هل كان محمد أميا؟

اللون الأخضر يشير إلي آيات قرآنية

لن نعرض في هذا الباب أكثر مما ينبغي ، لأن هذا الموضوع قد تم تناوله في كتب كثيرة سواء من علماء مسلمين أو غير مسلمين بين مؤيد ومعارض ، وهمنا هنا أن نستعرض خلاصة تلك الآراء وطرح أسئلة علمية ومنطقية قد تفتح المجال لرؤية أوسع من أن تحصر في كون محمد كان أميًا أم لم يكن ، لأن في الحقيقة هذا الأمر لم يكن مطروحًا على الإطلاق في عهد محمد ولا في عصر الصحابة ، إنما هو أمر متأخر تم الخوض فيه لمحاولة الاستدلال على إعجاز القرآن . أكبر سؤال يطرح هو لماذا لم تكن هذه المعجزة حاضرة في عهد محمد نفسه ؟ وسنعالج هذا السؤال بالتفصيل في نقط لاحقة .
أول مسألة ينبغي الإشارة إليها أن علماء الإسلام اختلفوا في مسألة الأمية اختلافًا كبيرًا ، وقد قال القرطبي عنها : {إن المسألة ليست قطعية ، بل مستندها ظواهر أخبار أحاد صحيحة ، غير أن العقل لا يعقلها . وليس في الشريعة قاطع يؤكد وقوعها} تفسير القرطبي لسورة العنكبوت 29 الآية 48 . إذن فاختلاف العلماء هو أكبر دليل على الالتباس الحاصل في الموضوع ، فالمعجزة إذا رجعنا إلى تعريف السيوطي هي {أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدي ، سالم من المعارضة}  1. وبناء على هذا الاختلاف نجد أن معجزة {الأمية} هي أمر غير سالم من المعارضة، فهل يصلح يا ترى وصفها بالمعجزة ؟ إن اختلاف علماء الإسلام يظهر بجلاء أن النصوص المعتمدة لإثبات هذه الأمية هي نصوص قابلة للتأويل على أكثر من وجه ، ولا يوجد نص واحد صريح من محمد نفسه أو من أحد أصحابه يقول بكل صراحة أن محمدا كان لا يقرأ أو لا يكتب ! فكيف نبني أكبر معجزة محمدية على الإطلاق على نصوص غير قطعية؟ إذا تفحصنا الأدلة المؤيدين لأمية محمد نجدها مرتكزة على النصوص التالية:

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} سورة الأعراف 7 : 157 .
{فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} سورة الأعراف 7 : 158.
{ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} سورة البقرة 2 : الآية 78
 {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } سورة العنكبوت 29 الآية 48.

 

أما مِن كتب الحديث فنجد النص التالي:{إنا أُمًةُ أُمًية. لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا} وعقد الإبهام في الثالثة {وأشهر هكذا وهكذا وهكذا} يعني تمام ثلاثين   2. كل المؤيدين لفكرة أمية محمد بمعنى جعله جاهلًا بالقراءة والكتابة يستخدمون النصوص المذكورة قبلًا للدلالة على أن محمدا لم يكن يقرأ ولا يكتب ، وهنا يركزون على المعنى اللغوي لكلمة أُمًي {والأُمًي} : الذي لا يكتب ،قال الزجاج : {الأُمًي الذي على خِلقة الأُمًة لم يتعلم فهو على جبلته}، فالأمي هو الذي لا يكتب ولا يحسب ولا يعرف من الكتاب إلا أماني ، ومحمد ما كان يتلو أو يخط أي كتاب قبل الوحي ، والنتيجة باختصار هي أن النصوص واضحة كل الوضوح تؤكد أن الأمية معناها الجهل بأصول القراءة والكتابة ، وأن محمدًا كان نبيًا أُميًا بهذا المعنى ، لكن معنى الأُمًي في النصوص التي يتخذها المؤيدون دليلًا على كلامهم قابل أيضًا للتأويل على كونه يعني الذي لا يعرف الكتب السماوية السابقة مثل {التوراة والإنجيل} ، وقد تكون لفظة الأُمًية أتت في أغلبية النصوص بمعنى {الذين ليس لهم كتاب سماوي} وأتت استثناء في نص واحد بمعنى عدم المعرفة بالقراءة والكتابة كما في الحديث الذي سقناه من قبل {إنًا أُمًة أُمًية لا نكتب ولا نحسب} وهذا حصل مع كلمات كثيرة، مثل كلمة نكاح التي أتت في نصوص كثيرة بمعنى الزواج، وأتت في بعضها بمعنى الجماع نفسه {قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب الوطء، وقيل للتزوج نكاح لأنه سبب للوطء المباح} 3. وقد حصل هذا في سورة النور 24 مثلًا {الزَّانِي لا يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} سورة النور 24آية 3 ، أورد الطبري أقوالًا لابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة كلها تقول :{معنى النكاح في هذا الموضع : الجماع } تفسير الطبري لسورة النور 24 آية 3 .

1 الإتقان في علوم القرآن، النوع الرابع والستون. ص 710 طبعة 2004 دار الكتاب العرب.

2 رواه البخاري بلفظ مختلف في كتاب الصوم باب قول النبي صلعم {لا نكتب ولا نحسب} ورواه مسلم بهذا النص في كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ، والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما.

3  لسان العرب باب الهمزة.

لسان العرب، باب النون.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات