الإعجاز في التأثير

اخترع المسلمون وجهًا آخر من وجوه إعجاز القرآن وسموه بالإعجاز في التأثير، لكن ماذا يقصدون بالإعجاز في التأثير ؟

هل التأثير في القلوب ؟ أم التأثير الناتج عن جمالية اللغة ؟

أم التأثير بسبب التجويد والقافية ؟

أم التأثير في تغيير المجتمعات؟

 أم كل هذه الأمور مجتمعة ؟

لنخلص إلى تعريف شامل لهذا الوجه من الإعجاز ينبغي أن نعرض بعض أقوال علماء الإسلام بهذا الخصوص.
قال السيوطي :

{هو كون قارئه لا يكل وسامعه لا يمل وإن تكررت عليه تلاوته}1.
وقال أيضًا :{ومنها : أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة وترديده يوجب له محبة وغيره من الكلام} 2.
ثم يمضي السيوطي ساردًا مجموعة من آراء علماء الإسلام محاولًا تعريف هذا النوع من الإعجاز قائلًا بأنه هو {الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته وقد أسلم جماعة عند سماع آيات منه  كما وقع لجبير بن مطعم أنه سمع النبي صلعم يقرأ في المغرب بالطور قال : فلما بلغ هذه الآية أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون إلى قوله المسيطرون كاد قلبي أن يطير} 3.{وقد مات جماعة عند سماع آيات منه أفردوا بالتصنيف} 4 .

الإعجاز في التأثير يقصد به إذن كل هذا : تأثيره في الناس لدرجة أن بعضهم مات عند سماع آيات منه ، ولا يكل السامع منه ولا يمل، ويشعر بحلاوته ويتذوق عذوبته وتعتريه الهيبة، ويبكي عند سماعه خشوعًا وتأثرًا.. إلخ .وللإنصاف سنقول بأن أي نص له هذه الميزات هو نص جميل فعلًا ، ويمكن النظر إليه على أنه نص مؤثر بطريقة أو بأخرى ، لكن هل هذا التأثير يمكن أن يجعله يرقى إلى مستوى المعجزة ؟ وهل هو دليل قاطع على ألوهية مصدره ؟ هل بالمقابل يمكننا تعميم هذا المبدأ لنقول بأن أي نص يؤثر في الناس ويبكيهم ، ولا يملون سماعه وتكراره ، وكان له تأثير في التاريخ مثلًا هو نص معجز ؟ وهل هذا الإعجاز يجعل منه وحيًا إلهيًا ؟ هذا هو السؤال المحوري الذي ينبغي أن نجيب عنه إذا قبلنا هذا المبدأ ، وهذا مبدأ خطير من المؤكد أنه سيجعلنا ننسب لله نصوصًا كثيرة لها من التأثير النفسي والاجتماعي على الناس الشيء الكثير. وهل بالمقابل إذا وجدنا أناسًا يثير القرآن فيهم الغضب وتضيق به صدورهم ولا يطيقون سماعه ويملون تكراره ولا يزدادون إلا نفورًا من الإسلام كلما سمعوا آيات منه ، فهل يمكننا إذن أن نتخذ هذا دليلًا يبطل عنه إعجاز التأثير المنسوب له ؟ فإذا قبلنا المبدأ الأول لا مفر من قبول هذا المبدأ أيضًا لأنهما متلازمان ، فهناك الكثير من الناس الذين لا يحبون القرآن ، ولا يتذوقونه ، ولا يعني لهم أي شيء بل هناك الكثير من الناس ممن يكرهون القرآن ويبغضونه ، فلماذا نتغاضى عن هذا الشق ونأخذ فقط الشق الأول ، فالتأثير مقتصر على مَن آمن به وكانت له قدسية في نفسه وكانت عنده قابلية التأثر ، أما الذي لا يعتقد بألوهية مصدر القرآن ولا يكن له أي قدسية في داخله فهو سيعتبره مجرد نص قديم ملئ بالأسطورة والخرافة لا يؤثر في نفسه لا من قريب ولا من بعيد ، إذن فالإيمان بالقرآن وبإعجازه هو الذي يؤدي إلى التأثير لا العكس ؟فلنفحص إذن بعض النماذج التي يتخذها دعاة الإعجاز حجة لهذا النوع من الإعجاز :

الإتقان في علوم القرآن ، النوع الرابع والستون ، جزء 2 ص 121 

2 الإتقان في علوم القرآن النوع الراع والستون جزء 2 ص 122

 الإتقان في علوم القرآن النوع الراع والستون جزء 2 ص 122

نفس المصدر السابق

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات