كلام أبكى الناس

مفاتيح الألوان :

الأخضر : آيات قرآنية .

الأحمر : آيات من الكتاب المقدس .

الأزرق : مصادر إسلامية أخرى .

البرتقالي : روابط تستطيع الضغط عليها للوصول إلى المصدر الأصلي .

نماذج من كلام أبكى الناس وتأثر به السامعون :

من حياة محمد نفسه

عن ابن عباس قال : { جاء أعرابي إلى رسول الله فجعل يتكلم بكلام بيًن ، فقال رسول الله صلعم : إن مِن البيان سِحرًا وإن مِن الشعر حكمًا } مُسند الإمام أحمد ، مُسند عبد الله بن العباس 

وعن ابن عمر قال : { جاء رجلان من أهل المشرق إلى النبي صلعم ، فخطبا ، فعَجَب الناس من بيانهما ، فقال رسول الله صلعم : إن من البيان سِحرًا، أو إن بعض البيان سِحرًا } مُسند الإمام أحمد ، مُسند عبد الله بن عمر . هذا الحديث رواه الترمزي وقال عنه أنه حديث حسن صحيح (سنن الترمزي ، كتاب البِر والصلة ، باب ما جاء في إنً البيان سِحرًا) وله روايات أخرى كلها تتفق أن محمدا قد شهد بأن البيان (حتى من غير القرآن) هو سحر ، وهنا توجد ملاحظات كثيرة أحب أن أنبه القارئ إليها : مادام الناس قد تعجبوا مِن قول هذا الإعرابي وخطبته ، وشهد محمد نفسه بأنها بيان يسحر العقول ، هل هذا يجعل مِن كلام الأعرابي وخطبته (أو الأعرابيان وخطبتهما) وحيًا إلهيًا مادام فيها مِن البيان ما يُشبه السِحر ؟ ألم يقل القرآن أن العرب قالوا عنه هو نفسه أنه سِحر مُبين ؟ حيث تقول الآية : {  وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  } سورة سبأ آية 43 . وقال عنه آخرون : { فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ  } سورة المدثر آية 24 . إذن هو نفس الكلام الذي قاله محمد عن كلام الأعرابي العجيب ، وهو أمر يثبت لنا أن الكلام العربي البشري يمكن أن يشبه السحر في بلاغته وبيانه ولكن هذا لا يجعل منه كلام الله وليس هو المقياس الذي يمكن أن نحتكم إليه ، والدليل أن مفسري الأحاديث قالوا كلامًا خطيرًا عن مقولة محمد هذه {إن من البيان سِحرًا} حيث قال المنذري : {وقد اختلف العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرًا فقيل أورده مورد الذم لتشبيهه لعمل السحر لغلبة القلوب وتزيينه القبيح وتقبيحه الحسن وإليه أشار الإمام مالك رضي الله عنه فإنه ذكر هذا الحديث في الموطأ في باب ما يُكره مِن الكلام قيل إن معناه أن صاحبه يكسب من الإثم ما يكسبه الساحر بعلمه}1.

وقال آخر : {يعني أن بعض البيان يعمل عمل السحر . ومعنى السحر إظهار الباطل في صورة الحق} 2.

إذن حتى علماء الإسلام يتفقون على أن من البيان ما يمكن أن يجعل القبيح يظهر في صفة الحسن ويجعل الباطل يظهر في صفة الحق . ويا له من اعتراف حق وكلام خطير ! ألا يمكن القول إذن أن البيان ليس هو الحكم في الفصل بين الكلام الإلهي والكلام البشري؟ فالبيان يمكن أن يخدع الناس ويظهر لهم الباطل حقًا وبالتالي لا يمكن بشكل مِن الأشكال التركيز عليه والاستدلال به وإلا فإن كلام الكثير من الشعراء والأدباء صح أن يُطلق عليه كلام الله هو الآخر .

 

مِن الكتاب المقدس

وَقَرَأُوا فِي السِّفْرِ، فِي شَرِيعَةِ اللهِ، بِبَيَانٍ، وَفَسَّرُوا الْمَعْنَى،  وَأَفْهَمُوهُمُ الْقِرَاءَةَ وَنَحَمْيَا أَيِ التِّرْشَاثَا، وَعَزْرَا الْكَاهِنُ الْكَاتِبُ، وَاللاَّوِيُّونَ الْمُفْهِمُونَ الشَّعْبَ قَالُوا لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «هذَا الْيَوْمُ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ، لاَ تَنُوحُوا وَلاَ تَبْكُوا». لأَنَّ جَمِيعَ الشَّعْبِ بَكَوْا حِينَ سَمِعُوا كَلاَمَ الشَّرِيعَةِ.}الكتاب المقدس ، سفر نحميا أصحاح 8 آية 8 ، 9 . إذن من هذا السياق نستنتج أن كلام الشريعة عندما قُرئ على شعب الرب بكوا جميعًا متأثرين به وذلك لما لهذا الكلام من قدسية في نفوسهم 

 

من الشعر

ومن الشعر نجد قصة قيس بن الملوح بن مزاحم الذي ما أن سمع بيتي ليلى بنت مهدي بنت سعد حين أنشدته : 

كلانا مظهر للناس بغضا                       وكل عند صاحبه مكين

تُبلِغُنا العيونُ بما أردنا                        وفي القلبين ثُمً هوى دفين

فلما سمع البيتين شهق شهقةً واُغمي عليه ، ومكث على ذلك ساعة ، ونضحوا الماء على وجهه ، ثم أفاق وقد تمكن حب كل منهما في قلب صاحبه ، وانفصلا وقد أصاب المجنون لوثة ، ولم يزل في جَنبات الحي منفردًا عاريًا لا يلببس ثوبًا إلا خرقه ، يهذي ويخطط في الأرض ويلعب بالتراب والحجارة ، لا يجيب أحدًا يسأله ، فإذا أحبوا أن يتكلم أو يثوب عقله إليه ذكروا له ليلى ، فيقول : بأبي هي وأمي ، ثُمً يرجعُ إليه عقلُهُ وينشدهم  3. . فهل يمكننا إذن اعتبار هذين البيتين الذين أنشدتهما ليلى وحيًا إلهيًا لأنه كان لهما تأثير على قيس لدرجة أنه أغمى عليه في الحال ؟

ونجد في كتب التراث أن عمر بن الخطاب قد بكى عندما سمع أبياتًا لامرأة كانت تنشد فيهما عن نصر بن حجاج :

قُل للإمَام الذي تُخشَى بَوادُرُه                            مالي وللخمر أو نصر بن حَجًاج

لا تجعل الظن حقًا أن تُبيًنهُ                                إن السبيل سبيلُ الخائف الًراجي

إن الهوى زُمً بالتقوى فَحَبًسَهُ                                 حَتًى يُقِرً بإلجَام وإسراج

 

فهل بكاء عمر تأثرًا بهذه الأبيات يجعل منها هي الأخرى  وحيًا إلهيًا ؟

 

من الخطابة

وسنأخذ مثالاً من فن الخطابة ما جاء في تفسير أبي السعود : { يروي أنه كان عالم من العلماء مؤثًرُ الكلام قويًُ التصرف في القلوب ، وكان كثيرًا ما يموتُ من أهل مجلسه واحد أو اثنان من شدة تأثير وعظه ، وكان في بلده عجوزلها ابن صالح رقيق القلب سريع الانفعال وكانت تحتررز عليه وتمنعُه من حضور مجلس الواعظ فحصَره يومًا على حين غفلة منها فوقع من امر الله تعالى ما وقع ثُمً إن العجوز لقِيت الواعظَ يومًا في الطريق فقالت :

لِتهدي الأيام ولا تهتدي                               ألا إنً ذلك لا ينفعُ

فيا حَجَرَ الشًحذ حتى متى                       تُسنًُ الحديد ولا تقطع ؟

فلما سمعه الواعظ شهَق شهقةً فخر عن فرسه مغشيًا عليه فحمَلوه إلى بيته فتُوفيً إلى رحمة الله سبحانه } 5.

غرضي من إدراج هذه النماذج هو أن نظهر من الفن ومن الخطابة ومن الشعر ما يؤثر في نفوس الناس تأثيرًا بليغًا وهذا شيء معروف عند كل الأقوام والشعوب ، فكم من واعظ ألهب قلوب سامعيه وكم من شاعر أبكى الناس وكم خطيب حرك القلوب ، لكن هل هذا يعد دليلًا على أن إقوالهم وحيًا من الله ؟

 

من الطرب

جاء في لسان الميزان لابن حجر العسقلاني : {عُثمَانُ بن عيِسى بن مَنصُور بن مُحَمًد البُليطي أحد تلامذة البُليطي ، كانت وفاتُه في آخر سني الغلاء .. وكان ماهرًا في العلوم الأدبية ، وهو صاحب القصيدة الميمية التي تقرأ بالحركات والسكون .. فما سُئل عن شيء من العلوم إلا وأحسن القيام به ، وكان مع ذلك خليعًا ، ماجنًا ، مُنهَمِكًا على اللذات ، مُدمنًا على الشرب والقصف . قال : وسمع بعض المُطربين يغني صوتًا ، فاستفزه الطرب ، وبكى فبالغ ، ثُمً نظر إلى المُغني فوجده يَبكي ، فقال له : أنا بكيت من شدة الطرب ، فلمً بكيت أنت ؟ قال : كان لي ولد يبكي إذا سمع هذا الصوت ، فلما رأيتك تبكي تذكرته فَبَكَيتُ : فقال : أنت ابن أخي ، وأخرجه إلى العدول ، وأشهدهم أنه ابن أخيه وأنه لا وارث له سواه ، فاستمر يقال له ابن أخي البُليطي } 6.

 

من الكتب

أما أكثر الكتب تاثيرًا في التاريخ الحديث مثلًا فهي : تفسير الأحلام لفرويد ، وأصل الأجناس لداروين ، النسبية لإنتشاين ، رأس المال لكارل ماركس ، الأمير لمكيافيلي ، كفاحي لأدولف هتلر ، وغيرها كثير .. وقد كتب روبرت دوانز كتابًا عنوانه {كتب غيرت العالم} ويسرد فيه قائمة من هذه الكتب ليس القرآن واحدًا منها ، وقد قال الكاتب متحدثًا عن صعوبة عملية اختيار هذه الكتب : {من الصعب جدًا الإجماع على كتاب بعينه ، والاختيار أمر شخصي إلى درجة كبيرة وموضوعي جدًا ،والإتفاق التام على معظم الكتب المختارة غير محتمل} 7.

وقد قام الكاتب الإنجليزي هوراس شيب بمحاولة لاختيار أعظم الكتب تأثيرًا ليستعملها في كتابه {كتب حركت العالم} الصادر سنة 1945 فأعطانا عشرة كتب بالترتيب الآتي : الكتاب المقدس ، الجمهورية لأفلاطون ، مدينة الله للقديس أوغسطينوس ، ثم القرآن ، وبعده الكوميديا الإلهية لدانتي ، ومسرحيات شكسبير ، وتقدم الحجج لبانيان ، وعضوية محكمة جنايات أثينا لميلتون  ، ثُمً أصل الأجناس لداروين ، وأخيرًا رأس المال لماركس .

فالتأثير إذن مسألة ذوقية ونسبية فهي تختلف من شخص لآخر ، وترتبط بنفسية الشخص ومدى استعداده للتأثير ، فهناك أناس يتأثرون بالفن ، ويبكون لأغنية ، وهناك مَن يسقط مغشيًا عليه عند سماع أغنية تُثير شجونه (رأيت هذا في المغرب مرارًا وتكرارًا في بعض الأغاني الشعبية) وبالتالي لا يمكن أبدًا أن نتخذ هذا المؤشر دليلًا على الإعجاز ، فإن كان كلام البشر يُبكي الناس ويدخلهم في غيبوبة ويغير أفكارهم فإن الإعجاز ينبغي أن يتفوق على هذا كله لا أن يوازيه ، هذا إذا سلمنا بأن القرآن يؤثر على الناس ، وهل كل الآيات لها نفس التأثير وكلها تبكي الناس ، وكلها تدخل لأعماق النفس ؟ وهل الآيات القرآنية التي لا تبكي ولا تؤثر في النفس سننفي عنها الإعجاز إذن ؟ وبالتالي فهي ليست من كلام الله ؟

أسئلة كثيرة تجعل هذا الوجه من الإعجاز المفترض غير مقبول على الإطلاق ويعتبر مجرد محاولة من علماء القرآن أن يضيفوا أكبر عدد ممكن من أوجه الإعجاز لعلهم بهذه الكثرة يقنعون الناس بأن القرآن كلام الله.

1 عون العبود في شرح سُنن أبي داود ، لابن أبي أصيبة ج 13 ص 351

عون العبود في شرح سُنن أبي داود ، لابن أبي أصيبة ج 13 ص 351

ذكر القصة صاحب الأغاني ، أخبار مجنون بني عامر ونسبه

4 تاريخ دمشق ج 65 ص 15

5  تفسير أبي السعود ، ج 1 ص 94

6  لسان الميزان ، جزء 4 ، ص 173

7 كتب غيرت العالم ، روبرت دوانز ، ترجمة أمين سلامة ، ص 15

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات