لماذا نزل القرآن منجماً؟

اللون الأخضر يشير إلي آيات قرآنية

إذا كان القرآن كتابًا معجزًا ، وكان محمد مجرد متلقي ، كان سيكون الأمر أكثر من معجزة لو أتى القرآن دفعة واحدة ، وقد أدركت قريش حيلة محمد وأنه إنما ينتظر الأسئلة والمناسبات ويعطيهم آية هنا وآية هناك متفرقات ثم يقول لهم هذا قرآن من عند الله ، فقالوا له لو كان عندك وصايا كاملة أتتك من الله ، وكان فعلًا ما تأتي به وحي إلهي فلماذا لا تأتينا به جملة واحدة فندرك أنك فعلًا رسول الله ، لأن ذلك سيكون حقًا معجزة المعجزات . وهذا الاعتراض هو ما صرح به القرآن في قوله :{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا} سورة الفرقان 25 آية 32 .

ونرى أن القرآن لا يعطينا إلا جوابًا واحدًا على هذا السؤال وهو أن الغرض من نزول القرآن متفرقًا هو تثبيت قلب محمد ! وهذا جواب غير مقنع من الناحية المنطقية ، لأن محمدا من المفروض أنه متأكد مَن الذي جاءه لأنه هو {الرسول} وقومه هم الذين يشكون في مصدر هذا القرآن وفي نبوته ، وطلبهم تنزيل القرآن دفعة واحدة كمعجزة هو الدليل لتصديقه وليثبت فؤادهم هم ، لكنه أجاب بأنه لن يفعل ذلك بل على العكس سيبقي على تنزيله آية آية ليثبت فؤاده هو !! ويحاول الرازي تبرير هذا الجواب بأجوبة أخرى لم ترد في الآية اطلاقًا منها أنه لو نزل القرآن دفعة واحدة لكان من الصعب على محمد أن يحفظه أو يضبطه انظر تفسير الرازي للآية 32 من سورة الفرقان 25 ، جزء 24 ص 459 .

وهو أمر مردود، لأن الله الذي من المفترض أنه أعطاه القوة على الإتيان بالوحي وهو أمي ليس بعاجز على إعطائه القوة على حفظه، ألم يقل القرآن نفسه {سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى} سورة الأعلى 87 آية 6. ثم ساق الرازي تعليلات أخرى من السهل الرد عليها أهمها أن القرآن إنما نزل منجمًا ليسهل على الناس تحمل الشرائع ، لأنها لو نزلت دفعة واحدة لثقل عليهم ذلك . وهو أمر منطقي لو لم يكن هناك تحديات أخرى سبقت ذلك من بينها أن أهل الكتاب (اليهود خصوصًا) ، طلبوا أن ينزل عليهم ألواحًا فقط لا كتابًا كبيرًا ، مجرد ألواح مثل الألواح التي كتبها الله لموسى ، والتي كانت تحمل الوصايا العشر حيث يقول القرآن {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء} سورة النساء 4 : 153 . يفسر الطبري هذه الآية قائلًا :{جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلعم ، فقالوا : إن موسى جاء بالألواح من عند الله ، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك فأنزل الله : {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء } تفسير الطبري لسورة النساء 4 الآية 153 الجزء 6 ص 6, والرد على هذا الطلب كان في الآية نفسها أن اليهود طلبوا أعظم من ذلك من موسى ! فهل هذا بالجواب المقنع ؟

إن محمدا لم يأت بكتاب ولم يأت بألواح ولم يقدم أي دليل خارجي ، ولم يبرهن للناس أن كتابه منزل من عند الله ، بل بالعكس كان يتوعد أهل قريش بأنهم سوف { يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا} سورة الفرقان 25 آية 34. بعدما طلبوا منة دليلًَا على معجزة القرآن هذه ، وراح يسرد لليهود جزءًا من ماضي آبائهم متناسيًا الدليل الذي طلبوه ، أنه فعلًا أمر يدعو للحيرة ، أن يدعي محمد أن القرآن كلام الله وكتاب معجز ، ثم عندما يطلب منه الدليل يكون الجواب هو القرآن نفسه !! إنها حلقة مفرغة !

إن {نزول} القرآن منجمًا لهو خير دليل على أن محمدا إنما كان يتفاعل مع بيئته ، يذكر أحداثه اليومية وخصومات أزواجه ، وأقوال أعدائه ، وكلام أصحابه ، ويصف وقائع حروبه ، ويقسم فيه غنائمه ، ويلوم هذا ويرد على ذاك ، يتغير أسلوبه الأدبي من مكة إلى المدينة ، وتتغير نبرة خطابه من السلم إلى العنف بازدياد قوته ، وينقطع مدحه لأهل الكتاب الموجود في مكة ليتحول إلى عداوة في المدينة ، وتتغير القبلة بسبب ذلك أيضًا ، ويتغير الصيام لنفس السبب ، ويفرض الحج في أواخر حياته بعدما تم الاستيلاء على مكة ، كل هذا ومع ذلك يقال بأن القرآن معجز ؟ إن شخصية محمد ظاهرة واضحة وضوح الشمس في القرآن من أوله لآخره ، تثبت دون شك أنه ليس كتابًا نازلًا من السماء منفصلًا عن محمد غير مختلط بمشاعره وظروفه ، لو كان القرآن أملى عليه إملاء ما كنا نرى بصمات حياة محمد في كل آية من آياته .

 

التشابه مع الشعر الجاهلي :
لماذا نجد تشابهًا كبيرًا مع الشعر الجاهلي ؟
لو كان القرآن كتابًا إلهيًا يختلف كليًا عن كلام البشر ، وكان محمد رجلًا أميًا لم ينقل عن غيره ، ولم يطلع على أي كتاب أو علم سبقه ، فإن مسألة التشابه بين القرآن والشعر الجاهلي ينبغي أن تكون منعدمة لتؤكد لنا هذا الكلام ، غير أننا نجد تشابهًا بين العديد من الآيات القرآنية وبين نصوص أخرى سبقته : وقد تكلم امرؤ القيس بالقرآن قبل أن ينزل . فقال :

يتمنى المرء في الصيف الشتاء             حتى إذا جاء الشتاء أنكره

فهو لا يرضى بحال واحد            قتل الإنسان ما أكفره

 

وقال :

اقتربت الساعة وانشق القمر            من غزال صاد قلبي ونفر

 

وقال :

إذا زلزلت الأرض زلزالها            وأخرجت الأرض أثقالها1.

 

{قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} جاءت في سورة عبس 80 الآية 17 ,{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} جاءت في سورة القمر 54 الآية 1 ،{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا  ، وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا}ا جاءت في سورة الزلزلة الآية 1 و2.
وبالرغم من محاوله علماء الإسلام الطعن في هذه القصة نظرًا لعدم وجودها في روايات صحيحة السند كما يقولون ، يصعب على الباحث أن يتقبل فكرة وضعها ودسها في التراث الإسلامي من طرف المسلمين أنفسهم ، بل على الأرجح أنه تم تنقية كل كتب السيرة والروايات من الكثير من الأمور التي يمكنها أن تطعن في صحة القرآن وفي صدق نبوة محمد ، والسيرة النبوية لابن إسحاق التي حذف منها ابن هشام كل ما يسيء إلى نبوة محمد من شعر وهجاء خير دليل على هذا الأمر ، فالأقرب إلى المنطق أن الروايات الأخرى تم التخلص منها ولهذا السبب لم يصلنا إلا القليل .
وقد ورد بالسيرة النبوية لابن هشام هذه الأبيات ، بعضهم ينسبها لزيد بن عمرو بن نفيل والبعض لأمية بن أبي الصلت ، وفي الحالتين يبقى هذا الشعر متقدمًا على الإسلام ، والمتأخر يأخذ عن الذي قبله لا العكس ، تقول الأبيات :

ولكن أعبد الرحمن ربي            ليغفر ذنبي الرب الغفور

 فتقوى الله ربكم أحفظوها            متى ما تحفظوها ولا تبوروا

ترى الأبرار دارهم جنان               وللكفار حامية سعير

وخزي في الحياة وإن يموتوا          يلاقوا ما تضيق به الصدور2.

كلمة { رَبٌّ غَفُورٌ }وردت في (سبأ34 : 15) ويبدو أن كلمات مثل الرحمن ، والأبرار ، والجنان ، والسعير كلمات قرآنية محضة ، مما يدل على أنها أخذت أخذًا من هذه الأشعار ، وهي أشعار لأناس موحدين كان محمد متعلقًا بهم ، سواء أكانت لزيد بن عمرو بن نفيل قدوة محمد في التحنث بغار حراء ، أو أمية بن أبي الصلت الذي كان يأمل أن يكون نبيًا هو الآخر .
ومن شعر أمية بن أبي الصلت هناك الكثير من الأبيات التي يظهر واضحًا جليًا مدي تشابهها مع آيات القرآن ، وهو أمر يدعو للاستغراب خصوصًا إذا عرفنا أن محمد كان معجبًا بشعر أمية كما سنرى فيما بعد ، وهذه بعض النماذج :

 

عند ذي العرش :

عند ذي العرش يعرضون عليه            يعلم الجهر والكلام الخفيا

يوم نأتيه وهو رب رحيم            أنه كان وعده مأتيا

يوم نأتيه مثلما قال فردًا            لم يذر فيه راشدًا وغويا

أسعيد سعادةً أنا أرجو            مُ مهان بما كسبت شقيا

رب إن تعف فالمعافاة ظني            أو تعاقب فلم تعاقب بريا

إن أُواخذ بما اجترمت فإني            سوف ألقى من العذاب فريا

رب كلا حتمته وراد النار            كتابًا حتمته مقضيا

رب لا تحرمنني جنة الخل            د وكن ربي رؤوفًا حفيا

 

حكمة الخلق :

لم يخلق السماء والنجوم            والشمس معها قمر يقوم

قدره المهيمن القيوم         والحش والجنة والنعيم 

    إلا لأمر          شأنه عظيم 

 

إله العالمين:

إله العالمين وكل الأرض            ورب الراسيات من الجبال

بناها وابتنى سبعًا شدادًا            بلا عمد يُرين ولا رجال

وسواها وزينها بنور            من الشمس المضيئة والهلال

ومن شُهب تلألأ في دجاها            مراميها أشد من النضال

وشق الأرض فانبجست عيونًا            وأنهارًا من العذب الزلال

وبارك في نواحيها وزكى            بها ما كان من حرث ومال

فكل معمر لابد يومًا            وذي دنيا يصير إلى زوال

ويفني بعد جدته ويبلي            سوى الباقي المقدس ذي الجلال

وسيق المجرمون وهم عراة            إلى ذات المقامع والنكال

فنادوا ويلنا ويلًا طويلًا            وعجو في سلاسلها الطوال

فليسوا ميتين فيستريحوا            وكلهم بحر النار صال

وحل متقون بدار صدق            وعيش ناعم تحت الظلال

لهم ما يشتهون وما تمنوا            من الأفراح فيها والكمال

هذه نماذج بسيطة من أوجه التشابه بين القرآن والشعر الجاهلي الديني ، وهو تشابه لا يخلو من التقليد والنقل ، ولا يمكن إنكاره بحجة أن محمدا لم يكن بقارئ لأن الشعر كان ينتقل شفهيًا وليس كتابيًا ، وهكذا كانت أغلب المعارف العربية آنذاك ، فإن كان القرآن معجزًا فللشعر الفضل وكل الفضل في هذا الإعجاز إذن .

1 فيض القدير جزء 2 ص 187 طبعة دار الكتب العلمية

السيرة النبوية لابن هشام ، جزء 1 ص 386 ذكر ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل ، شعر زيد في فراق الوثنية 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات