مثل القرآن

يقول الدكتور محمد عابد الجابري :{وهل يستطيع اليوم أمهر الكُتاب وأعلاهم شانًا أن يأتي بمثل القرآن أو بمثل سورة من سوره ؟ بل أنه لا أحد من الشعراء اليوم يمكن أن يأتي بشعر يماثل شعر المتنبي مثلًا ، ولا بخطبة مماثلة لخطبة قس بن ساعدة ، أو بمقامة من جنس مقامات الهمذاني أو الحريري ، بل ولا قصائد تتطابق مع قصائد نزار قباني . ذلك لأن الإبداع في القول ، كما في الرسم والنحت ، كما في الفكر والفلسفة ، لا يمكن تقليده ، لسبب بسيط هو أن التقليد هو بالتعريف : غير الإبداع}1.

أتفق كليًا مع الدكتور الجابري في قوله هذا إن كان المقصود فقط أن كل عمل إبداعي هو تجربة فريدة ، وأن كل محاولة لمحاكاتها ستكون مجرد تقليد ونقل ليس إلا ، وبالتالي فتحدي القرآن لا معنى له في هذا الإطار ، لأن أي محاولة للإتيان بسورة من سور القرآن سيقول عنها الناس أنها مجرد تقليد وليست بالعمل الأصلي ، فهل يمكن أن تأتي بلوحة مماثلة لأعمال بيكاسو أو ليوناردو دافينشي مثلًا ؟ كل لوحة تحاول محاكاة تلك الأعمال ستكون مجرد تقليد لها وبالتالي لن تكون لها نفس القيمة ، بل ويمكنني أن أقول وبكل ثقة أن أي إنسان على وجه الأرض لن يستطيع أن يأتي بمثل أي كتاب كيفما كان هذا الكتاب ، لأنه إن حاول سيقع في مصيدة التقليد لا محالة ! ولهذا كان ينبغي على التحدي أن يكون دقيقًا ومحددًا ، لا مجرد تحدي فضفاض يصح قوله على أي كتاب أو أي عمل مهما كان نوعه ، ومع ذلك سنحاول في هذا الإطار سرد بعض الآيات التي كانت مشابهة للقرآن بل أكثر قوة منه وأن التاريخ الإسلامي حاول قدر الإمكان طمس معالمها ليحاول التأكيد على تفرد القرآن واعتبار ذلك التفرد معجزة خالدة !

 

عبد الله بن أبي سرح:
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ} سورة الأنعام 6 آية 93. قال الطبري في تفسيره لهذه الآية :

نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي أسلم ، وكان يكتب للنبي صلعم ، فكان إذا أملي عليه {سميعًا عليمًا} ، كتب هو : {عليمًا حكيمًا} وإذا قال : {عليمًا حكيمًا} كتب : {سميعًا عليمًا} . فشك وكفر ، وقال : إن كان محمد يوحي إليه فقد أوحي إليً ، وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله ، قال محمد :{سميعًا عليمًا} ، فقلت أنا : {عليمًا حكيمًا} .

وفي رواية أخرى :كان يكتب للنبي صلعم ، وكان فيما يُملي {عزيز حكيم} ، فيكتب {غفور رحيم} ، فيغيره ، ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حول ، فيقول :{نعم سواء} فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وقال لهم : لقد كان ينزل عليه {عزيز حكيم} ، فأحوله ثم أقول لما أكتب ، فيقول نعم سواء.

أما القرطبي فيعطينا وجهة نظر أخرى في الموضوع نفسه من خلال تفسيره لسورة الأنعام 6 آية 93 حيث قال :

{والمراد عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلعم ، ثم ارتد ولحق بالمشركين . وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون : أنه لما نزلت الآية التي في {المؤمنون 23} : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ}سورة المؤمنون 23آية 12 دعاه النبي صلعم فأملاها عليه ؛ فلما انتهى إلى قوله : {ثُمً أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان فقال :تبارك الله أحسن الخالقين . فقال رسول الله صلعم :{هكذا أنزلت عليً} فشك عبد الله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقًا  لقد أوحي إليً كما أوحي إليه ، ولئن كان كاذبًا لقد قلت كما قال . فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ؛ فذلك قوله : {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّه} رواه الكلبي عن ابن عباس}.

لقد ارتد عبد الله بن أبي سرح وكان من بين حالات الارتداد الأولى التي حدثت في بداية الإسلام وقد كان من بين كتبة الوحي ، وعلم كيف تتم عملية الكتابة وكان وقع تلك الردة شديدا على محمد خصوصًا وأنه أفشى حتى أسرار عملية الوحي ، وقال أنه كان يكتب ما شاء فيجاريه محمد ويقول له هكذا أنزلت ، ولذلك نفهم لماذا أمر محمد بقتله عندما دخل مكة لأنه لم ينس جرح تلك الحادثة :{فلما دخل رسول الله صلعم مكة أمر بقتله وقتل عبد الله بن خَطَل ومِقيس بن صُبَابة ولو وجُدوا تحت أستار الكعبة ؛ ففر عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه ، وكان أخاه من الرضاعة ، أرضعت أمه عثمان ، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلعم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له ؛ فصمت رسول الله صلعم طويلًا ثم قال :{نعم} . فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلعم :{ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه}.

 تفسير القرطبي للأنعام 6 آية 93 ، ووردت في عدة مراجع أخرى من بينها :أسد الغابة باب العين والباء ، البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 292 .

الأسئلة التي تطرح نفسها في هذه القصة كثيرة وتجيب على مواضيع أخرى طُرحت في هذا الكتاب :

لماذا لم نر تعجب عبد الله بن أبي سرح من هذا الكلام الذي يخرج من فم أمي لا يعرف القراءة والكتابة؟ بل على العكس من ذلك نرى أنه قد ارتد وتأكد بأن وحي محمد ما هو إلا ادعاء وتأليف ، لماذا لم يشر من بعيد ولا من قريب إلى إعجاز {الأمية} الذي صار حجة يكاد لا يخلو منها أي كتاب إسلامي؟ وإن قال عبد الله بن أبي سرح بأنه يستطيع أن ينزل (مثل ما أنزل الله) فلماذا لم نر من محمد قبول هذا التحدي خصوصًا وأنه طالب الناس بفعل ذلك {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } سورة يونس 10 آية 38 . بل على عكس المتوقع نجد أن السيف كان هو الجواب على التحدي لم يطلب محمد تشكيل لجنة تقارن بين ما سينزله عبد الله وبين القرآن ، بل إن محمدا كان مُصرًا على قتله حتى لو كان تحت أستار الكعبة {أقدس مقدسات العرب} ، بل وكان يتمنى أن يقتله واحد من أصحابه وهو صامت ينتظر إعطاء جواب لعثمان ، وفي الأخير كان عفوًا على مضض ليس عن اقتناع بل لأجل عثمان بن عفان وهو أمر يدعو للكثير من التساؤلات ليس هذا مكانها ، إن عبد بن أبي سرح كان من الأوائل الذين تيقنوا أنهم قادرون على الإتيان بمثل القرآن ، وفهموا قواعد اللعبة لأنها خيانة من الداخل وإفشاء لأسرار الوحي ، هذا ما يفسر ذلك الحقد المطلق الذي كان متمكنًا من محمد للتخلص من بن أبي سرح .

 

مسيلمة بن حبيب الحنفي :
شخصية تاريخية أخرى حيك حولها الكثير وكتب عنها الكثير ، لكن ما فقدناه عن هذه الشخصية يعد مرجعًا من أكبر المراجع التي خسرناها والتي كان من شأنها أن تكشف لنا الكثير من أسرار الدعوة المحمدية ، مسيلمة الذي ألحقت به المصادر الإسلامية لقب {الكذاب} حتى صار مرادفًا لاسمه يعد أكبر نموذج يرينا ما حصل في التاريخ الإسلامي من طمس الأقوال وتزييف للكثير من الحقائق والمعطيات . سنستعرض بعضًا من الأقوال التي نسبت لمسيلمة بن حبيب في مختلف المصادر الإسلامية :

{يا ضفدع بنت الضفدعين نقي لكم نقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين رأسك في الماء وذنبك في الطين}

{ والمُبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه}

{  وَالشَّمْس وَضُحَاهَا في ضوئها ومنجلاها، وَاللَّيْل إِذا عَداهَا يطْلبهَا ليغشاها فأدركها حَتَّى أَتَاهَا وأطفأ نورها فمحاها}.

{الْفِيلُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلُ، لَهُ ذَنَبٌ وَبِيلٌ، وَخُرْطُومٌ طَوِيلٌ.}

{ الْفِيلُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلُ، لَهُ زَلُّومٌ طَوِيلٌ، إِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِ رَبِّنَا الْجَلِيلِ.}

{ سمع الله لمن سمع؛ وأطعمه بالخير إذا طمع؛ ولا زال أمره في كل ما سر نفسه يجتمع؛ رآكم ربكم فحياكم؛ ومن وحشة خلاكم؛ ويوم دينه أنجاكم فأحياكم؛ علينا من الصلوات معشر أبرار؛ لا أشقياء ولا فجار؛ يقومون الليل ويصومون النهار؛ لربكم الكبار(العزة)؛ رب الغيوم والأمطار}

{ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَوَاهِرْ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَهَاجِرْ، إِنَّ مُبْغِضَكَ رَجُلٌ كَافِرْ. }

{إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَمَاهِرْ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَهَاجِرْ، وَلَاتُطِعْ كُلَّ سَاحِرٍ وَكَافِر}

{والليل الدامس والذئب الهامس ما قطعت أسد من رطب ولا يابس}

{لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشي}

{ياوبر ياوبر إنما أنت ايراد وصدر وسائرك حفر نقر}  2 .

{والليل الأطخم ، والذئب الأدلم ، والجزع الأزلم ، ما انتهكت {أسيد} من محرم}.

{والشاة ألوانها ، وأعجبها السود وألبانها ، والشاة السوداء واللبن الأبيض : إنه لعجب محض ، وقد حرم المذق ، فما لكم لا تجتمعون}

{لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ، ولكن قريش قوم يعتدون}3.

{ ألم تر أن الله خلقنا  أفواجا وجعل النساء لنا أزواجا فنولج فيهن الغراميل إيلاجا ثم نخرجها إخراجا فينتجن لنا سخالا إنتاجا}4.هذه مجموعة من أغلب الكلام الذي نسب لمسيلمة ، ويستغرب المرء كيف لشخص كان له كتاب مثل القرآن وكان له دعوة دينية قبل محمد وكان له أتباع يفوقون أتباع محمد أن يكون كلامه ساذجًا وسخيفًا بهذا الشكل ؟ وقد أدرك علماء سخافة هذه الأقوال فلذلك قال الباقلاني : {فأما كلام مسيلمة الكذاب ، وما زعم أنه قرآن ، فهو أخس من أن نشتغل به ، وأسخف من أن نفكر فيه ..وإنما نقلنا منه طرفًا ليتعجب القارئ ، وليتبصر الناظر ، فأنه على سخافته قد أضل ، وعلى ركاكته قد أزل ، وميدان الجهل واسع ، ومَن نظر فيما نقلناه عنه ، وفهم موضع جهله ، كان جديرًا أن يحمد الله على ما رزقه من فهم ، وآتاه من علم}5 .

لكن ما خفي على الباقلاني هو أن هذا الكلام منسوب لمسيلمة وإلا فأين كتابه ؟ ولماذا تم طمسه من الوجود ؟ ألم يكن من الأجدر أن تبقى أقواله محفوظة حتى يظهر للجميع أن أقوال القرآن تفوقها بلاغة وبيانًا ؟

وقد بلغ برواة المسلمين الحقد على مسيلمة والاستهزاء به أن نسبوا له معجزات سلبية أغربها ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية :

{بلغه أن رسول الله صلعم بصق في بئر فغزر ماؤه فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلية وفي أخرى فصار ماؤه أجاجًا وتوضأ وسقي بوضوئه نخلًا فيبست وهلكت وأتى بولدان يبرك عليهم فجعل يمسح رؤوسهم فمنهم مَن قرع رأسه ومنهم مَن لثغ لسانه ويقال أنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمي وقال سيف بن عمر عن خليد بن زفر النمري عن عمير بن طلحة عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة ، فقال أين مسيلمة ؟ فقال : مه ! رسول الله ، فقال لا حتى أراه ، فلما جاء قال أنت مسيلمة ؟ نعم ، قال : مَن يأتيك ؟ قال رجس ، قال : أفي نور أو في ظلمة ؟ فقال: في ظلمة، فقال: أشهد أنك كذاب وأن محمدًا صادقًا} 6.

فهل هذا الكلام معقول ؟ إن كانت كل معجزاته وكراماته تؤذي الناس فتجعل مياه الآبار تغور وتيبس النخل وتجعل القرع في الرؤوس وتعمي الناس ويأتيه {رجس} في ظلمة ..فهل من المعقول أن يكون له من الأتباع ما يفوق أتباع محمد ؟ وهل من المعقول أن يكون له جيش يدافع عنه حتى الموت ؟ (بلغ جيش مسيلمة حوالي أربعين ألف مقاتل ، في حين أن جيش محمد في أوجه {عام الفتح} لم يتعد عشرة آلاف مقاتل ، وهذا يعني حتمًا أن عدد أتباع مسيلمة فاق عدد أتباع محمد على الأقل بثلاثة أضعاف) فهل من المعقول أن يكون لشخصية مهلهلة كالتي يرسمها المسلمون كل هذا التأثير في تابعيه ؟

 

ذكر القرطبي في مقدمة تفسيره أن المبادئ التي دعا إليها محمد في بداية دعوته مستقاة من مسيلمة في الأصل ، ولذلك عندما سمع القريشيون محمدا يقول بسم الله الرحمن الرحيم قالوا :{هذا محمد يذكر رحمان اليمامة} يعنون مسيلمة.

ويقول خليل عبد الكريم :{فمما سجلته دواوين السيرة أن من بين السفالات التي كان يوجهها صناديد قريش إلى محمد أنه يستقي معارفه من رحمان اليمامة وهو أحد ألقاب مسيلمة ومنه يمكن أن نستخلص وجوده كنبي كذوب أو متنبئ قبل أن يبشر محمد بدعوته ويجهر بها وأن المكاكوة(أهل مكة) كانوا يعرفون ما يذيعه ولذا نسبوا إليه المبادئ أو الآراء التي فاجأهم بها محمد فيما بعد} 7.ولذلك نجد من الصعب أن نقبل الأقوال التي نسبت إلى رجل عظيم بهذا المقدار بين بني قومه وقائد ديني وعسكري محنك وهذا ما أدركه كُتاب آخرون أيضًا حيث قال خليل عبد الكريم في هذا السياق :

{من أبيات الشعر الإباحية المكشوفة التي حملتها بعض الكتب التراثية ونسبتها إلى مسيلمة يغري بها سجاج على الزواج منه فهي والأسجاع الهزلية التي نسبت إليه والتي قيل إنه ضاهي بها القرآن …فهي من الإضافات المتأخرة لتشويه صورته إذ لا يعقل أن مَن يسيطر على قبيلتين كبيرتين ويدفع أفرادهما إلى بذل تلك التضحيات الجسام ويكبد أعداءه تلك الخسارات الفوادح ، أن يكون بتلك الصورة المزرية وعندما ندرك أنه ما من متنبئ حظي بمثل ما حظي به مسيلمة من تشهير وتحقير وسخرية وهزء من جانب الإخباريين والمؤرخين وأصحاب السير فلا تعليل لذلك إلا أنه رد فعل لتلك المقاومة العنيدة وضرب من الأخذ بالثأر للمئات الذين أهرقت دماءهم من جرائها} 8.

ويمضي خليل عبد الكريم متحدثًا عن مسيلمة قائلا :

{فهو الذي هدد دولة قريش في مفتتح خلافة ابن أبي قحافة تهديدًا منكرًا ولولا مهارة خالد بن الوليد لكانت في الأمور أمور فلقد قاوم مسيلمة ومعه بنو حنيفة مقاومة ضارية شرسة جيوش الدولة القرشية وبدون الاستراتيجية البارعة التي خططها ابن الوليد لما انتصر المسلمون عليهم في معركة بالقرب من عقرباء في حديقة الموت بيد أنه نصر مكلف غاية التكلفة إذ ضحى فيها عدد جسيم من خيار الصحابة والتابعين وخاصةً حفظة القرآن (القراء) بأرواحهم} 9.

وهذا رأي اختاره كُتاب آخرون رأوا أن الروايات الإسلامية لم تكن موضوعية في تطرقها لشخصية مسيلمة حيث نجد رشيد الخيون مثلًا يقول في كتابه جدل التنزيل :

{ومع ما يراه باحثون عديدون أن الرواية التاريخية كانت منحازة جدًا ، لأن التاريخ يكتبه المنتصرون ، فهزأت بحنيفة وقائدها وأظهرتهم بصورة مهلهلة . ويظهر تناقضها عندما تذكر مظاهر الاستعداد للقتال ، وتمجيد خالد بن الوليد قائدًا ، وتذكر القتلى من قريش وأطرافها بخلق كثير ، وتمحو ذنب وحشي قاتل الحمزة بمعركة أُحد ، عبد من عبيد آل سفيان ، بقتله مسيلمة}10.

 

أين قرآن مسيلمة إذن ؟ أين اختفى ولماذا تم تدميره وطمسه ؟ ولماذا تم شن الحرب عليه لو لم يشكل منافسًا قويًا للإسلام آنذاك ؟ ألم يكن إعجاز القرآن كافيًا لثني الآلاف عن اتباع مسيلمة وتحويلهم إلى الإسلام ؟ لماذا نجد السيف كان أكثر إقناعًا من الإعجاز ؟ أيهما أخضع الناس أكثر للإسلام هل السيف أم الإعجاز ؟

في كل تاريخ الإسلام ، كل مَن قال رأيه في القرآن واعتبره مجرد كلام عادي يستطيع أن يحاكيه يتعرض للتهديد والقتل ، فهذا النضر بن الحارث الذي قال عنه القرآن {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ }سورة الأنفال 8 آية 31 .ثم قتله صبرًا (جوعًا وعطشًا) يوم بدر ، ورأينا أيضًا ما كان سيكون عليه مصير بن أبي سرح لولا تدخل عثمان بن عفان ، ورأينا كذلك مصير مسيلمة وغيره ، والتاريخ الإسلامي كله يشهد بأن مَن نقص مِن القرآن سيكون مصيره القتل إن لم يتب ، واليوم يكفي أن يقول أي شخص في أي دوله إسلامية أنه سيأتي بمثل القرآن وأن القرآن كلام بشر وسترى حينها ما سيلاقيه ، فأيهما يا ترى أكثر إقناعًا في التاريخ الإسلامي من بدايته إلى اليوم ؟ إعجاز القرآن أم السيف الذي يقنع الناس رغمًا عنهم بإعجاز القرآن ؟

1 مدخل إلى القرآن الكريم الجزء الأول ص 94

2 البداية والنهاية لابن الكثير ج 6 ص 325

3 إعجاز القرآن للباقلاني ، نماذج لبلاغة الصحابة والبلغاء ، من كلام مسيلمة الكذاب

4 إعجاز القرآن للباقلاني ، نماذج لبلاغة الصحابة والبلغاء ، اجتماع سجاح المتنبئة لمسيلمة الكذاب

5 إعجاز القرآن الباقلاني ، نماذج لبلاغة الصحابة والبلغاء ، لا نشتغل بكلام مسيلمة لأنه أسخف ما أن نفكر به

6 البداية والنهاية لابن كثير، ج 6 ص 326

7 دولة يثرب بصائر في عام الوفود ، خليل عبد الكريم 158

8 دولة يثرب بصائر في عام الوفود ، خليل عبد الكريم ص 159

9 دولة يثرب بصائر في عام الوفود ، خليل عبد الكريم ص 157

10 جدل التنزيل ، رشيد الخيون ، ص 83

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات