نماذج من هذا التأثير- 1 – قصة إسلام عمر بن الخطاب

إن نماذج تأثير آيات القرآن على أشخاص معينين في العصر الأول للإسلام قليلة جدًا تكاد لا تتجاوز بضع حالات ، وفوق كل هذا تضاربت الروايات بخصوصها حتى صار من الصعب تصديقها ، وهنا يثار سؤال عريض ، لماذا لا نجد تأثير القرآن في الناس في بداية الإسلام حاضرًا بقوة في كتب السيرة؟ لماذا تنحصر نماذج هذا التأثير (رغم تناقض الروايات) في بضع حالات ؟ ونرى أخبار الغزوات والسرايا هي التي تملأ كتب السيرة ، ألا يجدر بالمعجزة أن تكون أخبارها أوفر وأكثر ؟ ألم تكن الغزوات أكثر تأثيرًا من القرآن ؟ هل فتح مكة كان عن طريق تأثير القرآن أم عن طريق القوة ؟ هل غزوة بدر كانت بسبب إظهار تأثير القرآن أم للتعرض لعير قريش ؟ إن في كل أحداث تطور الدعوة الإسلامية من بدايتها إلى اليوم لا نجد أن تأثير القرآن هو العامل الأول لإسلام الناس ، بل نجد عوامل أخرى كان السيف أكثرها ظهورًا خصوصًا في المرحلة المدنية ، وهي المرحلة الأهم في تاريخ الإسلام ، لو كان تأثير القرآن وجهًا من وجوه إعجازه لكنا رأينا الآلاف أسلموا بسببه وذكرت أسماؤهم في كتب السيرة كما ذكرت أسماء القتلى والأسرى اسمًا اسمًا ، وبالتالي يحق لنا أن نتساءل كيف يكون القرآن هو المعجزة الكبرى ، ويكون تأثيره من أعظم وجوه إعجازه ، ومع ذلك يغيب عن أخبار الدعوة الإسلامية غيابًا مريبًا ؟ من الأدلة التي يسوقها أصحاب الإعجاز قصة إسلام عمر بن الخطاب، فلتكن هي محور تحليلنا في النقطة التالية:

1-قصة إسلام عمر بن الخطاب :
إن روايات إسلام عمر بن الخطاب متضاربة فيما بينها ، ولا تحدد السبب الرئيسي لإسلامه ، ويبدو أنه كان موحدًا قبل ذلك ، لأن زيد بن عمرو بن نفيل كان عمه وكان موحدًا هو الآخر وأحد الحنفاء الذين يعتكفون في غار حراء قبل محمد ، ويعتبر محمد مقلدًا لهم وتابعًا لحركتهم ، المهم في الأمر أن عمر بن الخطاب تداخلت في عوامل إسلامية أمور كثيرة ترجع إلى ماضيه ، وأسرته ، وأصدقائه منهم حمزة الذي أسلم قبله بأيام معدودة .. هذه العوامل كلها وغيرها تضافرت لتقود عمر بن الخطاب إلى الإسلام، أما روايات تأثره بالقرآن فهي لا تحدد لنا النص الذي سمعه، ولا ممَن سمعه ، ولا ما الذي أثر فيه هل هي جاذبية النص بحد ذاته أم مغزاه ومعانيه…هذه مجموعة تساؤلات لا تجيب عنها الروايات ، بل تسرد لنا أخبارًا أقل ما يقال عنها أنها متعارضة فيما بينها حد التناقض ، وسأعطي بعض الأمثلة من هذه المتناقضات مركزا بالأخص على النصوص التي قالوا بأنها كانت سبب إسلام عمر بن الخطاب ، فهل هي سورة الحديد 57 ، أم سورة الحاقة 69 ، أم سورة طه 20، أم قرآنًا مجهولاً ؟ أو ربما أسباب أخرى هي التي دفعت بعمر بن الخطاب إلى اعتناق الإسلام ، فلنتابع اختلاف هذه الروايات .

 

1-1-سورة الحديد 57 
{في مُسند البزار وغيره عن عمر أنه دخل على أخته قبل أن يسلم فإذا صحيفة فيها أول سورة الحديد 57 فقرأها وكان سبب إسلامه 1. (النوع الأول) وهناك رواية أخرى يقول فيها عمر أنه عندما أخذ الصحيفة :…… فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم فلما قَرأتُ الرحمن الرحيم تذكرت من أين اشتُق ، ثم رجعت إلى نفسي ، فقرأت في الصحيفة سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ، فكلما مررت باسم من أسماء الله ذكرت الله ، فألقيت الصحيفة من يدي ، قال : ثم أرجع إلي نفسي ، فأقرأ فيها سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم حتى بلغ أمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، قال : قلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله ، فخرج القوم مبادرين فكبروا استبشارًا بذلك} 2.

 

1-2-سورة الحاقة 69 
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان ثنا شريح بن عبيدة قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرجت :{أتعرض رسول الله صلعم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى مسجد ، فقمت خلفه ، فاستفتح سورة الحاقة 69 فجعلت أعجب من تأليف القرآن ، قال : فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش : قال فقرأ : {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ} سورة الحاقة 69 : 40 و41 قال : قلت كاهن ، قال :{ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمً لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ  فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}  سورة الحاقة 69 : 42 إلي 47 قال : فوقع الإسلام في قلبي كل موقع} 3.

 

1-3-سورة طه 20
{فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ منها صدرا قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج إليه فقال له ولله يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلعم فإني سمعته أمس وهو يقول اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر فقال عند ذلك فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم}4.

رواية أخرى :
{أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد أنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري الرزاز ثنا محمد بن عبد الله يعني ابن المنادي ثنا إسحاق بن يوسف يعني الأزرق ثنا القاسم بن عثمان البصري عن أنس بن مالك قال : خرج عمر متقلدًا بسيفه ، فذكر الحديث وفيه قيل له : إن خَتَنَك وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه ، فمشى عمر حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب ، وكانوا يقرءون طه فقال عمر : أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأ قال : وكان عمر يقرأ الكتاب ، فقالت أخته : إنك رجس وأنه لا يمسه إلا المطهرون ، فقم فاغتسل أو توضأ قال : فقام عمر فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه . ولهذا الحديث شواهد كثيرة ، وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة} 5) .

 

1-4-قرآن غير معروف 
خرجت ليلة أريد جلسائي في مجلسهم ذلك، قال: فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحدًا. قال: فقلت: لو أني جئت فلانًا الخمًار ، وكان بمكة يبيع الخمر، لعلي أجد عنده خمرًا فأشرب منها.
قال: فخرجت فجئته فلم أجده. قال : فقلت : فلو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعًا أو سبعين . قال : فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة ، فإذا رسول الله صلعم قائم يصلي ، وكان إذا صلي استقبل الشام ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، وكان مصلاه بين الركنين : الركن الأسود ، والركن اليماني . قال : فقلت حين رأيته ، والله أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول ! قال : فقلت : لئن دنوت منه أستمع منه لأروعنه ، فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها ، فجعلت أمشي رويدًا ، ورسول الله صلعم قائم يصلي يقرأ القرآن ، حتى قمت في قبلته مستقبله ، ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة . قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبي، فبكيت ودخلني الإسلام}6.

 

1-5-خشى أن يدعو عليه محمد 
حدثنا أبو بكر قال حدثنا يحيي بن يعلي الأسلمي عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير عن جابر قال : كان أول إسلام عمر قال : قال ضرب أختي المخاض ليلًا فأخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة في ليله قارة ، قال : فجاء النبي عليه الصلاة والسلام فدخل الحجر وعليه نعلاه ، فصلى ما شاء الله ثم انصرف ، قال : فسمعت شيئًا لم أسمع مثله ، فخرجت فاتبعته فقال : {مَن هذا ؟} فقلت : عمر : قال : {يا عمر ما تتركني نهارًا ولا ليلًا} قال : فخشيت أن يدعو عليً ، قال : فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، قال : فقال :{يا عمر استره} قال : فقلت : فوالدي بعثك بالحق لأعلنه كما أعلنت الشرك 7.
أدرجت هذه الروايات هنا على سبيل المثال لا الحصر ، لأن هناك صيغًا أخرى وردت بها قصة إسلام عمر ، ولا مجال لسردها ههنا ، وبالتالي يبقى السؤال المطروح : أي نص يا ترى كان هو السبب في إسلام عمر بن الخطاب ؟ هذا النص الذي كان ينبغي أن تحفظه الأجيال ويتذكره عمر بن الخطاب نفسه ، ويحتفل به الصحابة والتابعون ، ويكون ذكرى خالدة في ذاكرة الأمة الإسلامية جمعاء لأنه كان السبب {أو معجزة} أتت بأحد أهم عمالقة الدعوة الإسلامية في عصرها الأول ، فلماذا يا ترى ضاعت الرواية الصحيحة بين هذا الكم من المتناقضات ؟
ألا يدعو الأمر للعجب ؟
هل كل هذه الروايات صحيحة ؟
أم أنها على العكس تثبت لنا أن إسلام عمر بن الخطاب بسبب تأثير نص قرآني هي روايات مختلفة ؟

يحق لنا أن نطالب إذن بالنص الذي أثر على عمر بن الخطاب حتى نفحصه ، ونرى أي جاذبية فيه يا ترى سحرت عقل عمر بن الخطاب ودلت على أن القرآن فعلًا معجزة إلهية لا تضاهيها أعمال البشر ، وهو أمر عجزت الكتب الإسلامية عن توفيره ، فتضارب أقوال الشهود يفسد القضية ، ويزداد الأمر تعقيدًا حين نعلم أننا لحد الآن لم نستطع أن نثبت أن هناك شخصًا واحدًا على الأقل اعتنق الإسلام بسبب تأثير النص القرآني (المعجزة) عليه ، وإلا ما الهدف من هذه المعجزة التي لم تكن سببًا في إقناع أي شخص بالإسلام ؟ نأتي إلى قصة أخرى :

1 الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 13(النوع الأول)
2 مسند البزار ج 1 ص 400 وأيضًا أسد الغابة ج 3 ص 320 ، السيرة الحلبية ج 2 ص 3 

3 مُسند أحمد . ج 1 ص 31 (دار إحياء التراث العربي) .

4 البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 80 ، سيرة ابن هشام . إسلام عمر بن الخطاب . ج 2 ص 122 و123 

5 السنن الكبرى للبيهقي (باب نهي المحدث عن مس المصحف) ، وجاء أيضًا في سنن الدارقطني (باب في نهي الحديث عن مسس القرآن

سيرة ابن هشام، إسلام عمر بن الخطاب ج 2 ص 125، أيضًا: السيرة الحلبية، البداية والنهاية، وكتاب فضائل الصحابة للنسائي

مصنف ابن أبي شيبة ، كتاب المغازي ، إسلام عمر بن خطاب ، وجاء أيضًا في كنز العمال ، وكذلك في جامع المسانيد والمراسيل 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات