيم له الاقتدار عليه ، وأهل الحكمة يقولون : {لا تدبروا إعجاز أمور قد ولت صدورها} فإن من فعل ذلك لا محال يضعف عن أن يقتدر عليها ، فكل من تأخر عن القيام بالأمر في عجزه ضعف عنه وأيضًا مَن حاول في آخر أمره شيئًا في أوله لم يقتدر عليه ، فسواء أكان التأخير من شأن الفاعل أو من شأن المفعول ، فإنه يترتب على ذلك ضعف ، ولا يقال : عجز عن كذا إذا لم يحاوله ، أو رغب في المحاولة ، فعلم من نفسه ضعفها عنه ، فكان علمه بحال نفسه ، وحال ما يريد محاولته بمنزلة مَن أراد وحاول ، فثبت له ضعفه عما حاول ، فقيل له حين ذلك : عجز عنه ، وهذا يبين لك أنه لا يكون حكم بمعجز إلا من إرادة ومحاولة على سبيل التحقيق أو التنزيل}1  .

وجاء في المحيط
{عجز : العجز : نقيض الحَزْم ، عجز عن الأمر يعجز وعجز عجزًا فيهما ؛ ورجل عَجِز وعَجُز : عاجز ومرة عاجز : عاجزة عن الشيء ؛ عن ابن الأعرابي . وعجز فلان رأى فلان إذا نسبه إلى خلاف الحزم كأنه نسبه إلى العجز . ويقال : أعجزت فلانًا إذا ألفيته عاجزًا . والمعجزة : العجز .
والعجز : الضعف ، تقول : عجزت عن كذا أعجز . وفي حديث عمر : ولا تلثوا بدار معجزة أي لا تقيموا ببلدة يعجزون فيها عن الاكتساب والتعيش ، وقيل بالثغر مع العيال . والمعجزة ، بفتح الجيم وكسرها ، مفعلة من العجز : عدم القدرة . وفي الحديث : كل شيء بقدر حتى العجز والكيس ، وقيل : أراد بالعجز ترك ما يحب فعله بالتسويف وهو عام في أمور الدنيا والدين . وفي حديث الجنة : ما لي لا يدخلني إلا سقط الناس وعجزهم ؛ جمع عاجز كخادم وخدم ، يريد الأغبياء العاجزين في أمور الدنيا . وفحل عجيز : عاجز عن الضراب كعجيس ؛

قال ابن دريد : فحل عجيز وعجيس إذا عجز عن الضراب ؛ قال الأزهري وقال أبو عبيد في باب العين : هو العجير ، بالراء ، الذي لا يأتي النساء ؛

قال الأزهري : وهذا هو الصحيح ، وقال الجوهري : العجيز الذي لا يأتي النساء ، بالزاي والراء جميعًا . وأعجزه الشيء : عجز عنه

ومعني الإعجاز الفوت والسبق ، يقال أعجزني فلان أي فاتني ؛ ومنه قول الأعشي   
فذاك ولم يعجز من الموت ربه ، ولكن أتاه الموتُ لا يتأبقُ وقال الليث : أعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه . يقال : عجز يعجز عن الأمر إذا قصر عنه . وعاجز إلى ثقة : مال إليه . وعاجز القوم : تركوا شيئًا وأخذوا في غيره ويقال : فلان يعاجز عن الحق إلى الباطل أي يلجأ إليه . ويقال :
هو يكارز إلي ثقة مكارزة إذا مال إليه . والمعجزة : واحدة معجزات الأنبياء ، عليهم السلام} 2
أما السيوطي فقد عرف المعجزة  .

 :قائلًا : {اعلم أن المعجزة : أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدي ، سالم من المعارضة ، وهي إما حسية أو عقلية}3 
ويمكن القول بأن تعريف السيوطي دقيق ومختصر ،ولتبسيطه أقول أن الإعجاز هو فعل التحدي المصاحب للمعجزة ،والمعجزة ينبغي أن تكون واضحة جلية ودقيقة ،لا تحتاج إلي توضيح ،سالمة من المعارضة .
لكن هناك مَن يريد الإضافة إلى هذا التعريف ، كون المعجزة ينبغي أن تحدث في إطار ما تتميز به الثقافة السائدة ، وفي هذا الصدد قال الدكتور نصر حامد أبو زيد : {إن المعجزة ـ التي هي دليل الوحي ـ لا يجب أن تفارق حدود الإطار الذي تتميز به الثقافة التي ينزل فيها الوحي ، لذلك كانت معجزة عيسي إبراء المرضى وإحياء الموتى ، مادامت ثقافته تتميز بالتفوق بعلم الطب . ولأن قوم موسي كانوا متفوقين في السحر كانت معجزته من جنس ما تفوقوا فيه، والعرب الذين نزل فيهم القرآن كان {الشعر} مجال تفوقهم لذلك كانت المعجزة نصًا لغويًا هو ذاته نص الوحي} 4
وفي نفس السياق قال الزركشي :{وقامت الحجة علي العالم بالعرب ، إذ كانوا العرب أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة ، وكما قامت الحجة في معجزة عيسى بالأطباء ، وفي معجزة موسى بالسحرة ، فإن الله تعالي إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما تكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره ، فكان السحر في مدة موسى قد انتهي إلى غايته ، وكذا الطب في زمان عيسي ، والفصاحة في مدة محمد} 5
غير أن هذا القيد مردود عليه، بحيث أن فكرة جنس المعجزة ينبغي أن يكون مما برع فيه المتلقي هي من اختراع علماء الإسلام فقط ، ولا تجدها أبدًا عند مفسري اليهود لتوراتهم ولا عند اللاهوتيين المسيحيين لكتابهم، ومردود عليها بأدلة كثيرة:

1-أن معجزات موسى لم تنحصر في العصا وفي الضربات التي استطاع السحرة تقليدها في بادئ الأمر، أليست معجزة المن والسلوى معجزة بعيدة عن السحر والسحرة وموجهة فقط لبني إسرائيل لتسد جوعهم في الصحراء ؟ وماذا سنقول عن معجزة شق البحر والهروب منه ؟ وماذا عن معجزة شق الماء من الصخر ؟ ومعجزة الهالة البيضاء التي طبعت وجه موسي حتى صار يضع برقعًا ؟ ومعجزة الوصايا العشر المكتوبة على ألواح بنار إلهية ؟ هل هذه معجزات من جنس ما يقوم به السحرة ؟

2-لم يكن الفراعنة بارعين في السحر فقط بل أيضًا في الطب والدليل أن تحنيطاتهم لا زالت تقاوم الزمن إلي يومنا هذا حتي صارت سرًا من الأسرار لم يستطع أحد كشفه ، فلماذا لم يكن لموسي معجزات من قبيل إحياء الموتى ، وشفاء المرضي إذن؟

3-معجزات المسيح لم تقتصر على معجزات الشفاء وإقامة الموتى، بل أعظم معجزة قال عنها المسيح هي موته ودفنه وقيامته، وهي معجزة لم تكن موجهه للأطباء، بل للجميع، على مر العصور ! وبالإضافة إلى هذا فإنه أطعم الجياع من بضعة أرغفة وأسماك ، ومشي على الماء ، وظهر مع إيليا وموسي ، وارتفع في السحاب !! أهذه معجزات لها علاقة بالطب ؟

4-مَن يستطيع أن يثبت أن عصر المسيح كان عصر التفوق الطبي ؟ بل أكثر ما يقال عن البيئة التي كبر فيها المسيح هي بيئة دينية كثرت فيها الجدالات اللاهوتية، والمدارس الدينية اليهودية ، فكان بالأحرى أن تكون معجزته دينية لاهوتية محضة لو سلمنا بهذا القيد.

5-ثم إن العصر الذي نعيشه هو عصر التفوق الطبي والتكنولوجي عصر التفوق في كل العلوم ، فكان على محمد أن تكون معجزته تتحدى كل ما توصلنا إليه من علوم وصعود للقمر وغزو للكواكب … إلخ، حتى تكون من جنس ثقافتنا .
6-ثم ماذا عن معجزات الأنبياء الآخرين : نوح وإيليا ويونان ويشوع ودانيال … وغيرهم ؟؟ هل كانت من جنس الثقافة السائدة ؟؟
إن هذا القول لهو واحد من أكبر المغالطات التي رددها بعض علماء الإسلام وتناقلها الآخرون عنهم دون تمحيص أو نقد فصارت تملأ كل كتاب تطرق إلي موضوع الإعجاز والمعجزات .

1إعجاز القرآن الكريم بالصرفة / محمود توفيق محمد سعد ص : 4

2القاموس المحيط

3الإتقان في علوم القرآن ، النوع الرابع والستون . ص 710 طبعة 2004 دار الكتاب العربي .

4مفهوم النص ص: 138.

5البرهان في علوم القرآن ، جزء 2 ، ص 58 .

 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات