عبرانيين 12: 17 فإنكم تعلمون أنه أيضاً لما أراد عيسو أن يرث البركة رُفض، إذ لم يجد للتوبة مكاناً، مع أنه طلبها بدموع. ويناقض هذا ما جاء في 2بطرس 3: 9 … وهو لا يشاء أن يهلك أناس، بل أن يُقبِل الجميع إلى التوبة«.

ق. عزت شاكر من هو إله القديم؟

العبرانيين 12 : 17 كيف رفض الرب توبة عيسو مع أنه طلبها بدموع؟

قال المعترض: »جاء في عبرانيين 12: 17 »فإنكم تعلمون أنه أيضاً لما أراد عيسو أن يرث البركة رُفض، إذ لم يجد للتوبة مكاناً، مع أنه طلبها بدموع«. ويناقض هذا ما جاء في 2بطرس 3: 9 »لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ، لكنه يتأنى علينا، وهو لا يشاء أن يهلك أناس، بل أن يُقبِل الجميع إلى التوبة«. كيف يقول عنه: “لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَاناً، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ”؟ هل من المعقول أن إنسانا يطلب التوبة بدموع ولا يجد لها مكاناً؟

وللإجابة على هذا السؤال أقول:   في هذا النص نجد سؤالين هامين وهما:

السؤال الأول: على أي شئ تعود عبارة: “مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ”؟ أو ما الذي طلبه عيسو بالدموع؟

يتفق كل العلماء والمفسرين على أن عبارة “مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ” تعود على البركة وليس على التوبة. فعندما نعود للتاريخ المقدس سيتضح هذا جلياً أمامنا، فبعِد مَا فَرَغَ إِسْحَاقُ مِنْ بَرَكَةِ يَعْقُوبَ، أَتَى عِيسُوَ مِنْ صَيْدِهِ، وصَنَعَ هُوَ أَيْضاً أَطْعِمَةً وَدَخَلَ بِهَا إِلَى أَبِيهِ، وَقَالَ لأَبِيهِ: «لِيَقُمْ أَبِي وَيَأْكُلْ مِنْ صَيْدِ ابْنِهِ حَتَّى تُبَارِكَنِي نَفْسُكَ». فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ أَبُوهُ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ: «أَنَا ابْنُكَ بِكْرُكَ عِيسُو». 33فَارْتَعَدَ إِسْحَاقُ ارْتِعَاداً عَظِيماً جِدّاً. وَقَالَ: «فَمَنْ هُوَ الَّذِي اصْطَادَ صَيْداً وَأَتَى بِهِ إِلَيَّ فَأَكَلْتُ مِنَ الْكُلِّ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ وَبَارَكْتُهُ؟ نَعَمْ وَيَكُونُ مُبَارَكاً!» فَعِنْدَمَا سَمِعَ عِيسُو كَلاَمَ أَبِيهِ صَرَخَ صَرْخَةً عَظِيمَةً وَمُرَّةً جِدّاً وَقَالَ لأَبِيهِ: «بَارِكْنِي أَنَا أَيْضاً يَا أَبِي!» (تك27: 30-34).  إن هذه الصرخة العظيمة والمرة جداً كانت على ضياع البركة ولم تكن إطلاقاً للتوبة عن الخطية. وعندما نستكمل النص نجده يصرخ إلى أبيه بالدموع ويقول: «أَلَكَ بَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ يَا أَبِي؟ بَارِكْنِي أَنَا أَيْضاً يَا أَبِي!» وَرَفَعَ عِيسُو صَوْتَهُ وَبَكَى” (تك38:27). وهنا يقول د. القس غبريال رزق الله إن عبارة: “إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَاناً” هي جملة اعتراضية واقعة بين القول: “لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ الْبَرَكَةَ رُفِضَ” وبين القول اللاحق “مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ” وهكذا يمكن أن تُقرأ الآية على الصورة الآتية: “فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَيْضاً بَعْدَ ذَلِكَ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ الْبَرَكَةَ رُفِضَ، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ، إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَاناً” . فقد طلب البركة بالدموع وليس التوبة، وهذا ما نجده في ترجمة كتاب الحياة:  “فَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جَيِّداً أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ اسْتِعَادَةَ الْبَرَكَةِ مِنْ أَبِيهِ، بَعْدَمَا كَانَ قَدِ اسْتَخَفَّ بِهَا، رُفِضَ لأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَجَالاً لِلتَّوْبَةِ، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَ الْبَرَكَةَ وَهُوَ يَذْرِفُ الدُّمُوعَ”.   وما نجده في ترجمة (NRSV): You know that later, when he wanted to inherit the blessing, he was rejected, for he found no chance to repent, even though he sought the blessing with tears   وكذلك ترجمة ((NET: For you know that later when he wanted to inherit the blessing, he was rejected, for he found no opportunity for repentance, although he sought the blessing with tears. 

السؤال الثاني: ما المقصود بعبارة: “لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَاناً”؟

  في الحقيقة هناك أكثر من رأي في هذا الموضوع: 1

ـ لم تكن لديه فرصة للتوبة:   وهذا هو المعنى البسيط في ترجمتنا العربية “فانديك” “لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَاناً”، وفي ترجمة كتاب الحياة “لأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَجَالاً لِلتَّوْبَةِ”، وفي معظم الترجمات الأخرى، فهي ترد في ترجمة (NRSV) و  ESV))  و (RSV) كالآتي: “for he found no chance to repent”    وترد في ترجمة ((NET كالآتي: for he found no opportunity for repentance      (   ولذلك يقول (Philip E. Hughes)  لم يتب عيسو عن خطيته على الإطلاق وما يؤكد هذا ما جاء في (تك 27) وخاصة عدد 41 “فَحَقَدَ عِيسُو عَلَى يَعْقُوبَ مِنْ أَجْلِ الْبَرَكَةِ الَّتِي بَارَكَهُ بِهَا أَبُوهُ. وَقَالَ عِيسُو فِي قَلْبِهِ: «قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي». ولم يبك عيسو إلا على ضياع البركة، ولم يكن حزنه بِحَسَبِ مَشِيئَةِ الرب ، الذي يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ، بل كان حُزْنُ بحسب الْعَالَمِ، الذي َيُنْشِئُ مَوْتاً (2كو10:7).   ويتساءل د. القس غبريال رزق الله: وهل ندم عيسو بعدما باع البكورية؟ ويجيب: كلا، ألم يقل الوحي المقدس: “فَأَكَلَ وَشَرِبَ وَقَامَ وَمَضَى. فَاحْتَقَرَ عِيسُو الْبَكُورِيَّةَ” (تك34:25). ويضيف: هذه هي الحقيقة بشأن عيسو “لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَاناً” بل بالحري لَمْ تجِدْ “اِلتَّوْبَةِ” لها، في قلبه، مَكَاناً .  فعلاً لم تجد التوبة لها مكاناً في قلب عيسو؛ فقد استخف بالبكورية وباعها بأكلة عدس، وهو يعلم تمام العلم الإرتباط الوثيق بين البكورية والبركة، وبعد ذلك ملأ الحقد قلبه تجاه أخيه وقرر أن يقتله، وقال في قلبه: «قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي». وهل تجد التوبة مكاناً لها في قلب حقود مملوء بالمرارة والعداوة، ويعد نفسه لسفك دم أخيه التوأم! لذلك يقول كاتب العبرانيين في الآية السابقة “لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِياً أَوْ مُسْتَبِيحاً كَعِيسُو، الَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ”.

    2 ـ لم يكن في إستطاعته أن يغير ما حدث: يقول و. ه. ت. جردنر: إن عبارة “لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَاناً” من المصطلحات التي كانت مألوفة في القانون الروماني والكتابات اليهودية في ذلك العصر الذي كُتِبَت فيه الرسالة، ومعناها “فرصة لتغيير عقله” .   ويقول د. القس منيس عبد النور الكلمة اليونانية المترجمة “التوبة” تعني “تغيير الفكر” أو “تغيير القلب”. وإذا ترجمنا الآية ترجمة حرفية يكون النص هكذا: “فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَيْضاً بَعْدَ ذَلِكَ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ الْبَرَكَةَ رُفِضَ، إِذْ لَمْ يَجِدْ مَكَاناً لتغيير الفكر، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَ هَذا بِالدُمُوعٍ”. والفكر الذي طلب عيسو تغييره هو فكر أبيه، وليس فكره هو. ونجد هذا واضحاً في (تك27: 36-38) حيث يقول عيسو لأبيه: “ثُمَّ قَالَ: «أَمَا أَبْقَيْتَ لِي بَرَكَةً؟» 37فَقَالَ إِسْحَاقُ لِعِيسُو: «إِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ سَيِّداً لَكَ وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ جَمِيعَ إِخْوَتِهِ عَبِيداً وَعَضَدْتُهُ بِحِنْطَةٍ وَخَمْرٍ. فَمَاذَا أَصْنَعُ إِلَيْكَ يَا ابْنِي؟» 38فَقَالَ عِيسُو لأَبِيهِ: «أَلَكَ بَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ يَا أَبِي؟ بَارِكْنِي أَنَا أَيْضاً يَا أَبِي!» وَرَفَعَ عِيسُو صَوْتَهُ وَبَكَى“. كان غرض عيسو من التوسل والبكاء أن يغير أبوه فكره فيسحب البركة من يعقوب ويعطيها له، أو على الأقل يعطيه بركة مثلها، ولكنه لم ينجح في تحقيق هذا الغرض.    ويؤيد هذا الرأي صموئيل ريداوت الذي يقول: “لقد طلب عيسو من أبيه تغيير فكره وإعطائه البركة ولكنه لم يجد مكاناً لذلك مع أنه طلبه بدموع، إذ قال: “بَارِكْنِي أَنَا أَيْضاً يَا أَبِي” ولكنه لم يستطع أن يغير فكر أبيه” .  وكذلك وارين ويرزبي الذي يقول: “لقد حاول عيسو مع إسحق ليغير قراره، لكن الوقت كان متأخراً ولم تجد دموعه نفعاً” . وهذا المعنى نجده في ترجمة (ASV) For ye know that even when he afterward desired to inherit the blessing, he was rejected; for he found no place for a change of mind (in his father,) though he sought it diligently with tears.   وفي الترجمة العربية المبسطة: “وأنتم تعرفون أنه لما أراد أن يرث البركة فيما بعد لم يُستَمع له. إذ لم يجد طريقة يغير فيها ما حدث، مع أنه طلب البركة من أبيه بدموع”    وترجمة   (NIV)  Afterward, as you know, when he wanted to inherit this blessing, he was rejected. He could bring about no change of mind, though he sought the blessing with tears.

عزيزي القارئ: إن باب التوبة مفتوح لكل إنسان إلى أخر لحظة من عمره. يقول الرسول بطرس: “وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ” (2بط9:3). وقال الرسول بولس: “فَاللَّهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ” (أع30:17).

فهذا الإله الرحيم الذي يطالبنا بالتوبة لا يمكن أن يرفضنا أو يرفض توبتنا عندما نأتي إليه بصدق. قال أحد رجال الرب: إن الصلاة الوحيدة التي يستجيبها الرب فوراً بنعم، ولا يقول لا، أو انتظر هي صلاة التوبة. فهل تأتي إليه تائباً الآن.

المصدر : القس عزت شاكر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات