ملاخي 1: 2 و3 «أحببت يعقوب وأبغضت عيسو، وجعلت جباله خراباً«. فهل يكره الرب؟ ولماذا يحب يعقوب ويبغض أخاه عيسو؟

ملاخي 1: 2 و3 «أحببت يعقوب وأبغضت عيسو، وجعلت جباله خراباً«. فهل يكره الرب؟ ولماذا يحب يعقوب ويبغض أخاه عيسو؟

هل الرب إله الدماء؟ هل الرب يكره؟ “القس عزت شاكر:

قال المعترض: «جاء في ملاخي 1: 2 و3 «أحببت يعقوب وأبغضت عيسو، وجعلت جباله خراباً«. فهل يكره الرب؟ ولماذا يحب يعقوب ويبغض أخاه عيسو؟«.

وللرد نقول أحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ  تعتبر واحدة من أصعب الآيات في كل الكتاب المقدس، بل وبمثابة حجر صدمة وصخرة عثرة، في نظر الكثيرين يرتبك فكرهم إزاءها ويتحير هو  قول الرب على فم ملاخي: “أَلَيْسَ عِيسُو أَخًا لِيَعْقُوبَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ 3وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ” (ملا1: 2-3).  وكذلك اقتباس الرسول بولس لهذه الآية وتطبيقه لها في (رو9: 11- 13) حيث يقول: “لأَنَّهُ وَهُمَا لَمْ يُولَدَا بَعْدُ وَلاَ فَعَلاَ خَيْراً أَوْ شَرّاً لِكَيْ يَثْبُتَ قَصْدُ اللهِ حَسَبَ الِاخْتِيَارِ لَيْسَ مِنَ الأَعْمَالِ بَلْ مِنَ الَّذِي يَدْعُو قِيلَ لَهَا: «إِنَّ الْكَبِيرَ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ». كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ».   هل الرب يكره؟  ولماذا يحب يعقوب ويبغض أخاه عيسو؟  وهل الرب يميز بين شخص وآخر؟  وهل عند الرب محاباة؟ وما ذنب عيسو؟  وهل الإنسان مسير أم مخير؟  وهل اختار الرب بعض الناس للحياة الأبدية، والبعض الآخر للهلاك؟   لكي أجيب على هذه الأسئلة وغيرها أقدم 7 مبادئ هامة وهي:

(1) الرب المحب لا يبغض أحداً: هل من المعقول أن الرب المحبة يبغض إنساناً؟! كلا وألف كلا. فالبغضة والكراهية ضعف، وحاشا للرب أن يعتريه الضعف، فهو المكتوب عنه “لاَ يَرْذُلُ أَحَدًا” (أي36: 5). والكتاب المقدس يعلن لنا أن طبيعة الرب محبة (1 يو4: 16)، وأنه أحب العالم كله (يو3: 16)، لقد أرسل يونان إلى نينوى (يون1: 2) وهي مدينة أممية، وكانت عاصمة مملكة أشور، التي هي بلاد العراق الآن، وكانت تعيش في صراع مع شعب الرب. والغريب أنه بعد الأسلوب الدرامي الذى استخدمه الرب معه ليذهب، وذهب ونادى للشعب بالتوبة وتابوا، جلس حزيناً إذ نقرأ “فَغَمَّ ذلِكَ يُونَانَ غَمًّا شَدِيدًا، فَاغْتَاظَ.… وَقَالَ: «آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ” ( يو 4 : 1-3 ). وحزن يونان لأنه يعرف طبيعة الرب أنه رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ، لقد كان يونان يريد خراب المدينة لأنها أممية. وعندما أراد الرب أن يصحح مفاهيمه ليدرك أن الرب يحب كل الخليقة، وأن كل الشعوب غالية عليه، أعد له يقطينة وارتفعت وظللت عليه ولكنها في اليوم التالي يبست، وهنا حزن يونان حزناً شديداً وطلب الموت لنفسه، فقال له الرب: «أَنْتَ شَفِقْتَ عَلَى الْيَقْطِينَةِ الَّتِي لَمْ تَتْعَبْ فِيهَا وَلاَ رَبَّيْتَهَا، الَّتِي بِنْتَ لَيْلَةٍ كَانَتْ وَبِنْتَ لَيْلَةٍ هَلَكَتْ. 11أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟» (يون4: 10 ، 11). نعم إنه يشفق على نينوى وعلى كل شعب، وعلى كل إنسان، لأن كل إنسان له، فكل إنسان هو صنعة يده ومخلوق على صورته. وأن للرب الأرض وملؤها، المسكونة وكل الساكنين فيها (مز24 : 1).  ولعل أروع صورة عن الرب المحب نجدها فى ( لو 15 ) إذ نجد ثلاثة أمثلة وهي الخروف الضال، الدرهم المفقود، الابن الضال. ونرى التدرج في هذه الأمثال الثلاثة، إذ عندما ضاع خروف من المئة نجد الراعي يترك القطيع ويبحث عن الضال حتى يجده ( لو 15 : 4 ) إنه لا يهدأ ولا يستريح حتى يجده، وعندما يجده يضعه على منكبيه فرحاً. وعندما أضاعت المرأة درهماً واحداً من العشرة أوقدت سراجاً وكنست البيت وفتشت باجتهاد حتى وجدته (لو15: 8) وعندما وجدته دعت الجارات والصديقات ليفرحن معها. وهذه هي مشاعر الرب نحو كل إنسان. إنه يبحث عن كل ضال وكل مفقود ولا يستريح إلا عندما يجده.  وفى المثل الثالث نجد الابن الضال الأصغر أخذ ثروة أبيه وبذرها بعيش مسرف، ولكن الأب يجلس متطلعاً ومنتظراً قدومه، ويقول الوحى : “وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ” (لو 15 : 20). وعندما رفض الابن الضال الأكبر الدخول لحضور وليمة الفرح بعودة الابن الضال، خرج الأب أيضاً يتحنن ويطلب إليه أن يدخل (لو 15 : 28). هذه هي مشاعر قلب الرب نحو الإنسان. إنه يحب كل العالم دون تفرقة أو تمييز بين إنسان وآخر، ولا بين شعب وآخر، ولا بين دين وآخر، إذ ليس عند الرب محاباة، والرب لا يكيل بمكيالين وإذا قلنا إن الرب يميز شعب عن آخر، أو فرد عن آخر نحن نهين الرب. فما رأيك فى مدرس يعطى درجات أعلى للطلبة الذين ينتمون إلى دينه، ألا تحتقر هذا المدرس ؟ فكم بالحرى الرب العظيم!

(2) نعمة الرب المخلِّصة مقدمة مجاناً لكل إنسان: إن خلاص الرب الأبدي مقدم لكل إنسان، فهو لا يشاء أن يهلك أُناسٌ، بل أن يُقبِل الجميع إلى التوبة (2بط 3:9). وأنه لا يسر بموت الشرير، وأنه يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. اسمع صوت النعمة: “هَئَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى \لْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ \لْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي” (رؤ20:3). إن هذه الآية تحمل إعلان رائع نراه في الكلمات “هأنذا” و”واقف” و”أقرع” و”أدخل” و”أتعشى”…الخ فمن هو الواقف ينتظر استجابتنا؟ إنه سيد الأرض كلها، وبالرغم من ذلك يتحمل كل الآلام الجسدية والنفسية وهو ينتظرنا. إن النعمة الغنية هي التي تدفعه ليقف وينتظرنا ولا يتركنا لجهلنا وشرنا، وقد تطول وقفته سنوات طويلة حتى نفتح ونسمح له بالدخول، وقد لا نفتح ولكنه بالرغم من ذلك يظل واقفاً إلى أن ينتهي الأجل فيدخل الإنسان إلى الظلمة الأبدية. “وَأَقْرَعُ” إنه لا يقف صامتاً بل “يقرع” والفعل اليوناني هو (κρουω) “كرو” وهو لا يعني مجرد القرع الخفيف العارض بل القرع المستمر الذي يرجو الاستجابة. في قدرة يده أن يكسر الباب ويدخل لكنه يحترم حرية إرادة الإنسان، يريدنا أن نفتح بإرادتنا، وأن نحبه برغبة صادقة. هل فكرت كيف يقرع على باب قلبك؟؟ قد يقرع عن طريق الذكريات الحلوة! وقد يقرع عن طريق النجاح! وقد يقرع من خلال صوت الألم! إنه يقرع بطرق مختلفة يرجو الاستجابة.  ثم يقول “إِنْ سَمِعَ” إنه لا يقف فقط، ولا يكتفي بالقرع، بل ينادي على كل واحد باسمه، فما أروع هذه المحبة. والسؤال: لماذا لا يسمع الإنسان صوت ابن الرب؟ قد يكون السبب أن هناك أصواتاً أخرى تملأ آذان الإنسان فتشوش على صوت السيد، مثل صوت الجسد، الخطية، الشهوات… الخ. وقد يكون السبب في البعد، فأنت لا تسمع رنين التليفون إذا كنت أبعد من اللازم، ونحن في مرات كثيرة يأخذنا تيار الحياة بعيداً عن صوته. “وَفَتَحَ” والمقصود “بالفتح” التوبة الصادقة، التسليم الكامل. وإن فتحنا يقول: “أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي”.   وهنا نجد المسيح يعد بالدخول لكل إنسان يفتح، ثم يقول: والفعل “أَتَعَشَّى” في اليونانية هو (δειπνησω) “ديابينسو” وهو يفيد الوجبة الرئيسية، فقد كان العشاء يعد بسخاء ولم يكن وجبة سريعة خاطفة. وكان العشاء في الشرق يعبر عن الصداقة والعلاقة الخاصة القريبة والشركة التي تكتمل بالمبيت والإقامة، ألم يقل المسيح “إِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً” (يو14: 23). ما أروع مسيحنا إذ يدخل إلى حياتنا ويدخلنا إلى قلبه، ونصبح في شركة بل ووحدة معه تبدأ هنا وتكتمل في المجد. إن هذه النعمة المجانية قبلتها راحاب الزانية (يش2) ومن نسلها أيضاً جاء المسيح، وقبلتها راعوث الموآبية (را 1: 16) ومن نسلها جاء المسيــح، ورغم أنها ليست من إسرائيل إلا أنها كتبت أحد أسفار الكتاب المقدس. وقبلها نعمان السريانى الرجل الأممي (2 مل5: 15و17)، وقبلها اللص التائب الذي قضى كل حياته في الإجرام، لكنه صرخ بصدق «اذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ» (لو43:23). وجاءه صوت النعمة «الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ». وصوت النعمة يدوي عالياً: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت28:11).

(3) الإنسان حـر الإرادة: يعلن لنا الكتاب المقدس مراراً وتكراراً أن الإنسان حر الإرادة يستطيع أن يتخذ ما يشاء من قرارات. فهو كائن عاقل وحر له القدرة على الاختيار والتنفيذ، لذلك هو مسؤول مسئولية أدبية عن أفعاله، مسؤول أمام الرب وأمام المجتمع وأمام ضميره. وقصة الخلق تؤكد لنا حرية الإنسان؛ فقد خلق الرب الإنسان على صورته (تك1: 27). ووضعه فى الجنة ليعملها ويحفظها (تك 2: 5)، وأعطاه مسئولية تسمية الكائنات الأخرى (تك 2: 19). وسلَّطَه على سمك البحر وطير السماء وكل حيوان يدب على الأرض. ومن هنا ندرك أن الرب أعطى الإنسان حرية وسلطان وإرادة. وما سقوط آدم في الخطية إلا دليلاً أكيداً على حريته. فكان يمكن للرب أن يقيد حريته، أو يجعله عاجزاً عن الوصول إلى الشجرة، كأن يحيطها بسور من نار، أو يجعله يصاب بشلل إذا اقترب منها مسافة متر مثلاً، ولكن الرب لم يفعل هذا، لأن هذا يتنافى مع كرامة الإنسان. وما ندم آدم عندما أخطأ، وتقديم الأعذار، وإلقاء اللوم على الآخرين، ومحاولة الاختباء من وجه الرب إلا دلالة أكيدة على حريته. فلو لم يكن حراً لما فعل ذلك، ولو كان مسيراً ومجبراً على تصرفاته لما كان في حاجة إلى تبرير أفعاله. ووجود الوصايا يؤكد لنا حرية الإنسان؛ فإعطاء الوصية لآدم (تك2: 16، 17) دليل على أنه حر، وأنه يمتلك إمكانية مخالفتها. ولو أن الإنسان مسير فما ضرورة الوصية؟ هل هي تمثيلية يقوم بها الرب؟ كلا، لقد خلقنا أحراراً، وأعطانا الوصايا لكي نطيعه بمطلق حريتنا، وما مخالفة الإنسان للوصية إلا أكبر دليل على أن الرب يحترم حرية الإنسان لدرجة أنه لا يمنعه من مخالفة وصيته. لذلك نحن لا نؤمن بالقدرية أو الجبرية، كما لا نؤمن “بالمكتوب على الجبين” ولا “بالمقسوم” ولا “نصيبك يصيبك” ولا “ساعة القدر يعمى البصر”، فكل هذه العبارات هدَّامة، ولا تسىء إلا إلى الرب أولاً ثم الإٌنسان. ووجود يوم للدينونة والمجازاة هو أكبر  دليل على حرية الإنسان. فكيف يحاسبني الرب  وأنا لم أكن حراً؟ كيف يقول لى: أعط حساب وكالتك وأنا كنت مرغماً على تصرفاتى؟ كيف أُجازى عما فعلت سواء خيراً أو شراً وأنا لم أكن سيد قراري. لأنه من أبسط قواعد العدل أن لا يُحاسب الإنسان على فعل لم يكن صاحب الإرادة فيه. لقد قضى الرب فى حكمته أن يخلق الإنسان حراً، يفكـر ويقرر ويختار كما يشاء، وتبعاً لذلك سيُحاكم ويُجازى. وهذا الإله العظيم الذي يحترم حرية إرادة الإنسان يقول له: “قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ” (تث30: 19). وهنا نرى الرب يشير على الإنسان أن يختار طريق الحياة، لأنه يحترم حريته ويريد خلاصه. ويقول على لسان يشوع للشعب: “فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ…” (يش15:24). وهناك العديد من الآيات التى تؤكد حرية الإنسان (راجع يش24: 15، إش1: 19، لا26، تث11: 26 – 29، مر6: 5و6). ويقول الرب يسوع: «يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!» (مت23: 37). إن الأمر متروك لحرية الإنسان، فكما يقول اللاهوتى الكبير بول أفدوكيموف “الرب يستطيع كل شىء… إلا إرغامنا على محبته”. فكل إنسان حر فى أن يقبل أو يرفض، يؤمن أو يلحد. ويقول اللاهوتى الكبير (C.S.Lewis): “لقد خلق الرب الإنسان حراً، والحرية تعطى إمكانية عمل الخير أو الشر على السواء”. ثم يتساءل: لماذا أعطى الرب الإنسان الإرادة الحرة؟ ويجيب: على الرغم من أن الإرادة الحرة جعلت عمل الشرممكناً، إلا أنها السبيل الوحيد لعمل الخير، فإن عالماً ميكانيكياً يعمل فيه الناس كالآلات غير جدير بأن يُخلق أو يُعاش، فالسعادة الحقيقية التى ينشدها الرب هي في أن يرى البشر يحبونه ويطيعونه بمحض إرادتهم”. فالرب  يعرض ولا يفرض، يعرض حبه وغفرانه ونعمته، ولا يفرض لأنه خلقنا أحراراً، ولكنه يتمنى أن نختار طريق الحياة والبركة، فماذا ستختار اليوم؟؟؟

(4) متى قال الرب: أبغضت عيسو؟ للأسف من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن الرب أبغض عيسو من قبل أن يولد، وهذا المفهوم السائد بُنِيّ على ما قاله الرسول بولس في (رو9: 11- 13) “لأَنَّهُ وَهُمَا لَمْ يُولَدَا بَعْدُ وَلاَ فَعَلاَ خَيْراً أَوْ شَرّاً لِكَيْ يَثْبُتَ قَصْدُ اللهِ حَسَبَ الِاخْتِيَارِ لَيْسَ مِنَ الأَعْمَالِ بَلْ مِنَ الَّذِي يَدْعُو قِيلَ لَهَا: «إِنَّ الْكَبِيرَ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ». كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ». وسؤالي هنا هل قيل لهما وهما في البطن ولم يعملا خيراً أو شراً: «أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ»؟ كلا وألف كلا. فعندما ندرس هذه الآيات دراسة جادة سنجد أن الرسول بولس يتحدث عن سلطان الرب المطلق على الكون في أن نسل يعقوب هو النسل المختار ليأتي منه المسيح، ولكي يوضح فكرته اقتبس اقتباسين من العهد القديم: الأول من (تك23:25) وهو ما قيل لرفقة عن عيسو ويعقوب وهما في البطن ولم يعملا خيراً أو شراً: فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ». فالذي كان في قصده وهما في البطن هو من جهة النسل أن الكبير يُستَعبد للصغير. وأرجو أن تلاحظ أن الرب لا يقرر مصير كل واحد منهما، لكنه يعلن عما سيحدث، فهو لا يقول: “سوف أجعل شعب يقوى على شعب”، ولا يقول: “سوف أجعل الكبير يُستَعبَد للصغير”، ولكنه قال في صيغة المبني للمجهول: “شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ”. إنه يتحدث عن النتائج الطبيعية التي سوف يصل إليها كل منهما نتيجة لقراراته وتصرفاته، فهو الرب العالم بكل المستقبل. ويقول (F. F. Bruce) إن هذه النبوة لا تخص أشخاص عيسو ويعقوب (إذ أن عيسو لم يتعبد قط ليعقوب) وإنما تخص نسلهما، إنها ذات علاقة بالعصور الطويلة التي استعبد فيها الأدوميون (نسل عيسو) لإسرائيل ويهوذا (راجع: 2صم14:8، 1مل47:22، 2مل7:14). والاقتباس الثاني من آخر أسفار العهد القديم (ملا1: 2-3) حيث نقرأ: “أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ، وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ”. وهذه الكلمات لم تأت قبل أن يولدا، بل بعد أن ولِدَا وعاشا وماتا ومر على موتهما نحو 1400 سنة. ويقول آدم كلارك (Adam Clarke): عندما نعود إلى كلمات الرب “أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ”(ملا1: 2-3). سنجد 3 أمور وهي: 1 – إن هذا الكلام لا علاقة له على الإطلاق بالخلاص الأبدي سواء لعيسو أو يعقوب. 2 – إن هذا الكلام خاص بالنصيب الأرضي، فهو يكمل ويقول: «أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ 3وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ، وَجَعَلْتُ جِبَالَهُ خَرَابًا وَمِيرَاثَهُ لِذِئَابِ الْبَرِّيَّةِ؟” (ملا1: 2-3). فهو تأديب وقضاء أرضي لا علاقة له بالخلاص الأبدي. ونقرأ عن هذا القضاء في (إش34: 5-8، 63: 1-4، إر49: 9-17).  3 – إن هذا القضاء هو على أدوم كأمة أي أنه يتكلم على نسل عيسو وليس عيسو كشخص. فالرب  لم يقرر أنه أبغض عيسو كشخص وهو في البطن إطلاقاً، وهذه البغضة لا علاقة لها بالخلاص الأبدي، فواضح من القرينة أن المقصود هو الأمة الإسرائيلية وشعب أدوم، وليس يعقوب وعيسو لأنهما كما ذكرت كانا قد ماتا من مئات السنين. إنه يخاطب شعب أدوم باسم عيسو كما كان يخاطب المملكة الشمالية باسم أفرايم، والمملكة الجنوبية باسم يهوذا فنقرأ:  أَفْرَايِمُ مُوثَقٌ بِالأَصْنَامِ. اتْرُكُوهُ” (هو17:4). مَاذَا أَصْنَعُ بِكَ يَا أَفْرَايِمُ؟ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَ يَا يَهُوذَا؟ فَإِنَّ إِحْسَانَكُمْ كَسَحَابِ الصُّبْحِ، وَكَالنَّدَى الْمَاضِي بَاكِرًا” (هو4:6). “أَفْرَايِمُ يَخْتَلِطُ بِالشُّعُوبِ. أَفْرَايِمُ صَارَ خُبْزَ مَلَّةٍ لَمْ يُقْلَبْ” (هو8:7).    

(5) لم يختر الرب مجموعة من الناس للهلاك: إنني أؤكد أنه لا توجد في كل الكتاب المقدس آية واحدة تقول إن الرب اختار مجموعة من الناس للهلاك الأبدي، ولو أن هناك آية واحدة فهذا يعني أن الرب ظالم، فما ذنب المختارين للهلاك؟ ولماذا يرضى الرب بهلاكهم؟ وهل من العدل أو الأمانة أن يخلق مجموعة للهلاك؟! إن من يخلق مجموعة من البشر للعذاب الأبدي هو إله سادي يسر بأن يعذب الآخرين. ولو كانت هناك آية واحدة في كل الكتاب المقدس تقول إن الرب اختار مجموعة من الناس للهلاك الأبدي، فلماذا نكرز، ولماذا ننشغل بالبعيدين، فمهما كرزنا فلا فائدة ولا جدوى من كرازتنا، فقد قرر الرب هلاكهم. لكن ما أفهمه من كلمة الرب هو أن الهالكين هم الذين اختاروا بمطلق إرادتهم الحرة طريق هلاكهم، هم الذين رفضوا يد النعمة الممتدة لهم، لذلك يقول الرسول بولس: “لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ… 4أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ 5وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ” (رو2: 1-5). فالشخص الهالك هو الذي قرر مصيره بنفسه. إن الرب يريد خلاص كل إنسان، ويتحدث لكل شخص بطرق ووسائل مختلفة، ولكن الهالك هو الذي يرفض، اقرأ معي ما يقوله الرب في العهد القديم: «وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا، احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. 4مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟ لِمَاذَا إِذِ انْتَظَرْتُ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا، صَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا؟ 5فَالآنَ أُعَرِّفُكُمْ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَرْمِي: أَنْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. أَهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ. 6وَأَجْعَلُهُ خَرَابًا لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ، فَيَطْلَعُ شَوْكٌ وَحَسَكٌ» (إش5: 3-6). ويقول الرسول بولس: “لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ الْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا. 11وَلأَجْلِ هذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ اللهُ عَمَلَ الضَّلاَلِ، حَتَّى يُصَدِّقُوا الْكَذِبَ، 12لِكَيْ يُدَانَ جَمِيعُ الَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا الْحَقَّ، بَلْ سُرُّوا بِالإِثْمِ” (2تس2: 10-11). إن الرب لا يرسل لهم عمل الضلال ولكن يتركهم إلى ضلال قلوبهم، يتركهم إلى روح الضلال التي تبعوها وسروا بها. ما أفهمه من كلمة الرب هو أنه اختار جماعة للخلاص، للقداسة، للشهادة، أو كما يقول د. القس صموئيل يوسف: “اختارنا لنكون آداة إعلان محبة الرب ونعمته لكل شعوب الأرض (إش43: 12،10)، اختارنا لنذهب إلى العالم ونحيا له، لا لنحيا نحن في النور وكل إنسان آخر في الظلام، اختارنا لا لنُخدَم بل لنَخدُم ونعلن عن محبته لكل الشعوب التي خلقها”. فنقرأ:  “كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ (أي في المسيح) قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ” (أف4:1).  “أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ” (2تس13:2).  “الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ…” (1بط1: 1-2).  “لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ” (رو29:8). ويتسائل الأخ ناشد حنا: هل عندما يختار الرب واحداً للخلاص، معنى ذلك أنه رفض الآخر؟ ويجيب: كلا. الرب لا يرفض أحداً، الرب اختار فقط للخلاص، لكن الذين رفضوا هم الذين لم يقبلوا الدعوة ولم يطيعوا الرب. وما يؤكد هذا ما قاله بولس في الآيات التالية: “فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَلَعَلَّ عِنْدَ اللهِ ظُلْمًا؟ حَاشَا! 15لأَنَّهُ يَقُولُ لِمُوسَى:«إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ، وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ». 16فَإِذًا لَيْسَ لِمَنْ يَشَاءُ وَلاَ لِمَنْ يَسْعَى، بَلْ ِللهِ الَّذِي يَرْحَمُ” (رو9: 14-16). أرجو أن تلاحظ أنه لم يقل «إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ، وَأَهلك من أهلك» كلا. بل قال: «وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ». فالرب عنده الرحمة والرأفة فقط، أما الهلاك فيجلبه الإنسان على نفسه برفضه لنعمة الرب. وقد تسألني: وما معنى قول الرسول بولس في عدد 18 “فَإِذًا هُوَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُقَسِّي مَنْ يَشَاءُ”. أقول لك إن الرب لا يمكن أن يكون مصدر القساوة وسببها فهذا يتعارض مع آيات عديدة في الكتاب المقدس مثل (تك25:18، يع1: 17،13). إنما الإنسان هو الذي يقسي قلبه “الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ” (مز95: 8،7). فالمقصود هو أن الرب بعد أن يكلم الإنسان عشرات بل ومئات المرات بطرق مختلفة والإنسان يرفض، يسلمه إلى قساوة قلبه كما قال لشعبه في القديم: «اِسْمَعْ يَا شَعْبِي فَأُحَذِّرَكَ… 9لاَ يَكُنْ فِيكَ إِلهٌ غَرِيبٌ، وَلاَ تَسْجُدْ لإِلهٍ أَجْنَبِيٍّ. 10أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ، الَّذِي أَصْعَدَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. 11فَلَمْ يَسْمَعْ شَعْبِي لِصَوْتِي، وَإِسْرَائِيلُ لَمْ يَرْضَ بِي. 12فَسَلَّمْتُهُمْ إِلَى قَسَاوَةِ قُلُوبِهِمْ، لِيَسْلُكُوا فِي مُؤَامَرَاتِ أَنْفُسِهِمْ” (مز81: 8-12). وكما أعلن ذلك الرسول بولس: “لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ \للهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى \لنَّجَاسَةِ …. لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ \للهُ إِلَى أَهْوَاءِ \لْهَوَانِ…. وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا \للهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ أَسْلَمَهُمُ \للهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ” (رو1: 24و26و28) (راجع أيضاً: رو1: 22- 24، 9: 14- 17). وما يؤكد ذلك هو أن الرسول بولس يقول في عدد 19 “فَسَتَقُولُ لِي:«لِمَاذَا يَلُومُ بَعْدُ؟ لأَنْ مَنْ يُقَاوِمُ مَشِيئَتَهُ؟». إن مشيئته أن الجميع يخلصون، أن يتوب ويرجع كل إنسان عن شره، لذلك يرسل له مئات الأصوات، ومن يرفض هذه الأصوات يقاوم مشيئته، لذلك يتركه الرب لقساوته، ولا يقدر أن يلوم الرب لأنه قاوم مشيئته، فهي ترد في ترجمة كتاب الحياة: “هُنَا سَتَقُولُ لِي: «لِمَاذَ يَلُومُ بَعْدُ؟ مَنْ يُقَاوِمُ قَصْدَهُ؟». وقد تسأل وماذا عن قول الرسول: “أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا:«لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟» 21أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ، أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟ (رو9: 20-21). أقول إن الرسول بولس يريد أن يؤكد فكرة سلطان الرب، فيقول إن كان للخزاف سلطان على الطين أن يصنه منه إناء للكرامة وآخر للهوان، فكم بالحري يكون الرب له كل السلطان علينا أن يفعل بنا ما يشاء، لكنه لا يفعل، إنه يصنع فقط آنية للكرامة، لأن طبيعته نور ومحبة وقداسة وصلاح وجود (مز9:145).  لذلك يستطرد بولس قائلاً: “فَمَاذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُوَّتَهُ، احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ”. لاحظ أن الرسول لا يقول إن الله هيأ تلك الأواني للهلاك، حاشا، بل “آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ”، والكلمة “مُهَيَّأَةً” (اسم مفعول في صيغة المبني للمجهول) مما يدل على أنه ليس المسؤول عن تهيئتها للهلاك، بل هي التي هيأت نفسها للهلاك. وفي محبته “احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ” فلا يمكن أن يكون قد أعدها للهلاك، بل يطيل أناته عليها، لأنه لا يشاء أن يهلك أناس. ثم يكمل في عدد23 : “وَلِكَيْ يُبَيِّنَ غِنَى مَجْدِهِ عَلَى آنِيَةِ رَحْمَةٍ قَدْ سَبَقَ فَأَعَدَّهَا لِلْمَجْدِ”. أرجو أن تلاحظ الفرق، إنه يعد أواني الرحمة، أما أواني الهلاك فقد هيأت نفسها لذلك. إنه يسر بالرأفة (مي18:7)، بينما الدينونة هي عمله الغريب (إش21:28). إنه يسر بأن يعطينا الملكوت، ولكن لا نقرأ عن جماعة أعطاهم جهنم. إننا نقرأ عن من سُجِلَت أسماؤهم في السموات (لو20:10)، لكن لا نقرأ عن من سُجِلَت أسماؤهم في جهنم. وفي يوم الدينونة العظيم سيُفتَح سِفْرِ الْحَيَاةِ ويُطرَح فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ كلّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوباً فِيه (رؤ15:20). ولكننا لا نقرأ عن سفر الهلاك ، ليهلك كل من سبق فكتبهم في هذا السفر. وسيقول للذين عن اليمين: “تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ” (مت34:25). لكنه لن يقول لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: “اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لكم” بل “إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ”  (مت41:25). إن فكرة اختيار مجموعة من البشر للهلاك الأبدي تنقض تماماً قول الرب يسوع: “مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا” (يو37:6).

(6) لماذا أبغض الرب عيسو؟ أود أن أؤكد أن قول الرب “أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ” (ملا1: 2-3) لم يذكره الرب لرفقة مطلقاً، ولم يقل الرب إطلاقاً قبل أن يولدا «أحببت يعقوب وأبغضت عيسو»، بل قال هذا في آخر أسفار العهد القديم، بعد موت عيسو بحوالي 1400 سنة، بعدما أثبت عيسو عداوته ليعقوب، بل عداوته للرب أيضاً، كما أثبت استخفافه بكل المقدسات الإلهية: احتقاره للبكورية والبركة، ولدعوة الرب، بعد أن ظهرت شخصيته ووحشيته، بل وبعد أن كان نسله يسعى وبقوة لتدمير شعب الرب، ولإفساد المخطط الإلهي لخلاص البشرية، فالكلام كان عن نسل عيسو. وفي الحقيقة عندما نقرأ تاريخ عيسو الشخصي وتاريخ نسله في الكتاب المقدس سنجد أنه  تاريخ أسود تماماً. ويكفي أن نقرأ ما سجله كاتب الرسالة إلى العبرانيين عنه: لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِيًا أَوْ مُسْتَبِيحًا كَعِيسُو، الَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ”(عب16:12). وكلمة مستبيح في أصلها تعني لا مقدسات في حياته، يعطي نفسه حق التصرف فيما لا يحق له أن يتصرف فيه، فالاستباحة تبيح كل شئ بلا ضوابط وبلا قيم. ويقول الأب متى المسكين: “لقد شاع في أن عيسو كان صياد نساء كما كان صياد غزلان”. ويقول العلامة اليهودي فيلو: “كان عيسو إنسان غير منضبط، شهواني، محب للفسق، غير طاهر”. لقد باع عيسو المستبيح بكوريته بطبق عدس (تك 25: 27-32)، وبالتالي خسر البركة. لقد كانت البركة والبكورية يسيران معاً، كان البكر هو سيد العائلة وممثلها أمام الرب وكاهنها – يقدم الذبائح نيابة عنها ويصلي معها ويباركها ويرث في المستقبل نصيب أثنين، لكن عيسو احتقر البكورية، ها نحن نسمعه يقول: «هَا أَنَا مَاضٍ إِلَى الْمَوْتِ فَلِمَاذَا لِي بَكُورِيَّةٌ؟» (تك25: 32). لم يكن للبكورية قيمة أو معنى في حياته، كان أعمى عن كل القيم الروحية الغالية، فهذه الأمور لا تقدر بثمن. للأسف هناك من يبيع الغالي بالرخيص، والأبدي بالزمني. قال الكسندر هوايت لقد باعها في سره آلاف المرات قبل أن يبيعها علانية. لقد خسر عيسو البكورية والبركة، ولا يلومن أحد الرب على ذلك، فلقد باع عيسو البكورية بكامل إرادته ووعيه.  وما أجمل تعليق الأخ الحبيب يوسف رياض إذ يقول: “حقاً لا يقدر عيسو أن يقول إنه خسر البكورية لأن الرب أراد له ذلك، أو أن قضاء الرب وقدره هما المسؤولان. كلا، فليس قَدَر الرب بل قدْر العدس. ولا أقول قِدر العدس، فالثمن الذي به باع بكوريته لم يكن قدراً من العدس، بل مجرد “طبق عدس”!”.   ويعوزني الوقت لو أخبرت عن نسل عيسو السيىء الردئ فهم أيضاً نظير أبيهم بل أسوأ. فنحن لا ننسى عماليق حفيد عيسو، أول شعب هاجم بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر (خر8:17، عد45:14) (1صم15: 1-4)، فنقرأ: «اُذْكُرْ مَا فَعَلهُ بِكَ عَمَالِيقُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكَ مِنْ مِصْرَ. 18كَيْفَ لاقَاكَ فِي الطَّرِيقِ وَقَطَعَ مِنْ مُؤَخَّرِكَ كُل المُسْتَضْعِفِينَ وَرَاءَكَ وَأَنْتَ كَلِيلٌ وَمُتْعَبٌ وَلمْ يَخَفِ اللهَ» (تث17:25-19). وتحالفوا مع المديانيين لتدمير بني إسرائيل (قض6: 1-5). ثم نقرأ عن اجاج الذي جاء من عماليق (1صم 15)، ثم هامان الرديء الذي هو من سلالة أجاج (إس3: 1، 8: 3). إن خطايا نسل عيسو لا تعد ولا تحصى، فنقرأ في سفر عوبديا: “تَكَبُّرُ قَلْبِكَ قَدْ خَدَعَكَ أَيُّهَا السَّاكِنُ فِي مَحَاجِئِ الصَّخْرِ، رِفْعَةَ مَقْعَدِهِ، الْقَائِلُ فِي قَلْبِهِ: مَنْ يُحْدِرُنِي إِلَى الأَرْضِ؟ مِنْ أَجْلِ ظُلْمِكَ لأَخِيكَ يَعْقُوبَ، يَغْشَاكَ الْخِزْيُ وَتَنْقَرِضُ إِلَى الأَبَدِ. 11يَوْمَ وَقَفْتَ مُقَابِلَهُ يَوْمَ سَبَتِ الأَعَاجِمُ قُدْرَتَهُ، وَدَخَلَتِ الْغُرَبَاءُ أَبْوَابَهُ، وَأَلْقَوْا قُرْعَةً عَلَى أُورُشَلِيمَ، كُنْتَ أَنْتَ أَيْضًا كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ…. كَمَا فَعَلْتَ يُفْعَلُ بِكَ. عَمَلُكَ يَرْتَدُّ عَلَى رَأْسِكَ” (عو3-15).  ويقول عاموس: هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِ أَدُومَ الثَّلاَثَةِ وَالأَرْبَعَةِ لاَ أَرْجِعُ لأَنَّهُ تَبِعَ بِـالسَّيْفِ أَخَاهُ وَأَفْسَدَ» (عاموس1: 11).  وأخيراً نقرأ عن الهرادسة في الأناجيل وسفر الأعمال، تلك العائلة المستبيحة والقاتلة! فبغضة الرب لعيسو هى إذاً بغضة بارة، لا يشوبها ذرة واحدة من الظلم، لأنه يستحق البغضة.

(7) ما معنى كلمة أبغضت؟ إن المشكلة الحقيقية تكمن في كلمة “أبغضت”، وأنا أرجو أن ندرك أن هذه المحبة وهذه البغضة لا علاقة لها البتة بالاختيار الأزلي أو المستقبل الأبدي، وإنما تعني أمرين: أولاً هي لا تعني يكره أو يحقد أو يعادي، بل تعني محبة أقل، أي أن هذه المحبة إذا قورنت بالمحبة الأخرى تبدو وكأنها كراهية. فمثلاً يقول الكتاب إن يعقوب أحب راحيل أكثر من ليئة. ثم يقول بعد ذلك «وَأَحَبَّ أَيْضاً رَاحِيلَ أَكْثَرَ مِنْ لَيْئَةَ. وَعَادَ فَخَدَمَ عِنْدَهُ سَبْعَ سِنِينٍ أُخَرَ. وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ لَيْئَةَ مَكْرُوهَةٌ فَفَتَحَ رَحِمَهَا» (تك29: 30، 31). الكتاب إذا أوضح أن يعقوب أحب كلا من راحيل وليئة، إلا أنه أحب راحيل أكثر، فمن هذا المنطلق اعتُبرت ليئة مكروهة. وهو نفس المعنى الذي قصده الرب في(لو26:14) عندما قال: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا“. إن كانت التلمذة للمسيح تعني أن نعيش قيم المسيح من حب وتسامح وعطاء، فكيف يضع المسيح البغض كشرط أساسي من شروط التلمذة؟ وكيف يبغض الإنسان والديه والوصية الخامسة من الوصايا العشر تقول: “أكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ” (خر12:20).  لكن عندما نعود للنص الموازي لهذا في إنجيل متى نفهم معنى كلمة “يُبْغِضُ” فنقرأ: “مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي” (مت37:10). فالفكرة هنا أنه يجب أن تكون محبتنا للرب محبة كاملة ومطلقة وبلا حدود، وغير مشروطة، بحيث إذا قارنا محبتنا لأي شخص آخر بل ولأقرب شخص بمحبتنا للرب تبدو وكأنها بغضة.  والمعنى الثاني المكمل والهام هو ما نتعلمه من العهد الجديد وهو أن الرب لا يبغض الشخص ولكن يبغض أفعاله، إنه يحب الخاطئ، لكنه يكره أفعاله، فقد قال الرب في (رؤ6:2) إنه يكره أعمال النُّقولاويين، لكنه يحب النُّقُولاويين أنفسهم، ويريد توبتهم.

(8) لماذا أحب الرب يعقوب؟ جاءت إحدى السيدات إلى الواعظ الشهير سبرجن وسألته بحيرة شديدة: كيف يقول الرب: «أحببت يعقوب وأبغضت عيسو»؟ فسألها الواعظ المشهور عن ما هو الجزء الذي يحيرها؟ أجابته الجزء الذي يقول إن الرب أبغض عيسو. رد عليها سبرجن قائلاً: ياسيدتي هذا الجزء بالنسبة لي لا يمثل مشكلة، إنما المشكلة الحقيقية عندي والتي لا أدري لها حلاً، هى لماذا أحب الرب  يعقوب؟ نعم فمن دراستنا للكتاب المقدس نعرف أنه لم يكن في يعقوب على الاطلاق ما يجعل الرب يحبه، بل كان فيه كل ما من شأنه أن يجعل الرب يبغضه، تماماً كما فعل مع عيسو، بل ربما أكثر، فما يذهلنا هو محبة الرب للخاطئ الذي لا يستحق إلا الهلاك والموت، ولا يستحق أية محبة. ولكن الإجابة على هذا السؤال ليست مستحيلة فقد أعلنها الرب بنفسه وهي النعمة، فمحبة الرب للخاطئ هي من نعمته وحدها، بلا استحقاق في الخاطئ. لقد كان عيسو مستحقاً للعقوبة الإلهية، ولم يكن يعقوب مستحقاً للنعمة الإلهية. ولكن بوضوح لنسل يعقوب: «ليْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ التَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. بَل مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ وَحِفْظِهِ القَسَمَ الذِي أَقْسَمَ لآِبَائِكُمْ» (تث7: 7،8)، وقال أيضاً: «لاَ مِنْ أَجْلِكُمْ أَنَا صَانِعٌ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ, فَلْيَكُنْ مَعْلُوماً لَكُمْ. فَـاخْجَلُوا وَاخْزُوا مِنْ طُرُقِكُمْ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ» (حز26: 32)، وقال أيضاً: «أَنَا…أُحِبُّهُمْ فَضْلاً» (هوشع 14: 4) لقد أحبهم الرب إذاً بفضل نعمته المطلقة، ولا أجد ما أختم به إلا أن أقول: كم نشكر الرب لأجل نعمته الغنية فكلنا يعقوب ولكن شملتنا نعمته.

 

المصدر : القس عزت شاكر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات