نماذج من هذا التأثير – 2 – قصة الوليد بن المغيرة

 

مفاتيح الألوان :

الأخضر : آيات قرآنية .

الأحمر : آيات من الكتاب المقدس .

الأزرق : مصادر إسلامية أخرى .

البرتقالي : روابط تستطيع الضغط عليها للوصول إلى المصدر الأصلي .

 

٢- قصة الوليد بن المغيرة :
من بين الروايات المستخدمة من قِبل المدافعين عن إعجاز القرآن رواية تأثر الوليد بن المغيرة بآيات القرآن ، حتى أنه شهد له بالحلاوة والطلاوة وشهد أنه أسمى من الشعر ومِن غيره مِن كلام العرب ، وتحدثت الكتب والمجلدات عن هذا الأمر وتناقلته بصيغ مختلفة ، حتى كاد يصير من المسلمات التي لا تقبل النقاش ولا الجدال ، فحق لنا أن نخوض في بحث هذه الشهادة
ونفحصها في ظل المعطيات المتوفرة عنها :
{عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له فبًلغ ذلك أبا جهل فأتاه ، فقال : يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا ، قال : لمَ ؟ قال ليعطوا لك ، فإنك أتيت محمد التعرض لما قبله قال : قد علمت قريش إني من أكثرها مالًا ، قال : فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له أو أنك كاره له ، قال : وماذا أقول فو الله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني , ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني ، ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا ، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وأنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله ، وأنه ليعلو وما يُعلي ، وأنه ليحطم فاتحته ، قال : لا يرضي عنك قومك حتى تقول فيه ، قال : فدعني حتى أفكر ، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر بأثره عن غيره فنزلت {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًاومن خلقت } سورة المدثر 74: 11 . هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه}1.

إن هذا القول المنسوب للوليد بن المغيرة والذي تداولته أغلب الكتب الإسلامية كشهادة من أحد ألد خصوم محمد على عظمة القرآن وإعجاز لغته وبيانه ، هو من أكثر الأقوال تضاربًا وغموضًا ، وقصته غير موثوقة بالمرة لأسباب كثيرة ، فالرواية أولًا مروية عن طريق مسلمين وليس عن طريق أعداء الإسلام ، وبالتالي لا يستبعد أن تكون قد نسبه زورًا إلى الوليد بن المغيرة مادام ليس هناك مَن يدافع عن الوليد ، والغريب أن من يروي هذه الرواية عند ابن اسحاق مثلًا هو ابن عباس ، الذي لم يسمع حتمًا من الوليد بن المغيرة ، ولم يكن معاصرًا للقصة ولا حاضرًا أثناء حدوثها (على فرض حدوثها) ، فعبد الله بن العباس كان ابن ثلاث عشرة سنة حين توفى محمد على أكثر تقدير 2. ومعناه أنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين فقط ، والحادثة إذا افترضنا وقوعها فإنها ينبغي أن تكون قد وقعت قبل سورة المدثر 74 لأنها هي التي نزلت بعد مقولته المزعومة بحسب الروايات ، وسورة المدثر 74 من أوائل السور المكية وبالتالي فهي وقعت قبل الهجرة بسنوات ، مما يعني أن عبد الله بن عباس لم يكن قد ولد بعد ، ومن المؤكد أيضًا مِن واقع النصوص أن الوليد بن المغيرة مات قبل الهجرة بسنوات فهو الذي لم يستطع السجود في قصة الغرانيق نظرًا لكبر سنه فرفع ترابًا وضعه على جبينه 3 ، فليقل لنا المسلمون مَن كان حاضرًا لهذه الواقعة ومَن رواها ؟ بالإضافة إلى السؤال فإن الرواية غير صحيحة للأسباب التالية :

 

2-1-الاختلاف في اسم القائل 
يعد الوليد بن المغيرة أشهر من نسب له القول :{إن لقوله الذي يقول حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وأنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله} حيث ورد في سيرة ابن هشام عن ابن اسحاق أن :
{الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش ، أنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فاجمعوا فيه رأيًا واحدًا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا ، ويرد قولكم بعضه بعضاً ؛ قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأيًا نقول به ؛ بل أنتم فقولوا أسمع ؛ قالوا : نقول كاهن ؛ قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ؛ قالوا : فنقول مجنون ؛ قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ، ولا تخالجه ، ولا وسوسته ؛ قالوا : فنقول : شاعر ؛ قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر ؛ قالوا : فنقول : ساحر ؛ قال ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد الشمس قال : والله إن لقوله حلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة ….إلخ}4.

فإذا كانت رواية ابن اسحاق تذكر بأن الذي شهد للقرآن وتعجب مِن سِحر آياته هو الوليد بن المغيرة ، فإن روايات أخرى تذكر بأن الذي تعجب واندهش وقال تلك المقولة الشهيرة لم يكن الوليد بن المغيرة ، حيث يذكر القرطبي في تفسيره ما يلي :
{وروي أن قيس بن عاصم المنقري قال للنبي صلعم : اتل عليً مما نزل عليك ، فقرأ عليه سورة {الرحمن} فقال : أعدها ؛ فأعادها ثلاثًا ، فقال : والله إن له لطلاوة ، وإن عليه لحلاوة ، وأسفله لمغدق ، وأعلاه مثمر ، وما يقول هذا بشر ، وأنا اشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله}تفسير القرطبي لسورة الرحمن 55 آية 29.
ولنلاحظ أن الآيات المقروءة هنا هي سورة الرحمن 55 وليست آيات أخرى ، أما في الإصابة لابن حجر العسقلاني فإن القائل هو خالد بن عقبة حيث قال :
{خالد بن عقبة : قال أبو عمر هو الذي جاء إلى النبي صلعم فقال اقرأ عليً القرآن فقرأ إن الله يأمر بالعدل والإحسان فقال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وما هذا بقول البشر قال أبو عمر لا أدري هو بن أبي معيط أم لا وظني أنه غيره قلت لم يذكر إسناده ولا مَن خرجه والمشهور في مغازي بن إسحاق نحو هذا للوليد بن المغيرة مع ذلك فلا دلالة في السياق على إسلام صاحب هذه القصة} 5.

فمَن هو هذا الذي شهد لحلاوة القرآن وطلاوته ؟ هل هو الوليد بن المغيرة أم قيس بن عاصم أم خالد بن عقبة ؟ وإن كانت الروايات الثانية قد أخطأت فهل يعقل أن شهادة مثل هذه . مِن ألد خصوم الإسلام . على هذه الدرجة مِن الشُهرة حتى أن ابن عباس الطفل سمع بها لما كبر ، قد غابت عن الرواة ونسبوها لأشخاص آخرين غير الوليد ؟

 

2-2-الاختلاف في الآيات التي قرئت 
لم يختلف العلماء والمحدثون في اسم هذا الذي شهد للفصاحة القرآنية فحسب ، بل اختلفوا أيضًا في الآيات التي أدت إلى تعجب الشخص والتي سلبه لبه حتى يشهد لحلاوتها وطلاوتها :
فالبعض يذكر بأنها الآية 90 من سورة النحل 16:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }سورة النحل 16الآية 90 .
{قال عكرمة : قرأ النبي صلعم على الوليد بن المغيرة {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} إلى آخرها ، فقال : يا بن أخي أعد فأعاد عليه فقال : والله إن له الحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أصله لُمورق ، وأعلاه لمثمر ، وما هو بقول بشر} تفسير القرطبي لسورة النحل 16الآية 90 .
والبعض يقول بأنها سورة الرحمن 55 بكاملها كما جاء في تفسير القرطبي لسورة الرحمن 55 خصوصًا الآية 29 ، بل هناك مَن قال إنها الآيات الثلاث الأولى من سورة غافر 40وهذا ما ذكره القرطبي :
{وذلك أنه لما نزل : {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }غافر 40 :1 ، 2  إلى قوله : {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } وسمعه الوليد يقرؤها فقال : والله لقد سمعت منه كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ،وإن أسفله لُمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر} تفسير القرطبي لسورة النحل 16الآية 90 .

وهناك مَن قال بأنها الثلاث عشر الأولى مِن سورة فصلت41 :
{أن الوليد مر برسول الله صلعم وهو يقرأ حم السجدة 32ما وصل إلى قوله : {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَا  }  سورة فصلت 13:41 . أنشده الوليد بالله وبالرحم أن يسكت ، هذا يدل على أنه كان يعلم أنه مقبول الدعاء صادق اللهجة ، ولما رجع الوليد قال لهم : والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو كلام الإنس ولا من كلام الجن ، إن له لطلاوة ، وإنه ليعلو وما يعلى عليه} تفسير الرازي لسورة المدثر 74 آية 22 .
فهل يحق لنا أن نتساءل أي الآيات إذن أثارت استغراب الوليد أو غيره من الكفار حتى يشهدوا لفصاحة القرآن وبيانه ؟ وهل غابت الآيات أيضًا عن علماء الإسلام ؟ وهي آيات كان ينبغي أن تبقى محفورة في أذهان المسلمين وفي تاريخهم لأنها أبهرت سيد قريش الوليد بن المغيرة

 

2-3-الاختلاف في قارئ الآيات 
ليس هذا فحسب بل إنهم اختلفوا حتى في الشخص الذي قرأ الآيات على {الوليد} أو {غير الوليد} هل هو محمد نفسه ؟ أم هو أبو بكر ؟ ففي رواية ابن إسحاق نجده محمد نفسه وفي هذا الخبر نجده أبا بكر :
{وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن ، فلما أخبره خرج على قريش فقال يا عجبًا لما يقول ابن كبشة فو الله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون ،وإن قوله لمن كلام الله} تفسير ابن كثير لسورة المدثر 74 آية 11 .

 

2-4-الاختلاف في المقولة
أما الاختلاف الآخر فهو في المقولة نفسها ، حيث قد رويت مقولة التعجب {إن لقوله لحلاوة} بأشكال مختلفة وبمصطلحات متعددة اقتصرت على بعض منها حتى أوضح أن هذا العنصر من الرواية هو الآخر مختلف عليه :
ففي رواية نجده يقول {ووالله إن لقوله لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وأنه لمنير أعلاه مشرق أسفله ، وأنه ليعلو وما يُعلى عليه ، وأنه ليحطم ما تحته}6وفي رواية أخرى يقول :
{والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة} سيرة ابن هشام الجزء الثاني ص 12 ، الوليد بن المغيرة وكيده للرسول . وهناك رواية ثالثة أيضًا تقول : وولله إن لقوله الذي يقول حلاوة ، وإن عليه الطلاوة ، وأنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله ، وأنه ليعلو وما يُعلى ، وأنه ليحطم فاتحته} 7.

فبعد هذا التضارب كله ، لا نعرف مَن الذي قال ، ولا ماذا قال ، ولا تعليقًا على ماذا قال القائل ، ولا ممَن سمع حتى يقول ما قال !! فهل يا ترى نستطيع أن نصدق رواية أن الوليد بن المغيرة شهد للقرآن ؟
ثم فرضًا أن الوليد بن المغيرة شهد للقرآن فعلًا ، فلماذا لم يؤمن ؟ مع العلم أنه رجل تقي كان يحاول إرضاء ربه ، فقد كان حين أعادت قريش بناء الكعبة يقول لهم :{لا تدخلوا في بنيانها مَن كسبكم إلا طيبا ، لا يدخل فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس ، قال ابن اسحاق : والناس ينحلون هذا الكلام للوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم} تفسير ابن كثير البقرة 2: 125 .

وقبل أن يبدؤوا في هدم الكعبة يخبرنا ابن كثير أن :{الناس هابوا هدمها وفرقوا منه ، فقال الوليد بن المغيرة ، أنا أبدؤكم في هدمها ، فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول : اللهم لم ترع ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير ، ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة ، وقالوا : ننظر ، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا ، ورددناها كما كانت ، وإن لم يصبه شيء فقد رضى الله ما صنعنا ، فاصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله ، فهدم وهدم الناس معه} تفسير ابن كثير لسورة البقرة 2: 125 .

ويقال عنه أول مَن شَرًع حد السرقة في الجاهلية :{وقد قطع السارق في الجاهلية، وأول مَن حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة ، فأمر الله بقطعه في الإسلام ، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلعم في الإسلام مِن الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف} تفسير القرطبي لسورة المائدة 5 آية 38 .

فبالتالي اعتراف كهذا بإعجاز القرآن من الوليد بن المغيرة لا يمكن لأي شيء أن يثني الوليد عنه وهو رئيس قومه وأغناهم مالًا ومشرع قوانينهم وله من البنين مَن يحميه ويدافع عنه فما الذي يمنعه من القبول به كلامًا إلهيًا ؟
هناك أدله على أن المغيرة لم يعترف في يوم من الأيام بأهمية القرآن ولا بتفوقه بل كان يحتقره ويستهزئ به وهذا ما ذكره لنا القرآن نفسه وأكده لنا المفسرون ، من أمثلة ذلك ، ما ورد مثلًا في سورة القلم 68 {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ، هَمًاز مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ،  مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ، أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ،إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ، سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} سورة القلم 68: 10- 16 .

يخبرنا المفسرون أن هذه الآيات قيلت على الأرجح في الوليد بن المغيرة وأنه كان يقول عن القرآن أساطير الأولين ، بل إن روايات أخرى عن ابن عباس تؤكد لنا أيضًا أن الوليد كان يستهزئ بالقرآن أشد استهزاء {روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول صلعم وبالقرآن . الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن مطلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحرث بن حنظلة ، فقتل الله كل رجل منهم بطريق آخر ، كما قال : {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين} سورة الحجر15 : 95فذكر الله تعالي أنهم كلما تلى عليه آيات : { قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ}} تفسير الرازي سورة يونس 10 : 15 .

فكيف يعترف الوليد بحلاوة القرآن وطلاوته ثم في نفس الوقت يستهزئ به ويقول عنه أساطير الأولين ، ويقول لمحمد ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ؟ بل إنه كان يحتقر محمدًا وكان متيقنًا دون شك أو ريب أنه ليس نبيًا من الله ، فقد قال مقارنًا نفسه بمحمد “{والله لو كانت النبوة حقًا لكنت أنا أحق بها من محمد ، فإني أكثر منه مالا وولدًا} تفسير الرازي لسورة الأنعام 6 : 124 ، ويؤكد لنا ابن عباس هذه الحكاية قائلًا {قوله : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم قال : يعني بالعظيم : الوليد بن المغيرة القرشي ، أو حبيب بن عمرو بن عُمير الثقفي ، وبالقريتين : مكة والطائف.}تفسير الطبري ، سورة الزخرف 43: 31 .

ومعروف أن الوليد بن المغيرة كان مِن أشد المعارضين لمحمد حتى أنه نسب إليه القول لقريش :اتبعوني واكفروا بمحمد وعليً أوزاركم تفسير القرطبي الإسراء 17 : 15 .

وهذا ما يفسر تخصيص القرآن للوليد آيات كثيرة كلها تهديد ووعيد له أذكر مِن بينها الآيات التي وردت في سورة المدثر 74 : { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12وَبَنِينَ شُهُودًا (13وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (14ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20ثُمَّ نَظَرَ (21ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)} سورة المدثر 74 الآيات 11 -30.

فهل يعقل أن شخصًا يكن كل هذا العداء لمحمد ، ومن أكبر المستهزئين به ، أن يعترف في يوم من الأيام بعظمة القرآن وبيانه وفصاحته وفي نفس الوقت يقول عنه أساطير الأولين ؟ ألم يجد علماء الإسلام إلا كلامًا ينسبونه زورا للوليد بن المغيرة كي يستدلوا على عظمة القرآن ؟ كنا ننتظر من كتاب تحدي الشعراء والأدباء والفصحاء والبلغاء من العرب أن نجد من الشهادات ما يجعلنا نعجز عن إحصائها ، وما يغنينا عن التنقيب والنبش بين الكتب في روايات متخبطة وأقوال متضاربة وعبارات متداخلة ، يخرج المرء منها لا يلوي على شيء اللهم تأكيدًا تامًا بأنها ملفقة تلفيقًا لمَن شهد لهم القرآن نفسه بالسخرية منه .
كلمة أخيرة عن هذا الموضوع ، فرضًا أن الوليد بن المغيرة كان هو مَن شهد للقرآن وأنه فعلًا قال :{إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة إلخ} هل شهادة شخص واحد تعني أنه فعلًا معجز ؟ هل لو شهد شخص واحد لكتاب ما في التاريخ وأعجبه وأدهشه محتواه هل هذا يكفي للقول أنه أعجز فطاحلة اللغة ؟ هل كان الوليد شاعرًا مقتدرًا أم أديبًا مشهورًا أم خطيبًا فصيحًا ؟ لم يترك لنا الوليد معلقة حتى نقول عنه ذلك ، ولم ينقل لنا التاريخ أنه كان كذلك ، اللهم تلك الروايات اليتيمة التي قالها ابن عباس ناسبًا إياها للوليد حيث يقول لقبيلته {فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا بزجره ولا بقصيده ولا بأشعار الجن} 8. وقد أثبتنا مِن قبل أن ابن عباس لم يسمع من الوليد ولم يكن حاضرًا ، وإن كان قد سمع من شخص آخر فإنه لم يذكر لنا هذا الشخص إنما افترى علي الوليد مباشرةً ! وبالتالي فإن شهادة الوليد بن المغيرة للقرآن التي تغنى بها العلماء وكرروها على مسامعنا تبخرت تحت الفحص ،وثبت بالدليل القطعي أنها غير مبنية على أسس سليمة أو منطقية .
لكن حتى لو كان القرآن يؤثر في المؤمنين به فإن هناك نصوصًا كثيرة في تاريخ الإنسانية أثرت في الناس وأبكتهم ونسوق بعض الأمثلة للتأكيد على ما نقول :

رواة الحاكم في المستدرك ج 9 ص 486

2 انظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، باب مَن اسمه منهم عبد الله جزء 3 ص 66

3 جاء في تفسير الطبري لسورة الحج22 آية 52 {فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة ، فأنه كان شيخًا كبيرًا فلم يستطع ، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليه}

سيرة ابن هشام الجزء الثاني ص 12 ، الوليد ابن المغيرة وكيده للرسول

5 الإصابة في تمييز الصحابة ، القسم الأول مَن ذُكر له صحبة ، وبيان ذلك ، الخاء بعدها الألف، خالد بن عقبة

6 أسباب النزول للنيسابوري المدثر 11(جزء 1 ص 773)

7 رواه الحاكم في المستدرك ج 9 ص 486

8 رواه الحاكم في المستدرك ، أيضًا في الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 116 وأيضًا في لباب النقول في أسباب النزول (سورة المدثر 74)

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات