غلاطية 2: 11 – هل الرسول بطرس مُلهَم؟

اعتراض على غلاطية 2: 11 – هل الرسول بطرس مُلهَم؟

وللرد نقول: الذي يقرأ أعمال 15 يتَّضح له أن كل رسول كان يعتقد في الآخر أنه مؤيَّد بالروح القدس، فلا ينطق إلا عن لسان الرب. ولما عُقد مجمع في أورشليم أخبر برنابا وبولس باقي الرسل والمشايخ بما صنعه الرب من الآيات والعجائب في الأمم بواسطتهما، وبمقاومة اليهود لهم وتشديدهم على الاختتان، فأعلن الرسل: »رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً« (أعمال 15: 28). وهذا يوضح أنهم كانوا في غاية الاتفاق، ولم يحكموا في شيء إلا بوحي الروح القدس.. وقد شهد الرسول بطرس أن كلام الرسول بولس وحيٌ إلهي، وأن الرب آتاه الحكمة الإلهية (2بطرس 3: 15 و16).

وأمر المسيح، الكلمة الأزلي، تلاميذه: »اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم.. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر« (متى 28: 19 و20) وقال لهم: »ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض« (أعمال 1: 8). وقد حلّ عليهم الروح القدس يوم الخمسين فتكلموا بلغات شتى، وعمل الرب على أيديهم معجزات باهرة. والمسيح ذاته الكلمة الأزلي نفخ وقال لهم: »اقبلوا الروح القدس« فقبلوه (يوحنا 20: 22). وقال لهم: »ومتى ساقوكم ليسلّموكم، فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا، بل مهما أعطيتكم في تلك الساعة فبذلك تكلَّموا، لأنْ لستم أنتم المتكلمين، بل الروح القدس« (مرقس 13: 9-11). وقال لهم: »لأني أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها« (لوقا 21: 51). فالمسيح وشحهم بالروح القدس ليؤهلهم للعمل العظيم وهو هداية الأنفس. وقال بولس الرسول: »إنه بإعلان (أي بوحي إلهي) عرّفني بالسر.. حيثما تقرأون (كتابتي) تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح … الذي في أجيال أُخر لم يُعرَّف به بنو البشر كما قد أُعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح« (أفسس 3:3-5).

فالرسول يشهد أن الرسل لا يتكلمون إلا بوحي إلهي. وقال في 2كورنثوس 13: 3 »المسيح المتكلم فيَّ« وقال في 1تسالونيكي 2: 13 »إذ تسلَّمتم منا كلمة خبرٍ من الله قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هي بالحقيقة، ككلمة الله« وقال في 1كورنثوس 2: 13 »التي نتكلم بها أيضاً، لا بأقوال تعلّمها حكمة إنسانية، بل بما يعلِّمه الروح القدس«. أما عن مقاومة الرسول بولس للرسول بطرس (غلاطية 2: 11) فنقول: كان بطرس الرسول يعاشر الأمم الذين بلا كتاب لهدايتهم إلى الحق، فعنّفه اليهود لأنهم كانوا يعتقدون أن الأمم نجسون، وما دروا أن الرب لا يسرّ بموت الخاطئ بل يريد له الهداية. فلما رأى بطرس إنكار اليهود عليه معاشرة الأمم امتنع عن معاشرتهم، علّهم يؤمنون بالمسيح الذي تنبأ به أنبياؤهم، ومتى ارتفعوا إلى هذه الدرجة أوضح لهم أن الرب لا ينظر إلى الأكل والشرب، فإنه خلق الجوف للطعام والطعام للجوف. غير أن بولس عاتبه على مراعاة اليهود، مع أن الواجب هو إظهار حق الرب مرة واحدة. فلو كان كتاب الرب تلفيقاً بشرياً، لما ذكر إنكار بطرس لسيده، ولا مقاومة بولس لبطرس، فإن الحكمة البشرية تتستّر على هذه الأمور. غير أن الرب هو إله الحق فيخبر بالحق لأنه هو مصدره. ولو كان بين الرسل تواطؤ على غش العالم، لانكشف في هذه الحالة التي حصل فيها هذا الاختلاف الفكري، فبطرس الرسول أبلغ المسيحيين أن الرب فتح أبواب كنيسته للأمم واليهود على حدٍّ سواء، وأزال الحجاب الفاصل بينهم وبين شعبه، وأن كل أمة تتّقيه وتؤمن بالمسيح هي مقبولة عنده (أعمال 10: 35).

وبعد ذلك راعى اليهود، وهذا خطأ، والخطأ جائز في حقهم، ولكنهم معصومون في إعلان الوحي فقط.    كان الختان علامة العهد الذي عقده الرب مع إبراهيم، كما قيل في تكوين 17: 10 و11 »يُختتن منكم كل ذكر، فيكون علامة عهدٍ بيني وبينكم«. وقد وضعه الرب ليكون علامةً يمتاز بها بنو إسرائيل عن غيرهم من الشعوب المحيطة بهم. وهو يدل على ضرورة التجديد، والقطع مع آدم الأول نائبنا، والتطعيم في المسيح آدم الثاني والاغتسال بدمه الذي يطهِّر من كل خطية (رومية 2: 28 و29). أما اختتان المسيح فكان ضرورياً لأنه تمم كل البر وحفظ كل الشريعة، لأنه كان طاهراً قدوساً بلا عيب، وكان مثال الطهارة والبر والطاعة والتواضع والمحبة والوداعة وكل الفضائل. ولم يلغِ الرسل أمر الختان، لكنهم دحضوا قول من علَّم أن الخلاص بالاختتان، فقد ورد في أعمال 15: 1 »وانحدر قوم من اليهودية وجعلوا يعلّمون الإخوة أنه: إن لم تختتنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلُصوا«. فقولهم هذا باطل، لأن الخلاص هو بالإيمان بالمسيح. والغاية من الختان هو أن يكون علامة العهد بين الرب وشعبه القديم، وإشارة إلى طهارة القلب والنية. وقد قال الرسول بولس في رومية 2: 28 و29 »لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهودياً، ولا الختان الظاهر في اللحم ختاناً. بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان، الذي مدحه ليس من الناس بل من الله«. وأوضح في رسالته إلى غلاطية أن الرب لا يبالي بالأمور الخارجية، بل بالإيمان العامل بالمحبة، وتجديد القلب من الدنس والشر. فإن الختان والغرلة والأمور الخارجية لا تفيد شيئاً في أمر الخلاص. أما في العهد الجديد فقد حلَّت فريضة المعمودية محل فريضة الختان، وصارت المعمودية علامة خارجية على وجود نعمة داخلية، فالختان يشير إلى خلع الخطايا، والمعمودية تشير إلى غسلنا بدم المسيح، وتطعيمنا فيه، وختم فوائد عهد النعمة، الذي هو غفران الخطايا بدم المسيح، وتجديد القلب بروحه، والتبنّي في عائلته، والقيامة للحياة الأبدية. ومعناها أيضاً الختم على تعهدنا أن نكون للرب، وهي علامة فاصلة بين شعب الرب وغيره من الشعوب. والحكمة في استعمال الماء في المعمودية هي:

(1) الماء يطهرّ من الأقذار، ودم المسيح يطهر قلوبنا من أعمال ميتة.

(2) الماء يروي ظمأ العطشان، ودم المسيح يشفي الغليل.

(3) الماء يطفئ النار، ودم المسيح يطفئ لهيب غضب الرب، ويطفئ نار شهوتنا التي تحاربنا.

(4) الماء يليّن الأرض الصلبة، ودم المسيح يليّن القلب القاسي.

(5) الماء ضروري للحياة، وبدون دم المسيح وروحه يهلك الخاطئ.

(6) الماء بلا ثمن، ودم المسيح وروحه مقدَّمان للجميع مجاناً.

(7) مع أن الماء ضروري لكل إنسان إلا أنه لا يفيد شيئاً ما لم يشربه، ودم المسيح لا يفيد الإنسان ما لم يؤمن به.    ليس في معاني هذين النصَّين اختلاف. وقد اقتبس الرسل هذه الآيات من الترجمة السبعينية وهي ترجمة التوراة من العبرانية إلى اليونانية، بينما نقل المترجم عاموس 9: 11 و12 من العبرية إلى العربية مباشرة. فإذا وجد تنوع في العبارة كان ذلك من الترجمة، ولكن المعنى واحد. وزد على هذا جواز النقل بالمعنى، ولاسيما لمن خصَّهم الرب بالوحي وقوة المعجزات، فكلامهم حجة في العبادات.

ينصبُّ المنع في قرارات مجمع أورشليم على أكل الدم أو شربه، كما جاء في تكوين 9: 3 و4، ولاويين 17: 10-12. ونقل الدم لإنقاذ المرضى ليس أكلاً وشُرباً، لأن الأكل والشرب في التوراة يعنيان التناول عن طريق الفم مروراً بالجهاز الهضمي.    ورد في آية 24 أنه ظهر بين المسيحيين من قالوا إن الخلاص بالأعمال الخارجية، كالاختتان والشريعة الطقسية التي كانت رمزاً لذبيحة المسيح. فألهم الروح القدس الرسل أن يقرروا أن الاتكال على الأمور الخارجية باطل، وأنه متى أتى المرموز إليه تم الغرض المقصود من الرمز. فالذي يحاول أن يحفظ الذبائح الطقسية بعد مجيء الفادي الذي كانت ترمز إليه، يكون مثل إنسان رجع إلى حفظ الأبجدية بعد أن طالع العلوم. فلذا قال الرسول إن الخلاص ليس بالاختتان ولا بالناموس الطقسي، بل بالإيمان بالمسيح. ثم حضَّهم على الامتناع عما ذُبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات