دانيال 9: 24-26 لا يصدق على المسيحيين

قال المعترض: «ما جاء في دانيال 9: 24-26 لا يصدق على المسيحيين، لأن يوسيفوس يقول إنه قد مضت 600 سنة بين إطلاق كورش لبني إسرائيل ليرجعوا إلى بلادهم (عزرا 1) وولادة المسيح. وجاء في كتاب »مرشد الطالبين« (جزء 2 فصل 20) أن رجوع بني إسرائيل من السبي وتجديدهم الذبائح في الهيكل، كان سنة أطلقهم كورش، وهي 536 ق.م، مع أن سبعين أسبوعاً هي 490 سنة، فمن الواضح أن المقصود هنا ليس هو مسيح بني إسرائيل«.

 

وللرد نقول: أصدر كورش أمراً ببناء الهيكل فقط، ولكنه لم يصدر أمراً ببناء أورشليم. وقد فرَّق النبي دانيال بين الأمرين، لأن كورش، رغبةً منه في رضى الآلهة، سمح بإعادة بناء الهيكل. ولكنه لم يسمع بإعادة بناء أسوار أورشليم وحصونها لئلا تثور عليه. واعتُبر بناء الهيكل نهاية سنوات السبي السبعين. وأورد عزرا 1: 2، 3 نصَّ أمر الملك: «هكذا قال كورش ملك فارس: جميع ممالك الأرض دفعها لي الرب إله السماء، وهو أوصاني أن أبني له بيتاً في أورشليم التي في يهوذا. مَنْ منكم مِن كل شعبه ليكنْ إلهه معه ويصعد إلى أورشليم التي في يهوذا فيبني بيت الرب إله إسرائيل. هو الإله الذي في أورشليم». ولم يذكر في أمره كلمة عن بناء أورشليم. ولكن تمَّ بناء أورشليم في عهد ملكٍ آخر هو  أرتحششتا لونجيمانوس، الذي بدأ حكمه سنة 464 ق.م وحكم 40 سنة وثلاثة أشهر، وفي عهده تولى نحميا حُكم اليهودية. وكان نحميا أولاً ساقي الملك أرتحششتا عندما بلغته أخبار بني إسرائيل التعيسة فاغتمّ. ولاحظ الملك ما به من الكمد، ولما عرف منه سبب ذلك عيّنه والياً على اليهودية، وفوّض له تحسين أورشليم وأعطاه أمراً ملكياً بذلك. وبناءً على ذلك سافر نحميا إلى اليهودية ومعه ضباط وجنود وفرسان. فهذا هو الأمر الملكي الذي يوافق أقوال النبي دانيال. وأجمع المؤرخون على أن صدور الأمر ببناء أورشليم كان في السنة العشرين من حكم أرتحششتا، ولكنهم اختلفوا بعض الاختلاف في ابتداء حكمه. فحقق العلاّمة هنجستنبرج أنه كان سنة 474 ق.م، وعليه تكون السنة العشرون من أرتحششتا هي سنة 454 ق.م. فإذا طرحنا هذه المدة من حاصل ضرب 69 أسبوعاً في 7، (وهي المدة التي قال عنها النبي دانيال في 9: 25) كان الباقي 29 سنة ميلادية، وهي سنة بداية خدمة المسيح العلنية. وبيان ذلك أن النبي دانيال قسّم السبعين أسبوعاً إلى ثلاثة أقسام:

(1) القسم الأول: سبعة أسابيع (أي 49 سنة) وهو مدة تجديد أورشليم وبنائها. وقد صرف نحميا هذه المدة في بناء أورشليم، ثم نظم أحوال بني إسرائيل، وكان ذلك في السنة 49 من صدور أمر أرتحششتا (سنة 454 ق.م) وكان نحميا قد تعيّن والياً على اليهودية مرتين: وكانت مدة ولايته الأولى 12 سنة. وفي سنة 32 رجع إلى أرتحششتا، ثم استأذن من الملك ليرجع إلى أورشليم (نحميا 13: 6 و7) فصرّح له. وقد عمَّر نحميا طويلاً. فإذا كان عمره لما شرع في تجديد أورشليم 30 سنة، وصرف 49 سنة في بنائها، يكون قد عاش 79 سنة، وقد قال المؤرخ يوسيفوس إنه كان هَرِماً.

(2) القسم الثاني: وهو 62 أسبوع×7 =434 سنة، من تجديد الهيكل إلى مجيء المسيح. فيكون صدور الأمر بتجديد أورشليم إلى مجيء المسيح 483 سنة. وقلنا إن بدء حكم أرتحششتا كان في سنة 474 ق.م. وبما أنه أصدر الأمر في السنة العشرين، فيكون التاريخ سنة 454 ق.م. فإذا طرحناه من 483 سنة كان 29 سنة ميلادية، وهي سنة دعوة المسيح للناس إلى طريق الخلاص. وقد راعى النبي دانيال هذه النقطة المقصودة بالذات.

(3) القسم الثالث: هو الأسبوع. قال النبي إن المسيح يُقطع في وسط هذا الأسبوع، وليس لأجل نفسه، بل لأجل غيره. ومَنْ يتأمل إنجيل يوحنا يجد أن مدة دعوة المسيح وخدمته هي ثلاث سنين ونصف. ولما قدم نفسه ذبيحة بطلت من ذلك الوقت الذبائح الأخرى، التي لم تكن لها قوّة في حد ذاتها، وكانت رمزاً إلى ذبيحة المسيح، فزالت قوتها كما قال النبي. أم »رِجس المخرَّب« الذي تحدث عنه النبي دانيال  (11:31 و12: 11) فقد قال المؤرخ يوسيفوس إنه يصف دخول الرومان الهيكل المقدس بأعلامهم، ووضعوها على البوابة الشرقية وقدموا لها الذبائح. فاعتبر بنو إسرائيل هذا رجسة الخراب. ومن هذا يتَّضح:

(1) لم يُحمل اليوم على المعنى المجازي، كما ادّعى المعترض، لأن معنى الأسبوع لغةً هو سبعة.

(2) كان النبي دانيال يتأمل في السبعين سنة، مدة سبي بني إسرائيل، فقال له الملاك: «سبعين أسبوعاً».

(3) لا يجوز  أن نحسب بدء مدة 490 من صدور أمر كورش، فقد كان أمره قاصراً على تجديد الهيكل. وقال النبي دانيال: «من وقت تجديد المدينة وبنائها« ولم يذكر الهيكل. ومن وقت تجديد المدينة وبنائها إلى مجيء المسيح هو 490 سنة بالتمام والكمال.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات