يوحنا 12: 1 – رحلات المسيح

اعتراض على يوحنا 12: 1 – رحلات المسيح

وللرد نقول: الآيات الواردة في متى 19: 1 و20: 17 و29 و21: 1 ويوحنا 10: 40 و11: 17 و54 و12: 1 تشير إلى سفرياتٍ قام بها المسيح في أوقات مختلفة، فإنه لما سافر من الجليل توجّه إلى أورشليم وحضر عيد المظال، ثم سافر إلى بيرية بعد الأردن، ومنها سافر إلى بيت عنيا فأقام لعازر من الموت، ثم توجَّه إلى أورشليم على طريق أريحا فشفى الأعميين، ثم زار زكا، وتوجّه إلى بيت عنيا قبل عيد الفصح بستة أيام. فبعض الآيات المذكورة تشير إلى بعض السفريات، والبعض الآخر تشير إلى باقي سفرياته.    قول المسيح: »لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله« لا ينفي الصلاح أو اللاهوت عن نفسه، فقد خاطب الشاب على أساس اعتقاده فيه، لأنه لم يكن يعتقد أن المسيح هو الرب، بل كان يعتقد أنه أحد معلمي الدين (الذين اعتاد اليهود أن يُسندوا إليهم الصلاح والفضيلة جزافاً). فانتهز المسيح هذه الفرصة، كما انتهز غيرها، وأجاب سائله بالإجابة التي تصحّح اعتقاده في هؤلاء المعلّمين. وكأنه يقول له: إن كنت تظن أني مجرد معلّم، فاعلم أنه ليس هناك معلم صالح على الإطلاق، لأن جميع الناس خطاة بأفعالهم، كما أنهم خطاة بطبيعتهم وأفكارهم. فليس هناك كائن يستحق أن يُقال عنه إنه  صالح  سوى الرب وحده. أما إن كنت تعرف أني الرب الذي ظهر في الجسد فإنك تكون قد قلتَ الصواب. والمسيح صالح في ذاته كل الصلاح، وقال عن نفسه: »أنا هو الراعي الصالح« (يوحنا 10:11)، كما شهد بذلك تلاميذه الذين عاشوا معه وعرفوه. فقال بطرس عنه إنه: »لم يفعل خطية، ولا وُجد في فمه مكر« (1بطرس 2: 22). وقال كاتب رسالة العبرانيين عنه إنه »قدوس بلا شر ولا دنس، قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات«  (عبرانيين 7: 26). ولم يجد فيه أعداؤه علّة واحدة، فعندما سألهم مرة: »من منكم يبكتني على خطية؟« (يوحنا 8: 46) لم يستطع واحد منهم أن يذكر له خطية واحدة.

(1) لو أن المعترض استمر في قراءة متى 19 لوجد أن الشاب الغني الذي وُجِّهت إليه هذه الكلمات قال إنه حفظ الوصايا، ولكنه لم يحصل على الخلاص. وقال المسيح تعليقاً على ذلك: »مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله« (آية 24). وبهذا أعلن المسيح للشاب الغني أنه لم يحفظ حتى الوصية الأولى التي تقول: »لا يكن لك آلهة أخرى أمامي« (خروج 20: 3)، لأنه فضَّل أمواله على الرب، فاعتبره عابد وثن.. وأوضح المسيح له أهمية الإيمان به، عندما طلب منه أن يتبعه. ولا يقدر أحد أن يتبع المسيح إلا إذا وضع ثقته فيه، ووقتها فقط يقدر أن يطيع وصايا الرب.

(2)  والمسيح كطبيب للنفوس يعرف المرض الروحي الذي يصيب النفس البشرية. فعندما رأى الشاب الغني عرف أن ما يعطله عن دخول ملكوت الرب هو حبُّه الزائد للمال. ولذلك قدّم له نصيحته أن يبيع كل ما يملكه ويعطيه للفقراء. ولم يقدم المسيح هذه النصيحة لكل من جاء إليه. فالنصيحة ببيع ما يملك الإنسان ليعطيه للفقراء هي نصيحة للشاب الغني وحده، بسبب حالته الروحية الخاصة. ليس الغِنَى عيباً، فقد كان إبراهيم خليل الرب غنياً، وهكذا كان فليمون الذي كتب له بولس رسالته، لكن العيب هو في موقف الإنسان من الغِنى، فهو الذي يجلب على الإنسان الشر أو يمنحه الخير، فليست حياة الإنسان من أمواله (لوقا 12: 15).   الاثنا عشر المقصودون هم الذين تبعوا المسيح في التجديد، أي عند انتهاء مدة تجسُّده وتواضعه وارتفاعه إلى مجده. ولم يكن يهوذا واحداً منهم. وقد اختارت الكنيسة متِّياس بديلاً ليهوذا، وهكذا أخذ وظيفة يهوذا شخصٌ آخر (أعمال 1: 15-26)، وبقي عدد التلاميذ اثنا عشر
(1) قال البشير متى إن المسيح قال »اذهبا إلى القرية التي أمامكما، فللوقت تجدان أتاناً مربوطاً وجحشاً معها، فحُلاّهما وأْتياني بهما«. فيمكن أنهما أتيا بالجحش وأمه، وركب هو على كلٍّ منهما بالتناوب، وتمت بذلك نبوَّة زكريا 9:9 التي تقول إن المسيح سيأتي جالساً على أتان.
(2) في اللغة قد يُثنَّى الضمير، ويعود على أحد المذكورَيْن.

(1) لم تكن هذه الشجرة ملكاً خاصاً لأحد، بل كانت لعموم الناس، فكان مباحاً لأبناء السبيل أن يأكلوا منها بلا مانع، وكان للمسيح الحق أن يأكل منها حسب نصوص الشريعة اليهودية (تثنية 23: 25). انظر تعليقنا على مرقس 2: 23.

(2)  وجود الورق الأخضر عليها علامة على وجود باكورة ثمر التين، فإن التين في أرض فلسطين يثمر عند ظهور الورق، وأحياناً تطلع الثمار قبل النضج العام بأيام كثيرة، وهو المعروف عند العامة في الشام بالديفور. والقول: »ولم يكن وقت التين« يعني أنه ليس وقت جَنْيه العمومي، ولو أنه كان وقت باكورة التين.

(3) هذه التينة مثل المرائي الذي يتظاهر بالتقوى وهو مجرَّد منها، فعليه علامات القداسة وقلبه ملآن بالنجاسة. وهي تشير إلى الأمة اليهودية التي خصّها الرب بالنواميس والشرائع والأنبياء، ومع ذلك كانت مجرّدة من الإيمان والمحبة والتواضع، ورفضت المسيح ولم تذعن لأوامره، ولم تأت بثمر. وارتكنت على أنها شعب الرب. فلهذا قال المسيح للشجرة: »لا يكن فيك ثمر« ليعلّم الناس أن الأهم هو الثمر.

(4)  لَعْن التينة نبوَّة على مستقبل الأمة اليهودية، وإنذار للناس في كل عصر بأنهم إن لم يأتوا بأثمار القداسة والتقوى، حلّت بهم دينونة الرب العادلة. والقول »يبست في الحال« إشارة إلى خراب مدينة أورشليم وعقاب الأمة اليهودية، وقد كانت آيات المسيح كلها مبنية على الرحمة، ولكنه علّم تلاميذه أنه شديد العقاب، وإن كان رحيماً.

(5)  لم يكن المسيح جاهلاً بأمر هذه الشجرة، فهو الذي يعرف خفايا كل إنسان، حتى أخبر السامرية مثلاً بكل ما فعلت. ولكنه تصرّف بهذه الكيفية ليعرّف الرسل بالعقاب الذي يحل بالمنافقين، وفي نفس الوقت يحل بالتينة التي أظهرت بأوراقها الخضراء أنها تحمل باكورة التين دون أن تحمله فعلاً.    الكرم هو ملكوت الرب، ورب البيت هو الرب، وابنه هو الكلمة الأزلي المتأنس، وقد تكلَّم عن نفسه متنبئاً بأن اليهود سيقتلونه. ومادام المسيح قائل هذه الأقوال يكون هو ابن الرب، وأنه مات عن خطايا العالم. وبعد إرسال الابن لم يُرسَل رسولٌ آخر. كان الرسول الأخير هو الابن، فليس من المعقول أنه بعد ما أرسل الابن يرجع فيرسل العبيد. وفي رواية مثَل الكرامين الأردياء اقتبس المسيح القول النبوي »الحجر الذي رفضه البناؤون« (مزمور 118: 21 و22) وقال بطرس إن صاحب سفر المزامير قصد بالحجر الذي رفضه البناؤون المسيح نفسه، حيث يقول عن المسيح: »هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون الذي صار رأس الزاوية« (أعمال 4: 10 و11 و1بطرس 2: 4-8). وعليه فالبناؤون كانوا يهود عصره. وقال المسيح المثل خطاباً لليهود »ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأمّة تعمل أثماره« (متى 21: 43). ويبيِّن العهد الجديد أن الرب يُعطي الملكوت للذين يؤمنون بالمسيح إيماناً حقيقياً، فهم  جنسٌ مختار وكهنوتٌ ملوكي، وأمّةٌ مقدسة وشعب اقتناء »لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب. الذين قبلاً لم تكونوا شعباً وأما الآن فأنتم شعب الله. الذين كنتم غير مرحومين وأما الآن فمرحومون« (1بطرس 2: 9 و10). ومقاومة المسيح وعدم الرضوخ له يسبِّبان غضب الرب وحلول نقمته على أعدائه. وقد تم شيء من ذلك عند خراب أورشليم وتمثيل الرومان باليهود تمثيلاً فظيعاً (سنة 70 م)  بعد صلب المسيح بنحو أربعين سنة.    أوضح المسيح أن الكرامين الأردياء استوجبوا دينونة الرب العادلة، لأنهم جلدوا ورجموا عبيد صاحب الكرم لما طالبهم بالأثمار. وأخيراً أرسل ابنه فقتلوه. فالبشير متى قال  إن أئمة الأمة اليهودية شهدوا على أنفسهم أنهم استوجبوا العقاب لعنادهم وقتلهم الأنبياء، ورفضهم الكلمة الأزلية، ابنه الحبيب، مع أنهم كان يجب أن يأتوا بأثمار القداسة، لأن الرب خصّهم بمراحمه وفضّلهم على العالمين. فلما أورد المسيح لهم المقدمات المنطقية، لم يسعهم سوى التسليم بصدق النتيجة. ففي متى ذكر كلامهم، وهو النتيجة الطبيعية لذات المقدمات. أما البشير لوقا فذكر النتيجة مع المقدمات، وهو المعروف في المنطق بمتصل النتائج، وسُمي بذلك لوصل نتائجه بمقدماته. وفي الحالتين سلَّم أئمة اليهود بهذه النتيجة الطبيعية. وفي لوقا قال »فلما سمعوا (أي لما فهموا) أن هذا الكلام عليهم، قالوا: حاشا«. والنفي هنا لا ينصبّ على النتيجة، وحاولوا تبرئة أنفسهم مما نُسب إليهم من قتل الأنبياء ورفضهم..

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات