1 صموئيل 16: 15،14 هل الرب إله يباغت عبيده بأرواح شريرة؟

1 صموئيل 16: 15،14 هل الرب إله يباغت عبيده بأرواح شريرة؟ “وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ, وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ. 15فَقَالَ عَبِيدُ شَاوُلَ لَهُ: «هُوَذَا رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ يَبْغَتُكَ” (1صم16: 15،14).

والسؤال: كيف ولماذا أرسل الرب روحاً رديئاً لشاول الملك؟ وهل يُعقَل أن الإله الصالح يباغت عبيده بأرواح شريرة؟

 

أولاً : الرب صالح ومصدر كل صلاح: إن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يعلن لنا أن الرب صالح؛ لدرجة أن عبارة “الرَّبُّ صَالِحٌ” وردت عشرات المرات في الكتاب المقدس (مز25: 8، 9:52، 6:54، 1:73، 5:86، 100: 5، 135: 3، إر33: 11، 1بط 2: 3). وقد هتف المرنم أكثر من مرة “احْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ” (مز106: 1، 107: 1، 118: 1 و29، 136: 1).  وأضاف فى مزمور آخر “الرَّبُّ صَالِحٌ لِلْكُلِّ” (145: 9). فهو صالح مع كل إنسان، بل هو كلي الصلاح والحب والحكمة والرحمة، لذلك فكل ما يخطط  له ويفعله ويأمر به ويرضى عَنْهُ صالح. وفى الحقيقة لا يوجد من هو صالح بلا حدود إلا الرب (مر10: 18). وعندما خلق الرب العالم، أبدع في صنعه، وكان ينظر بعد كل مرحلة ويرى أنها “حَسَنٌ” (تك1: 4 و10 و12 و18 و21 و25). وعندما أَتمَّ كل شىء نقرأ: “وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً” (تك1: 31). فالرب لم يخلق إلا كل ما هو جميل ورائع، لذلك هتف المرنم “مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنَةٌ الأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ” (مز104: 24). وحتى الشيطان عندما خلقه الرب كان ملاكاً نورانياً لكنه سقط (يهوذا16، إش14: 12-15). وكل عطايا الرب صالحة، كما يقول الرسول يعقوب: “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ…” (يع1: 17). وقال زكريا: “مَا أَجْوَدَهُ وَمَا أَجْمَلَهُ” (زك9: 17). وصرخ القديس أغسطينوس: “يؤلمنى إنني تأخرت كثيراً فى معرفتك أيها الجمال القديم وماتزال جديداً”. وقال تشارلس كنجلي فى مرضه الأخير: “كم هو جميل الرب، كم هو جميل”.

إن الرب صالح ومصدر كل صلاح وبركة وشفاء وسعادة للإنسان، لذلك هو لا يصنع البلايا، ولا يُحدِث الكوارث للبشر، ولا يرسل روحاً شريراً ليعذب به البشر، إنه يرسل روحه القدوس ليسند ويعضِّد ويرشد ويعزي شعبه، فهو صالح وإلى الأبد رحمته.

 

ثانياً: ما معنى “مِنْ قِبَلِ الرب”؟ إن الكلمة العبرية المترجمة “مِنْ قِبَلِ” هي (את) (أت) وهي عبارة عن ضمير يعبِّر عن شئ مستقل أو كينونة مستقلة، ولا توجد كلمة في الإنجليزية تساويها . لذلك فالمعنى المقصود: “روح شرير مستقل عن الرب ولكن بسماح منه، وليس روح شرير “مِنْ قِبَلِ” الرب ”   فالكلمة العبرية المترجمة “مِنْ قِبَلِ” (את) (أت) تختلف تماماً عن (עם) (عم) والتي تعني ” مِنْ قِبَلِ” أو “من عند” والتي وردت في أول الآية وأرجو أن تلاحظ الفرق:  النص العبري: וְר֧וּחַ יְהוָ֛ה סָ֖רָה מֵעִ֣ם שָׁא֑וּל וּבִֽעֲתַ֥תּוּ רֽוּחַ־רָעָ֖ה מֵאֵ֥ת יְהוָֽה “وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ (מֵעִ֣ם) شَاوُلَ, وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ (מֵאֵ֥ת) الرَّبِّ”  الكلمة الأولى (מֵעִ֣ם) والتي تُرجِمَت “مِنْ عِنْدِ” تعني أيضاً ” مِنْ قِبَلِ” وقد وردت أيضاً في: (تك41: 32)  “وَأَمَّا عَنْ تَكْرَارِ الْحُلْمِ عَلَى فِرْعَوْنَ مَرَّتَيْنِ، فَلأَنَّ الأَمْرَ مُقَرَّرٌ مِنْ قِبَلِ (מעם) اللهِ، وَاللهُ مُسْرِعٌ لِيَصْنَعَهُ”. لذلك نجد كاتب السفر وهو يشرح ما حدث مع شاول بالتفصيل في الأصحاح الثامن عشر يقول:  “وَكَانَ فِي الْغَدِ أَنَّ الرُّوحَ الرَّدِيءَ مِنْ قِبَلِ اللهِ اقْتَحَمَ شَاوُلَ وَجُنَّ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ. وَكَانَ دَاوُدُ يَضْرِبُ بِيَدِهِ كَمَا فِي يَوْمٍ فَيَوْمٍ، وَكَانَ الرُّمْحُ بِيَدِ شَاوُلَ” (1صم10:18). وهذه الآية ترد في بعض الترجمات كالآتي:   (CEV)  The next day the LORD let an evil spirit take control of Saul, and he began acting like a crazy man inside his house. David came to play the harp for Saul as usual, but this time Saul had a spear in his hand. وفي اليوم التالي سمح الرب للروح الردئ أن يسيطر على شاول وأصبح كالمجنون في وسط بيته….. وهنا يتضح أن الروح الشرير كان مستقلاً عن الرب ولكن بسماح منه. ويشرح هذا المعنى د. القس الدكتور منيس عبد النور فيقول: “لما كان الرب كلي السلطان، فإن أفعال الأرواح الشريرة تخضع لسلطانه. وكل ما يحدث في عالمنا هو من عمل الرب، أو بسماح منه. وقد سمح الرب  للروح الرديء أن يهاجم شاول ويستولي عليه، لأنه كان قد رفض طاعة الرب، فرفضه الرب من المُلك. وسماح الرب للروح الرديء أن يتملَّك من شاول يشبه سماحه للشيطان أن يجرِّب أيوب بالخسارة المادية والعائلية والمرض. ولكنه دائماً يحقق مقاصده الصالحة بالرغم من أعمال إبليس” . والدارس المدقق يعرف أن قصة شاول وردت إجمالاً في (1صموئيل 16)، ثم شرحها الكاتب تفصيلاً في أصحاحي 17 و 18. وفيهما نرى كيف أن شاول تمرَّد على الرب، ولم يطع وصاياه، وتملكته روح الغيرة المرة من داود، ورغم أن داود لم يفعل شراً إلا أن شاول بدأ يفكر في قتله، وهو بهذا سلم قلبه للشرير، ولم يسع إلى تطهير قلبه، ولهذا تركه الرب لإرادته، أو تركه الرب للروح الشرير الذي سلم نفسه بإرادته له فباغته. أو نقول لأنه قاوم روح الرب كثيراً لذلك هيأ نفسه كمسكن مستعد لقبول هذا الروح الردئ. وما أروع ما كتبه القديس جيروم : “لا يجب أن تنزعج من القول: “وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ, وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ” (1صم15:16). فهذا لا يعني أن الروح الردئ مصدره الرب، أو أن ما حل بشاول كان من عند الرب، فالرسول يعقوب يقول: “لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، لأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَداً” (يع13:1-15). إنما شاول رفض روح الرب فهيأ نفسه مسكناً للروح الردئ، لقد تركه الرب لذاته كما يقول الرسول بولس: “لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ…. لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ … وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ” (رو1:24-28). لاحظ تكرار أسلمهم الرب، فحين يصرّ الإنسان على رفض الرب ويستسلم للشر، يتركه الرب، أي يسلِّمه لشهوة قلبه، وهذا التسليم بسماح إلهي لأجل تأديبه.  لقد رفض شاول نور وصايا الرب فرُفِض من الرب، وأصبح في ظلمة الشيطان. وكذلك عندما رفض شاول روح الرب أصبح متروكاً في يد الشرير الذي سيطر عليه. فالقلب لا يمكن أن يستمر خاوياً فلابد أن يمتلئ فإما أن يمتلئ من روح الرب أو إذا فارق روح الرب الإنسان يملأه أرواح شريرة. فالقلب لا يبقى خالياً. 

 

ثالثاً ـ سلطان الرب:  لقد أراد الكاتب وهو يتحدث عن مرض شاول أن يؤكد على أن الرب هو صاحب السلطان المطلق على كل الكون، وذلك لأن الأمم المجاورة كانت تعبد إلهين: إله الخير وإله الشر. وكانوا يعبدون إله الخير لكي يمنحهم خيراته، ويعبدون إله الشر لكي يتقوا شروره. وقد كان الشعب الإسرائيلي في ذلك الوقت مُعرَّض للسقوط في هذه الوثنية، خاصة وأن الشعب كان مهيأً لذلك، فقد عبدوا من قبل مولك وعشتاروث وكموش والعجل الذهبي ….الخ.    لذلك عندما يتحدث الوحي عن أمور مثل هذه فهو يريد أن ينبِّر ويؤكِّد على أن الرب مسيطر على كل الكون وكل ما يحدث فيه من خير ومن شر، ولا يوجد شئ يحدث بعيداً عن دائرة سلطانه. وقد شرح آباء الكنيسة ما حدث مع شاول في ضوء سلطان الرب فيقول الشهيد كبريانوس: “ليس للأرواح الشريرة السلطان أن تضر أحداً، ويظهر ذلك بوضوح في حالة أيوب، حيث لم يتجاسر العدو أن يجربه إلا حسبما سمح الرب به…  وقد اعترفت الأرواح نفسها بذلك كما جاء في الإنجيل فنقرأ: “فَالشَّيَاطِينُ طَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: «إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ» (مت31:8). فإن كان ليس لديهم السلطان أن يدخلوا الحيوانات النجسة إلا بسماح من الرب، فكم بالحري الإنسان! إنهم يعجزون عن الدخول في الإنسان المخلوق علي صورة الرب؟ ويعلِّق القديس أغسطينوس على قصة دخول الشياطين في الخنازير قائلاً: “ألا ترون الحدود التي وُضِعَت في الاختبار؟ أما تلاحظون أن الشيطان ما كان يمكنه أن يلمس حتى القطيع لو لم ينل سلطاناً من الرب؟”. ونرى البابا غريغوريوس (الكبير) يميَّز بين إرادة الشيطان وسلطانه فيقول: “فمن جهة إرادته فهي دوماً شريرة، أما سلطانه فهو بسماحٍ إلهيٍ، لذلك لا نتعجَّب مما ورد في (1صم10:18) “وَكَانَ فِي الْغَدِ أَنَّ الرُّوحَ الرَّدِيءَ مِنْ قِبَلِ اللهِ اقْتَحَمَ شَاوُلَ وَجُنَّ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ”. فهو روح شرير، أما القول: “مِنْ قِبَلِ اللهِ” فلأنه ما كان يمكنه أن يقتحم شاول بدون نوال سلطانٍ من الله العادل. فيقول الرسول بولس: “لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اللهَ أَمِينٌ الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضاً الْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا” (1كو13:10).

المصدر : القس عزت شاكر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات