حزقيال 26: 1-14 هل يكون وعد الرب هكذا؟ هل يعجز الرب عن الوفاء بوعده?

قال المعترض: «ورد في حزقيال 26: 1-14 «وكان في السنة الحادية عشرة في أول الشهر أن كلام الرب كان إليّ قائلاً.. هائنذا أجلب على صور نبوخذنصر ملك بابل بخيلٍ وبمركبات وبفرسان وجماعةٍ وشعب كثير، فيقتل بناتك في الحقل بالسيف، ويبني عليكِ معاقل، ويبني عليكِ برجاً ويرفع عليكِ ترساً، ويجعل مجانق على أسواركِ ويهدم أبراجكِ بأدوات حربه.. بحوافر خيله يدوس كل شوارعكِ. يقتل شعبكِ بالسيف فتسقط إلى الأرض أنصابُ عزّكِ وينهبون ثروتكِ ويغنمون تجارتكِ ويهدّون أسواركِ ويهدمون بيوتكِ البهيجة، ويضعون حجارتكِ وخشبكِ وترابكِ في وسط المياه.. وأُصيّركِ كضِحّ الصخر، فتكونين مَبْسطاً للشِّباك، لا تُبنَيْن بعد». وهذا خطأ، لأن بختنصر حاصر صور 13 سنة، واجتهد كثيراً في فتحها، ولكنه رجع خائباً. فاحتاج حزقيال إلى العذر (والعياذ بالله)، فقال في الأصحاح 29: 17-20 «وكان في السنة 27 أن كلام الرب كان إليَّ قائلاً: إن نبوخذنصر استخدم جيشه خدمةً شديدةً على صور. كل رأس قَرِعَ وكل كتف تجرّدت، ولم تكن له ولا لجيشه أجرة من صور، لذلك قال السيد الرب: »أبذل أرض مصر لنبوخذنصر، فيأخذ ثروتها ويغنم غنيمتها وينهب نهبها، فتكون أجرةً لجيشه. قد أعطيتهُ أرض مصر لأجل شُغْله الذي خدم به، لأنهم عملوا لأجلي». ولما لم يحصل نبوخذنصر وجنوده على أجرة من محاصرة صور، وعده الرب بمصر. ولم نعلم إذا كان هذا الوعد مثل الوعد السابق، أو حصل له الوفاء.  هل يكون وعد الرب هكذا؟ هل يعجز  الرب عن الوفاء بوعده؟».

 

وللرد نقول: هذه نبوَّة صادقة من الرب على فم نبيِّه حزقيال، والدليل على صدقها أن النبي كان يعرف مناعة مدينة صور، ويعرف أن شلمنأصر عجز بكل جيشه عن الاستيلاء عليها، بعد أن أغرق السوريون أسطوله العظيم بمراكبهم القليلة، ومع ذلك قال النبي إن نبوخذنصر سيستولي عليها. وقال «مناندر« الأفسسي في ترجمته للتواريخ الفينيقية إلى اللغة اليونانية، إن نبوخذنصر حاصرها 13 عاماً لما كان أثوبال ملكاً عليها، وتكبّد جيشه المشقات، ثم استولى عليها. وبذلك تحقق قول النبي إن نبوخذنصر استخدم جيشه «خدمة شديدة على صور، كل رأس قرع، وكل كتف تجرّدت« وهذا نتيجة للحصار الطويل. ونقل المؤرخ يوسيفوس عن تواريخ فينيقية أن الصوريين كانوا يأتون بملوكهم بعد هذا الحصار من بابل، لأن نبوخذنصر أسر ملوكهم وسباهم إلى بلاده، مما يدل على تمام إخضاع وإذلال صور وزوال مُلكها. أما ما ذكره النبي حزقيال من أن الملك نبوخذنصر لم تكن له ولا لجيشه أجرة، فلأنه لم يجْنِ منها فوائد تُذكَر، لأن ثروتها نُزِفَت من طول حصاره لها، وكانت الغنائم قليلة بالنسبة إلى ما تجشَّمه مع جيوشه من الأتعاب.

ومما يؤيد هذا قول العلاّمة إيرونيموس (جيروم): «قرأنا في التواريخ الأشورية أنه لما حاصر نبوخذنصر صور ولم يجد أهلُها منفذاً للهروب والنجاة، ورأوا أنه لا بد من الوقوع في مخالبه، هربوا في مراكبهم إلى قرطاجنة، فإنهم كانوا أشهر الأمم في التجارة والملاحة. فهرب البعض منهم إلى بحر اليونان، والبعض إلى بحر أوجين. ولما رأى أهل صور أن أعمال الحصار كادت أن تتم على مرام أعدائهم، وتزعزعت أساسات الأسوار بضرب المجانق، نقلوا كل ما كان ثميناً من ذهب وفضة وثياب، وكل ما عند أشرافهم من الأمتعة الثمينة إلى المراكب، وذهبوا بها إلى الجزائر. فلما أخذ نبوخذنصر هذه المدينة لم يجد فيها شيئاً يكافئ تعبه، فتكدّر من ذلك كدراً شديداً، فأنبأه النبي حزقيال بأنه سيستولي على أرض مصر، وهي تكافئ أتعابه. ولا يلزم من عدم أخذ مكافأة من صور أنه لم يستولِ عليها، فكم من إنسان يتعب أتعاباً شاقة وتكون الثمرة أقل من التعب». وقد تمت نبوات الأنبياء على صور بما لم يبقَ معه شك، فخرّب نبوخذنصر هذه المدينة القديمة، وأنشأ إسكندر ذو القرنين من أطلالها وآثارها طريقاً لتوصيل الأرض بالجزيرة التي كانت قائمة عليها.

وقال أحد الأفاضل: لا عجب إذا لم يوجد أثرٌ لهذه المدينة القديمة، فأصبحت سواحل رملية، وتغيَّرت معالمها ودُفن الصهريج العظيم في الرمال. وبذلك تمّ قول النبي: «ولا تُبْنَينْ«. فلم تعُد هذه المدينة إلى ما كانت عليه من القوة والرفعة وقت حزقيال النبي. ولما استولى إسكندر عليها لم يحرقها فقط، بل أنشأ الإسكندرية في مصر، فانتقلت التجارة إليها وزالت من صور. ومن سوء حظها أن تداولت الدول عليها، فكانت تارة تحت حكم البطالسة ملوك مصر، وأخرى تحت حكم السلوقيين ملوك سوريا. وأخيراً وقعت في يد روما. وفي سنة 639م استولى عليها المسلمون، وفي سنة 1124م استولى عليها المسيحيون في الحرب الصليبية، وفي سنة 1289م استرجعها مماليك مصر، فنهبوها. وفي سنة 1516م استولى عليها الأتراك. وبعد أن كانت مركزاً للتجارة أصبحت أطلالاً لا يعرّج عليها سوى قوارب الصيادين المساكين، وبذلك تمّ قول الرب: «وأصيّر صور ضِحّ الصخور ومَبْسطاً للشِّباك« (حزقيال 26: 4 و5). وكل ذلك مصداق لقول النبوات، فإن الأنبياء تنبأوا أن عظمتها وقوتها ستصبح أطلالاً بالية، وقد تمّ ذلك فعلاً. أما من جهة استيلاء نبوخذنصر على مصر فقال المؤرخ الوثني «ميجاسثينيس« (نحو سنة 300 ق م) إنه لما سمع نبوخذنصر بوفاة والده، رتّب الأمور في مصر، وسلّم الأسرى الذين سباهم في مصر لبعض أصحابه، وبادر مسرعاً إلى بابل. وقال مؤرخ وثني آخر هو »بيروسوس« إن نبوخذنصر استولى على أشور وقهر العمونيين والموآبيين، ثم شنّ الغارة على مصر وقتل مَلِكها وعيّن ملكاً آخر».

إلى وقت قريب كان يوسيفوس المؤرخ اليهودي هو الوحيد المعروف لنا، والذي ذكر أن نبوخذنصر غزا مصر. ورفض العلماء ما قاله يوسيفوس بحُجَّة أنه كتب ما كتب ليؤيد أقوال النبي إرميا. ولكن علماء الآثار اكتشفوا شهادة مؤرخ بابلي ترجع إلى عام 567 ق م تؤكد أن نبوخذنصر غزا مصر، ثم اكتشفوا نقشاً على تمثال نسحور حاكم مصر العليا يؤيد الخبر نفسه. صدقت نبوَّة إرميا، وصدق تحقيقها.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات