عاموس 3: 6 »هل تحدث بليَّة في مدينة والرب لم يصنعها؟«.

هل الرب يصنع البلية؟   يسأل البعض: نجد صعوبة كبيرة في فهم كلمات عاموس النبي: “هَلْ تَحْدُثُ بَلِيَّةٌ فِي مَدِينَةٍ وَالرَّبُّ لَمْ يَصْنَعْهَا؟” (عا6:3). ألا تدل هذه الآية على أن الرب هو مصدر الكوارث والآلام التي تصيبنا؟

 

وللإجابة على هذا السؤال أقول:  لكي نفهم هذه الآية فهماً صحيحاً علينا أن نسأل: متى كتب عاموس هذه الكلمات؟ ولمن وجهها؟ وما هي مناسبتها؟ وما هي القرينة التي قيلت فيها؟ يذكر عاموس في مستهل سفره أنه تنبأ في أيام عزيا ملك يهوذا، وفي أيام يربعام بن يوآش ملك إسرائيل قبل الزلزلة بسنتين (عا1: 1). ومن هنا نستطيع أن نحدد تاريخ خدمة عاموس. فقد ملك عزيا 52 سنة من 785- 734 ق.م تقريباً، وملك يربعام بن يوآش 41 سنة من 785 – 745 ق.م تقريباً وبذلك نستطيع أن نقول: إنه تفوه بهذه الكلمات عام 760 تقريباً.    وقد كان عاموس من “تقوع” (عا1: 1) وهي قرية جبلية جنوب أورشليم بحوالي 15 كيلومتر. وقد دعاه الرب من وراء الضأن ليذهب إلى المملكة الشمالية “مملكة إسرائيل” ويتنبأ عليها (عا7: 14،15). فترك عاموس بلده ومملكته وذهب بلا تردد حاملاً رسالة الرب إليهم.   كانت مملكة إسرائيل في ذلك الوقت في منتهى الشر والفساد، فقد كان ملكهم يربعام ابن يوآش ملكاً شريراً وفاسداً، وكان يسير على نفس نهج يربعام بن ناباط لذلك جعل إسرائيل يخطئ (2مل14: 24). وقد عم الفساد في كل أرجاء المملكة من غش ورشوة وسرقة وظلم للفقير وزنى وضلال، ويكفي أن تقرأ ما جاء في (عا2: 6-8، 5: 10-12، 21-24، 8: 4-6). لقد وصل الحال بهم إلى أنهم أبغضوا المنذر وكرهوا المتكلم بالصدق (5: 10)، وسقوا النذيرين خمراً وأوصوا الأنبياء أن لا يتنبأوا (2: 12).   لذلك جاء إليهم عاموس بلا تردد أو خوف حاملاً رسالة الدينونة، وكانت أول كلمات يوجهها إليهم: “مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِ يَهُوذَا الثَّلاَثَةِ وَالأَرْبَعَةِ لاَ أَرْجعُ عَنْهُ…” (عا2: 6). فالرب القدوس لا يتستر على الخطية أو الخطاة. ولذلك بدأ الأصحاح الذي فيه الآية التي ندرسها قائلاً: «إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ، لِذلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ» (3: 2). ولم يكن الرب قد أصدر حكماً نهائياً بالدينونة والعقاب، لأن الرب لا يريد الدينونة ولا العقاب، هو يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، هو لا يسر بموت الشرير، بل بأن يرجع عن طرقه الردية. وما يؤكد ذلك لنا ما قاله الرب للشعب على لسان عاموس أيضاً “لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ: «اطْلُبُوا فَتَحْيَوْا… 6اُطْلُبُوا الرَّبَّ فَتَحْيَوْا لِئَلاَّ يَقْتَحِمَ بَيْتَ يُوسُفَ كَنَارٍ تُحْرِقُ، وَلاَ يَكُونُ مَنْ يُطْفِئُهَا مِنْ بَيْتَ إِيلَ. (5: 4-6). ثم يعود ويؤكد “اُطْلُبُوا الْخَيْرَ لاَ الشَّرَّ لِكَىْ تَحْيَوْا 15 اُبْغُضُوا الشَّرَّ، وَأَحِبُّوا الْخَيْرَ، وَثَبِّتُوا الْحَقَّ فِي الْبَابِ، لَعَلَّ الرَّبَّ إِلهَ الْجُنُودِ يَتَرَاءَفُ عَلَى بَقِيَّةِ يُوسُفَ” (5: 14،15). لقد كان الرب يتمنى توبتهم ورجوعهم، ولكن للأسف لم يفعلوا إلا العكس، ويكفي أن يتكرر في أصحاح صغير خمس مرات عبارة “فَلَمْ تَرْجِعُوا إِلَيَّ” (4: 6، 8، 9، 10، 11) لقد َأَكْثِرُوا الذُّنُوبَ (4: 4)، وحَوِّلُوا الْحَقَّ أَفْسَنْتِينًا (5: 7)، وفرحوا بالبُطل والفساد (6: 13).

في هذا الإطار وردت كلمات عاموس “هَلْ تَحْدُثُ بَلِيَّةٌ فِي مَدِينَةٍ وَالرَّبُّ لَمْ يَصْنَعْهَا؟”   والسؤال: ما الذي قصده عاموس بهذه الكلمات؟  لقد رأى عاموس أن الأمة تزداد فساداً وزيغاناً، وفي نفس الوقت علم بالقوة الأشورية وأنها في تقدم دائم، فتساءل في نفسه: ما هي دلالة هذين الأمرين؟ وهل هناك علاقة بينهما؟ فقال: “هَلْ يَسِيرُ اثْنَانِ مَعًا إِنْ لَمْ يَتَوَاعَدَا؟” (3: 3). لقد أدرك أن هناك علاقة بينهما، وأن الكارثة قادمة، فأشور تتقدم يوماً بعد الآخر، وتكتسح البلاد والممالك المجاورة لها، وإسرائيل غارقة في الشر والفساد، وتعيش في سلام وهمي متكلة على شكليات الدين، وظناً منهم أنهم يمتلكون يهوه، وأن مجده مرتبط بنجاحهم وتفوقهم فلا يمكن أن يسلمهم فريسة لأي أمة مجاورة لهم لئلا يضيع مجده، فكانوا يعيشون في سلبية واستهتار ولا مبالاة.  ولذلك أعلن عاموس أن الخراب قادم، وهذه هي النتيجة الطبيعية للشر والفساد، فقال بوضوح “لأَنَّ الْجِلْجَالَ تُسْبَى سَبْيًا، وَبَيْتَ إِيلَ تَصِيرُ عَدَمًا” (5: 5). ثم كرر “لِذلِكَ الآنَ يُسْبَوْنَ فِي أَوَّلِ الْمَسْبِيِّينَ، وَيَزُولُ صِيَاحُ الْمُتَمَدِّدِينَ” (6: 7). ويؤكد “قَدْ أَقْسَمَ السَّيِّدُ الرَّبُّ بِنَفْسِهِ، يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ: «إِنِّي أَكْرَهُ عَظَمَةَ يَعْقُوبَ وَأُبْغِضُ قُصُورَهُ، فَأُسَلِّمُ الْمَدِينَةَ وَمِلأَهَا».  (6: 8). ويضيف: «لأَنِّي هأَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكُمْ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ، أُمَّةً فَيُضَايِقُونَكُمْ مِنْ مَدْخَلِ حَمَاةَ إِلَى وَادِي الْعَرَبَةِ» (6: 14).   وللأسف لم يتراجع الشعب عن شره، ولم يتب كما تاب أهل نينوى بل تمادوا في الشر والفساد لدرجة أن أمصيا رئيس كهنة بيت إيل قاوم عاموس وفتن عليه عند الملك يربعام قائلاً: “لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ عَامُوسُ: يَمُوتُ يَرُبْعَامُ بِالسَّيْفِ، وَيُسْبَى إِسْرَائِيلُ عَنْ أَرْضِهِ».  (عا7: 11). وطلب من عاموس أن يعود إلى بلده ولا يرجع مرة أخرى إلى إسرائيل، لكن عاموس واجهه بكل شجاعة قائلاً:  «فَالآنَ اسْمَعْ قَوْلَ الرَّبِّ: أَنْتَ تَقُولُ: لاَ تَتَنَبَّأْ عَلَى إِسْرَائِيلَ وَلاَ تَتَكَلَّمْ عَلَى بَيْتِ إِسْحَاقَ. 17لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: امْرَأَتُكَ تَزْنِي فِي الْمَدِينَةِ، وَبَنُوكَ وَبَنَاتُكَ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ، وَأَرْضُكَ تُقْسَمُ بِالْحَبْلِ، وَأَنْتَ تَمُوتُ فِي أَرْضٍ نَجِسَةٍ، وَإِسْرَائِيلُ يُسْبَى سَبْيًا عَنْ أَرْضِهِ» (7: 16،17).

لقد تأكد عاموس من نتيجة عدم تجاوب الشعب مع دعوته من أن الخراب قادم لا محالة، وأن الأمة الأشورية ستسبي إسرائيل وتذلها فترة من الزمن. وهنا يعلن عاموس أن الرب هو سيد التاريخ ومحرك الأحداث الذي يقود الأمم والممالك، لقد كان شعب إسرائيل يظن أن الرب مسيطر على تاريخ شعبه فقط، ولكن عاموس يعلن هنا أن الرب مسيطر على تاريخ الجنس البشري ككل فيقول: “هَلْ تَحْدُثُ بَلِيَّةٌ فِي مَدِينَةٍ وَالرَّبُّ لَمْ يَصْنَعْهَا؟”. فالتاريخ ليس فوضى، والأحداث ليست خبطاً عشوائياً. فالبلية القادمة على إسرائيل لم ولن تخرج عن دائرة سلطان الرب.   إن الرب لا يريد البلية ولن يسر بها، ويتمنى أن يرجع الشعب عن شره حتى لا يحصد الثمرة الطبيعية لأفعاله، ولكن إن لم يرجع فكل ما يحدث خاضع لسلطانه، وهذا ما أطلق عليه عاموس “يصنعها”. وقد أعلن الرب بوضوح على فم إشعياء قائلاً: “وَيْلٌ لأَشُّورَ قَضِيبِ غَضَبِي” (إِش 10: 5). فقد كانت أشور قضيب غضب في يمين الرب.   ولعلك تسأل: لماذا يقول ويل لهم؟ ألم يكونوا قضيب غضب في يده؟ نقول نعم كانوا قضيب غضب في يده ولكنهم فعلوا كل ما فعلوا بمطلق إرادتهم الحرة، وهذا ما شهدوا به عن أنفسهم قائلين: «بِقُدْرَةِ يَدِي صَنَعْتُ، وَبِحِكْمَتِي. لأَنِّي فَهِيمٌ. وَنَقَلْتُ تُخُومَ شُعُوبٍ، وَنَهَبْتُ ذَخَائِرَهُمْ، وَحَطَطْتُ الْمُلُوكَ كَبَطَل. 14فَأَصَابَتْ يَدِي ثَرْوَةَ الشُّعُوبِ كَعُشٍّ، وَكَمَا يُجْمَعُ بَيْضٌ مَهْجُورٌ، جَمَعْتُ أَنَا كُلَّ الأَرْضِ» (إش10: 13-14). لقد كان الأشوريون يريدون بمحض اختيارهم وحريتهم أن يسبوا الشعوب المجاورة لهم ويذلوهم ويأخذوا ممتلكاتهم، وقد تركهم الرب لأفكارهم الشريرة، وذلك لأنه قضي بحرية إرادة الإنسان، ولكنه أدار بحكمته وقدرته مقاصدهم فأصبحوا قضيب غضب في يده، ثم بعد ذلك يتم عقابهم على شرورهم.

أرجوا أن تلاحظ هنا أن البلية لم يكن الرب صانعها ولا مدبرها، ولم يسر بها، إنما تمت بسبب فساد شعب إسرائيل واستهتارهم، وفي نفس الوقت شر أشور وطموحهم المريض وشهوة التملّك وسفك الدماء التي سيطرت عليهم، فعندما التقى استهتار إسرائيل بجموح أشور تمت البلية. فاستخدم الرب البلية بحكمته اللامتناهية في تحقيق أغراضه العليا، وهذا ما جعل عاموس يقول عن الرب أنه “يصنعها” بمعنى المتحكم فيها والمسيطر على الكون والأحداث، والذي يستطيع أن يحول الشر إلى خير.

 

المصدر : القس عزت شاكر . 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات