حزقيال 4 : 12 -15 هل الرب إله يأمر الإنسان بأكل البراز؟

حزقيال 4 : 12 -15 هل الرب إله يأمر الإنسان بأكل البراز؟    “وَتَأْكُلُ كَعْكاً مِنَ الشَّعِيرِ. عَلَى الْخُرْءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ تَخْبِزُهُ أَمَامَ عُيُونِهِمْ». 13وَقَالَ الرَّبُّ: [هَكَذَا يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ خُبْزَهُمُ النَّجِسَ بَيْنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَطْرُدُهُمْ إِلَيْهِمْ». 14فَقُلْتُ: [آهِ يَا سَيِّدُ الرَّبُّ, هَا نَفْسِي لَمْ تَتَنَجَّسْ. وَمِنْ صِبَايَ إِلَى الآنَ لَمْ آكُلْ مِيتَةً أَوْ فَرِيسَةً, وَلاَ دَخَلَ فَمِي لَحْمٌ نَجِسٌ». 15فَقَالَ لِي: [اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ لَكَ خِثْيَ الْبَقَرِ بَدَلَ خُرْءِ الإِنْسَانِ فَتَصْنَعُ خُبْزَكَ عَلَيْهِ» (حز 4:12 – 15). يقول د. منقذ بن محمود السقار وهو يهاجم إله العهد القديم: “ويذكر سفر حزقيال أن الرب أمر نبيه حزقيال بأوامر كثيرة منها أنه أمره وبني إسرائيل أن يأكلوا كعك الشعير مخبوزاً مع فضلات الإنسان، ولما صعب الأمر على حزقيال، خصه وسمح له أن يخبز كعكة الشعير مع فضلات البقر، بدلاً من فضلات الإنسان”. فهل هذا معقول؟.   هل فعلاً أمر الرب حزقيال أن يأكل كَعْكاً بالْخُرْءِ؟  لكي نفهم الآيات السابقة لابد أن نعرف ما هو الْخُرْء؟ وما هي الخلفية التاريخية لهذا الموقف؟ ولماذا طلب الرب من حزقيال هذا الطلب؟

أولاً: ما هو الْخُرْء؟ (الْخُرْء) هو فضلات الإنسان أو الحيوان، وهو في اللغة الإنجليزية (dung)، وكانت – ولا تزال – تُستَخدم كسماد بلدي بعد أن يتم خلطها بالتراب والتبن والقش وتركها لفترة طويلة حتى تجف، ثم تُفَكك ويتم نثرها في الحقول لتسميدها، ونجد هذا التشبيه في: (مز10:83) “بَادُوا فِي عَيْنِ دُورٍ. صَارُوا دِمْناً لِلأَرْضِ”.  الكلام هنا عن أعداء الرب فيقول “صَارُوا دِمْناً لِلأَرْضِ”، والدمن هو السماد البلدي، فترد في ترجمة (ك ح) “بَادُوا فِي عَيْنِ دُورٍ، وصَارُوا زِبْلاً للأَرْضِ”. (إش25:5) “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى شَعْبِهِ وَمَدَّ يَدَهُ عَلَيْهِ وَضَرَبَهُ حَتَّى ارْتَعَدَتِ الْجِبَالُ وَصَارَتْ جُثَثُهُمْ كَالزِّبْلِ فِي الأَزِقَّةِ” والكلمة في اللغة العبرية المُترجمة (الْخُرْء) هنا هي (בגללי) (جيليل)، يقول عنها قاموس (Brown): هي فضلات الإنسان أو الحيوان وتُسمى في اللغة العربية (الجُلَّةٌ) وتُستَخدَم كوقود   وكذلك تقول عنها بعض القواميس الأخرى : هي في اللغة العربية (الجُلَّة)، وهي مصنوعة من الفضلات الجافة وتُستَخدَم كوقود   وقد وردت هذه الكلمة 4 مرات في العهد القديم؛ منها مرتين في هذا الأصحاح لتعبر عن فضلات الإنسان و فضلات البقر والمرتين الأخرتين ترجمتا (جُلَّة) فنقرأ: (حز 4:12) “وَتَأْكُلُ كَعْكاً مِنَ الشَّعِيرِ. عَلَى الْخُرْءِ (בגללי) الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ تَخْبِزُهُ أَمَامَ عُيُونِهِمْ». (أي20: 7) “كَجُلَّتِهِ (כגללו) إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُ. الَّذِينَ رَأَوْهُ يَقُولُونَ: أَيْنَ هُوَ؟”. أي مثل الجُلة سيحترق ولا يكون له وجود. (صف1: 17) “وَأُضَايِقُ النَّاسَ فَيَمْشُونَ كَالْعُمْيِ، لأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا إِلَى الرَّبِّ، فَيُسْفَحُ دَمُهُمْ كَالتُّرَابِ وَلَحْمُهُمْ كَالْجِلَّةِ (כגללים)”.

ما هي الجِلَّةٌ؟ هي عباره عن فضلات البهائم بعد خلطها بقليل من القش، وتقطيعها إلى قطع صغيرة، وتركها في الشمس حتى تجف. ثم تُستَخدَم كوقود، وتمتاز بأنها غير مُكلِّفة، وسهلة التحضير، فلا تحتاج مجهود في تقطيعها أو نقلها أو تصنيعها. وهي بهذا الشكل:   وكانت تُستَخدم بعد ذلك في الأفران البلدي في القرى    في هذه الأفران يُصنَع الخبز فالخرء (الجُلَّة) لا تُخلَط بالخبز ولكن تُستَخدم كوقود لتسوية الخبز عليها، فقد كانت توضع في فتحة سفلية في الفرن، بينما يوضع الخبز في فتحة أخري في مستوي أعلى. ومن يقول: إن الخرء يخلط بالدقيق أو العجين فهو غير أمين، ولا يعرف الخلفية التاريخية.  ثانياً: ما المقصود بكلمة تَخْبِزُه:  إن الفعل (تَخْبِزُهُ) في اللغة العبرية هو (תעגנה) من (خَبَز) (עוּג) (عوج) ويعني يشعل النار على العجين لتسويته  وجاء في قاموس آخر: المقصود تسوية الخبز المستدير علي حجر سخن، أو على الفحم أو النار من الوقود . وكان اليهود لا يستخدمون (الجُلَّة) كوقود لأنهم كانوا يعتبرون أن لمس براز الحيوانات نجاسة، وبالتالي كانوا لا يصنعون (الجُلَّة).

ثانياً: عن ماذا يتكلم الرب مع حزقيال؟ يتكلم الرب بالنبوة في الأصحاح الرابع من سفر حزقيال عن خراب أورشليم القادم بسبب شر الشعب وفساده وابتعاده عن الرب، فيذكر أن المدينة ستدخل حصاراً شديداً وقاسياً لفترة طويلة، ولن يجدوا ما يأكلون أو يشربون، وهنا يطلب من حزقيال أن يقدِّم مشهد تمثيلي للشعب يُبيِّن لهم فيه ما سيحدث لهم من خراب ودمار كإنذار أخير لعلهم يتوبون عن شرورهم فنقرأ:  آية 1 «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ لِبْنَةً وَضَعْهَا أَمَامَكَ، وَارْسُمْ عَلَيْهَا مَدِينَةَ أُورُشَلِيمَ“. هنا يطلب الرب منه أن يرسم أورشليم علي لبِنَة؛ أي لوح من الطوب اللبِن، أي لم يُحرَق بعد، فيمكن حفر الرسم عليه بسهولة. ثم يستكمل وصف الرسم للمدينة وهي محاصرة فيقول:  آية 2 “وَاجْعَلْ عَلَيْهَا حِصَارًا، وَابْنِ عَلَيْهَا بُرْجًا، وَأَقِمْ عَلَيْهَا مِتْرَسَةً، وَاجْعَلْ عَلَيْهَا جُيُوشًا، وَأَقِمْ عَلَيْهَا مَجَانِقَ حَوْلَهَا”. ويطلب الرب من حزقيال أن يوضح للشعب ما سيحدث له في أثناء الحصار بصورة تمثيلية أخرى وذلك لتوصيل التحذير الشديد بصورة أوضح فيقول:  3 وَخُذْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ صَاجًا مِنْ حَدِيدٍ وَانْصِبْهُ سُورًا مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ، وَثَبِّتْ وَجْهَكَ عَلَيْهَا، فَتَكُونَ فِي حِصَارٍ وَتُحَاصِرَهَا. تِلْكَ آيَةٌ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ…. 5 وَأَنَا قَدْ جَعَلْتُ لَكَ سِنِي إِثْمِهِمْ حَسَبَ عَدَدِ الأَيَّامِ، ثَلاَثَ مِئَةِ يَوْمٍ وَتِسْعِينَ يَوْمًا، فَتَحْمِلُ إِثْمَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ. 6 فَإِذَا أَتْمَمْتَهَا، فَاتَّكِئْ عَلَى جَنْبِكَ الْيَمِينِ أَيْضًا، فَتَحْمِلَ إِثْمَ بَيْتِ يَهُوذَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَقَدْ جَعَلْتُ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ عِوَضًا عَنْ سَنَةٍ. ويحدد الرب هنا أن الحصار سيكون لمدة 390 يوماً كفترة أولى، ثم تتلوها فتره ثانية لمدة أربعين يوماً، وبعدها ينجح جيش بابل في عمل ثغرات في السور، ويحطموا المدينة بالكامل  ثم يطلب منه أن يستكمل الطريقة التمثيلية ليوضح للشعب ما سيحدث لأُورُشَلِيم أثناء الحصار من جوع شديد، فيقول له:  9 «وَخُذْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ قَمْحًا وَشَعِيرًا وَفُولاً وَعَدَسًا وَدُخْنًا وَكَرْسَنَّةَ وَضَعْهَا فِي وِعَاءٍ وَاحِدٍ، وَاصْنَعْهَا لِنَفْسِكَ خُبْزًا كَعَدَدِ الأَيَّامِ الَّتِي تَتَّكِئُ فِيهَا عَلَى جَنْبِكَ. ثَلاَثَ مِئَةِ يَوْمٍ وَتِسْعِينَ يَوْمًا تَأْكُلُهُ». فالأكل سيكون قليلاً جداً، ومن النوع الردئ، لذلك يطلب منه أن يصنع الخبز من مواد رديئه وقليلة ويخلطهم معاً لكي يشبع، وفي الحقيقة مثل هذا الطعام لم يكن يأكله البشر بل كان يُقدَّم كعلف للبهائم، وكل هذا ليؤكد لهم أن الطعام بسبب الحصار سيكون رديئاً جداً وبكميات قليلة جداً. 10 وَطَعَامُكَ الَّذِي تَأْكُلُهُ يَكُونُ بِالْوَزْنِ. كُلَّ يَوْمٍ عِشْرِينَ شَاقِلاً. مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ تَأْكُلُهُ. والشاقل حوالي 10 جرام، أي كل ما يأكله في اليوم الواحد 200 جم وهو بالطبع غير كافي للشبع، وعبارة “مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ” أي أنه بالرغم من ردائته لكنه غير متوافر أيضاً لذلك سيأكل الناس عدد وجبات أقل. 11 وَتَشْرَبُ الْمَاءَ بِالْكَيْلِ، سُدْسَ الْهِينِ، مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ تَشْرَبُهُ. و “سُدْسَ الْهِينِ” أي حوالي 150 ملي، فهو قليل جداً، وهذا يدل على أن الماء أيضاً في فترة الحصار سيكون غير متوفر. 

ونأتي للآية محل التساؤل:  آية 12 وَتَأْكُلُ كَعْكًا مِنَ الشَّعِيرِ. عَلَى الْخُرْءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ تَخْبِزُهُ أَمَامَ عُيُونِهِمْ». وهنا يطب الرب من حزقيال أن يأكل كعكاً من الشعير، بشرط أن يستخدم الجُلة المصنوعة من فضلات الإنسان بدلاً من فضلات البهائم كوقود يخبز به. ويخبزه أمام عيون كل الشعب، وذلك لكي يعلن لهم أنه عندما يتم الحصار ستكون المجاعة شديدة، وسوف يستهلكون كل مواد الإيقاد من خشب وفحم وحطب وغيره، وبلا شك سوف يذبحون كل البهائم ويأكلونها ليعيشوا، وبالتالي سيختفي روث البهائم الذي كان من الممكن أن يصنعوا منه الجُلة ويستَخدَمونها كوقود لصنع الخبز، وبالتالي سيضطروا لصنع الجُلة من فضلات الإنسان بدلاً من فضلات البهائم ليكون لهم وقود. تخيل معي مدى الكارثة! فإن كانوا لا يستخدمون الجُلة المصنوعة من فضلات البهائم، لأنها بالنسبة لهم نجاسة، فكم بالحري الجُلة المصنوعة من فضلات الإنسان التي هي أكثر نجاسة؟! وأرجو أن تلاحظ أن الرب يقول: “وَتَأْكُلُ كَعْكًا مِنَ الشَّعِيرِ” فهو كعك مصنوع من الشعير فقط، ولكن يستخدم الجُلة المصنوعة من فضلات الإنسان في تسويتها.

لذلك كان يجب على المترجم أن يقدم فقرة على فقرة حتى يتضح المعنى تماماً كالآتي: “وَتَأْكُلُ كَعْكًا مِنَ الشَّعِيرِ، تَخْبِزُهُ أَمَامَ عُيُونِهِمْ، عَلَى الْخُرْءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ”. وهذا المعنى نراه واضحاً في كل التراجم الإنجليزية الآتية: (GNB)  You are to build a fire out of dried human excrement, bake bread on the fire, and eat it where everyone can see you.”  (GW)  Eat the bread as you would eat barley loaves. Bake the bread in front of people, using human excrement for fuel.”  (CEV)  Use dried human waste to start a fire, then bake the bread on the coals where everyone can watch you. (ISV)  You are to eat it as barley cakes and bake it right in front of them, using dried human dung for cooking fuel.”   (ESV)  And you shall eat it as a barley cake, baking it in their sight on human dung.”  (ERV)  You must make your bread each day. You must get dry human dung and burn it. Then you must cook the bread over this burning dung. You must eat this bread in front of the people”.    إذاً كل التراجم تؤكد أن الكعك يُخبَز عن طريق إشعال الجُلة المصنوعة من فضلات الإنسان كوقود. ولم يرضى حزقيال بهذا الأمر لأن يعرف أن لمس خرء الإنسان هو نجاسة بحسب الناموس، فترجى الرب أن لا يصنع بشعبه هكذا فنقرأ: 14 فَقُلْتُ: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، هَا نَفْسِي لَمْ تَتَنَجَّسْ. وَمِنْ صِبَايَ إِلَى الآنَ لَمْ آكُلْ مِيتَةً أَوْ فَرِيسَةً، وَلاَ دَخَلَ فَمِي لَحْمٌ نَجِسٌ». فسمح الرب له بأن يستخدم الجُلة المصنوعة من فضلات البقر بدل الجُلة المصنوعة من فضلات الإنسان ليصنع عليها الخبز فنقرأ:  آية 15 فَقَالَ لِي: «اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ لَكَ خِثْيَ الْبَقَرِ بَدَلَ خُرْءِ الإِنْسَانِ، فَتَصْنَعُ خُبْزَكَ عَلَيْهِ». وأرجو أن تلاحظ عبارة «فَتَصْنَعُ خُبْزَكَ عَلَيْهِ». أي يستخدمه كوقود فقط، وهذا يؤكد أن ما قصده في عدد 12 هو أن يُصنَع الخبز من الشعير فقط، باستخدام الجُلة كوقود ولا يُعجَن بها. 

والسؤال:  هل أخطأ الرب عندما طلب من حزقيال أن يحذر الشعب بصورة عملية ملموسة ويمثِّل ما سيحدث لهم أمام عيونهم ؟ هل أخطأ عندما طلب منه أن يأكل خبزه مستخدماً الجُلة المصنوعة من فضلات الإنسان بدلاً من فضلات البهائم كوقود؟ هل أساء إليهم عندما حذَّرهم بهذا الأسلوب أن أنه كان سيسئ إليهم لو لم يحذِّرهم؟!

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات