1صموئيل 28: 8 العرافة

قال المعترض: »جاء في 1صموئيل 28: 8 أن الملك شاول قال لعرَّافة عين دور:»اعرفي لي بالجان، وأَصعدي لي من أقول لكِ«. فسألته العرافة: »من أُصعِد لك؟« فأجاب: »أَصعدي لي صموئيل«. وسألها شاول: »ماذا رأيتِ؟« فقالت: »رأيت آلهة يصعدون من الأرض.. رجل شيخ صاعد وهو مغطى بجُبَّة«. فعلم شاول أنه صموئيل. وقال صموئيل لشاول: »غداً أنت وبنوك تكونون معي، ويدفع الربُّ جيش إسرائيل أيضاً ليد الفلسطينيين«. والسؤال هو: كيف يسمح الرب للعرّافة أن تقيم صموئيل من الموت، مع أن شريعة موسى تقول: »لا تدَعْ ساحرةً تعيش« (خروج 22: 18)«.

 

وللرد نقول تحضير العرافة لروح صموئيل يسأل عدد كبير من الناس قائلين:  نجد صعوبة كبيرة في فهم قصة تحضير العرَّافة لروح صموئيل، فهل فعلاً حضَّرت العرَّافة روح صموئيل؟  وهل يقدر الساحر بقوة السحر أن يحضر روحاً من الأبدية؟  وكيف يقول صموئيل لشاول: “غَدًا أَنْتَ وَبَنُوكَ تَكُونُونَ مَعِي” (1صم19:28) ونحن نعرف من الكتاب المقدس أن مصير شاول يختلف تماماً عن مصير صموئيل؟

 

  للإجابة على هذا السؤال أقول: لكي نفهم هذا الموقف فهماً صحيحاً علينا أن نلقي نظرة على حياة شاول قبل أن يصل إلى هذا الموقف المتدني. لقد بدأ شاول أفضل ما تكون البداية لكنه انتهى أسوأ ما تكون النهاية، وكان يمتلك كل إمكانيات النجاح لكنه فشل. ولو كان قد استفاد من الإمكانيات التي بين يديه لكان قد جعل إسرائيل على رأس الممالك، وكان هو أعظم ملوك إسرائيل. 

من هو شاول؟ شاول اسم عبري (שׁאול) يعني: “مسئول من الرب” أو “سائل من الرب”. وهو أول ملوك بني إسرائيل.  أعطاه الرب العديد من المميزات التي كان يمكن أن تجعل منه أعظم ملوك الأرض، لكنه للأسف لم يحسن استغلالها، ففشل فشلاً ذريعاً. ومن بين هذه الامتيازات:    

(1) الوجاهة والصحة الجسدية: وبلاشك هي أحد أهم عوامل النجاح، فقد كان يتمتع بصحة جيدة تجعله قادر على العمل والعطاء بقوة والتحرك في كل مكان. كذلك كان يتمتع بمنظر حسن يعطيه القبول عند كل من يتعاملون معه، فنقرأ عنه: 1وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنْيَامِينَ اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ أَبِيئِيلَ بْنِ صَرُورَ بْنِ بَكُورَةَ بْنِ أَفِيحَ، ابْنُ رَجُل بَنْيَامِينِيٍّ جَبَّارَ بَأْسٍ. 2وَكَانَ لَهُ ابْنٌ اسْمُهُ شَاوُلُ، شَابٌّ وَحَسَنٌ، وَلَمْ يَكُنْ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَحْسَنَ مِنْهُ. مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ كَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ” (1صم9: 1-2) 

(2) الرغبة الشعبية والجماهيرية الكبيرة: بعد أن مسحه صموئيل ملكاً، كان كل الشعب يهتف له: «لِيَحْيَ الْمَلِكُ!»، فالكل يريده، ونقرأ: “فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «أَرَأَيْتُمُ الَّذِي اخْتَارَهُ الرَّبُّ، أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ الشَّعْبِ؟». (1صم24:10). راجع (1صم11: 11-15). أليست الشعبية والجماهيرية من أهم عوامل النجاح.

(3) أعطاه الرب قلباً آخر: “وَكَانَ عِنْدَمَا أَدَارَ كَتِفَهُ لِكَيْ يَذْهَبَ مِنْ عِنْدِ صَمُوئِيلَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاهُ قَلْبًا آخَرَ، وَأَتَتْ جَمِيعُ هذِهِ الآيَاتِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ” (1صم9:10).

(4) حل عليه الروح القدس: حل عليه الروح القدس في مناسبتين  “وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى هُنَاكَ إِلَى جِبْعَةَ، إِذَا بِزُمْرَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ لَقِيَتْهُ، فَحَلَّ عَلَيْهِ رُوحُ اللهِ فَتَنَبَّأَ فِي وَسَطِهِمْ” (1صم10:10) راجع (1صم 6:11).

(5) كان بجواره اثنين من أعظم الشخصيات: صموئيل وداود: وكانت النتيجة أنه طهَّر البلاد من العرافة، فنقرأ: “وَكَانَ شَاوُلُ قَدْ نَفَى أَصْحَابَ الْجَانِّ  وَالتَّوَابعِ  مِنَ الأَرْضِ” (1صم3:28). وغالباً كان شاول قد نفى كل من يعمل بالسحر والشعوذة من البلاد بإرشاد صموئيل النبي.  ويرى القديس يوحنا ذهبي الفم أن ما وصل إليه شاول من انحطاط وانهيار حتى التجأ إلى صاحبة جان جاء كثمرة لانفصاله عن داود فيقول: “إلى أن انفصل عن داود لم يسقط شاول في حرب ما، فكان كلاهما في أمان ومجد”.

 

بالرغم من كل هذه الامتيازات سقط شاول في سلسلة خطايا أذكر منها اثنين فقط وهما:

(1) الحماقة والتسرع والقيام بدور ليس من حقه: إذ لم يتمهل حتى يحضر صموئيل وقام هو وقدَّم الْمُحْرَقَةَ وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ على مذبح الرب وهذا ليس دوره، لذلك قال له صموئيل: «قَدِ انْحَمَقْتَ! لَمْ تَحْفَظْ وَصِيَّةَ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَمَرَكَ بِهَا، لأَنَّهُ الآنَ كَانَ الرَّبُّ قَدْ ثَبَّتَ مَمْلَكَتَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ. 14وَأَمَّا الآنَ فَمَمْلَكَتُكَ لاَ تَقُومُ. قَدِ انْتَخَبَ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِهِ، وَأَمَرَهُ الرَّبُّ أَنْ يَتَرَأَّسَ عَلَى شَعْبِهِ. لأَنَّكَ لَمْ تَحْفَظْ مَا أَمَرَكَ بِهِ الرَّبُّ» (1صم13: 8-14).    

(2) عدم طاعة الرب: لقد طلب الرب بوضوح منه أن يحرِّم عماليق وكل ما له من أغنام وأبقار (1صم3:15) لكننا نقرأ: “وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا” (1صم15: 9). لكنه عفا عن أَجَاجَ، ومن طمعه عفا عَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ. وهنا قال الرب لصَمُوئِيلَ: «نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي».  وقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ، فَرَفَضَكَ الرَّبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ»…. «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ”. راجع (1صم15: 10-20). 

 

نتائج الخطية:

(1) صموئيل يقرر الابتعاد عنه:  لقد يئس صموئيل منه لدرجة أننا نقرأ: “وَلَمْ يَعُدْ صَمُوئِيلُ لِرُؤْيَةِ شَاوُلَ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ، لأَنَّ صَمُوئِيلَ نَاحَ عَلَى شَاوُلَ. وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ” (1صم35:15). وهي ترد في ترجمة (ك ح) “وَامْتَنَعَ صَمُوئِيلُ عَنْ رُؤْيَةِ شَاوُلَ إِلَى يَوْمِ وَفَاتِهِ، مَعَ أَنَّ قَلْبَهُ تَمَزَّقَ أَسًى عَلَيْهِ. أَمَّا الرَّبُّ فَقَدْ أَسِفَ لأَنَّهُ أَقَامَ شَاوُلَ مَلِكاً عَلَى إِسْرَائِيلَ”. ثم قَالَ الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: «حَتَّى مَتَى تَنُوحُ عَلَى شَاوُلَ، وَأَنَا قَدْ رَفَضْتُهُ عَنْ أَنْ يَمْلِكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ؟ اِمْلأْ قَرْنَكَ دُهْنًا وَتَعَالَ أُرْسِلْكَ إِلَى يَسَّى الْبَيْتَلَحْمِيِّ، لأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ لِي فِي بَنِيهِ مَلِكًا» (1صم1:16).

(2) روح الرب يفارقه ويبغته روح ردئ: فنقرأ: “وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ, وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ” (1صم15:16). ويجب أن لا ننزعج عندما نقرأ هذه الكلمات، فكما يقول القديس جيروم:  إن هذا لا يعني أن الروح الردئ مصدره الرب، أو أن ما حل بشاول كان من عند الرب، فالرسول يعقوب يقول: “لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، لأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَداً… كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ…” (يع13:1-15). إنما شاول رفض روح الرب فهيأ نفسه مسكناً للروح الردئ، لقد تركه الرب لذاته كما يقول الرسول بولس: “لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ…. لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ … وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ” (رو1:24-28).

لاحظ تكرار أسلمهم الرب، فحين يصر الإنسان على رفض الرب والاستسلام للشر يتركه الرب، أي يسلمه لشهوة قلبه، وهذا التسليم بسماح إلهي”.  المهم هو أن شاول أُصيب بمرض شديد، ولا نستطيع أن نعرف هذا المرض، ولا أعراضه بالضبط، لكنه بلا شك كما يقول د. القس منيس عبد النور: “كان مرضاً قاسياً جعل شاول ورجاله الكبار ينشغلون ويفكرون في العلاج، ولابد أنهم جربوا كل أطباء المملكة ولكن علاجهم لم ينفع”. وهنا فكر رجال شاول في العلاج بالموسيقى ـ وقد كان هذا الأمر معروفاً في القديم، فيقول سنيكا: “إن فيثاغورس كان يهدئ متاعب عقله بالقيثارة”. وقال أليشع النبي مرة: “وَالآنَ فَأْتُونِي بِعَوَّادٍ” (2مل15:3) ـ فقال رجاله: “فَلْيَأْمُرْ سَيِّدُنَا عَبِيدَهُ قُدَّامَهُ أَنْ يُفَتِّشُوا عَلَى رَجُلٍ يُحْسِنُ الضَّرْبَ بِالْعُودِ. وَيَكُونُ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ الرُّوحُ الرَّدِيءُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ أَنَّهُ يَضْرِبُ بِيَدِهِ فَتَطِيبُ» (1صم16:16). ووافق شاول على اقتراح رجاله وقال: «انْظُرُوا لِي رَجُلاً يُحْسِنُ الضَّرْبَ وَأْتُوا بِهِ إِلَيَّ». وهنا قال أحد رجاله: «هُوَذَا قَدْ رَأَيْتُ ابْناً لِيَسَّى الْبَيْتَلَحْمِيِّ يُحْسِنُ الضَّرْبَ, وَهُوَ جَبَّارُ بَأْسٍ وَرَجُلُ حَرْبٍ وَفَصِيحٌ وَرَجُلٌ جَمِيلٌ, وَالرَّبُّ مَعَهُ». فوافق شاول على هذا الكلام وأرسل رسلاً إلى يَسَّى يقول: «أَرْسِلْ إِلَيَّ دَاوُدَ ابْنَكَ الَّذِي مَعَ الْغَنَمِ». وكان داود سبب شفاء لشاول فنقرأ: “وَكَانَ عِنْدَمَا جَاءَ الرُّوحُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ عَلَى شَاوُلَ أَنَّ دَاوُدَ أَخَذَ الْعُودَ وَضَرَبَ بِيَدِهِ, فَكَانَ شَاوُلُ يَرْتَاحُ وَيَطِيبُ وَيَذْهَبُ عَنْهُ الرُّوحُ الرَّدِيء”ُ (1صم23:16). 

(3) الغيرة المرة من داود ومحاولة قتله: لقد بدأت الغيرة والكراهية تدب في قلب شاول الملك تجاه داود بعد أن قتل داود جليات الجبار، وخرجت النساء من جميع مدن إسرائيل لاستقبال شاول وداود وهن يغنين: “ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رَبَوَاتِهِ”. لقد حسبن جليات بربوات “والربوة عشرة آلاف”، وبدلاً من أن يفرح شاول لأن داود قتل جليات وأزال العار عن إسرائيل، اغتاظ جداً وغضب جداً من داود وقال: «أَعْطَيْنَ دَاوُدَ رَبَوَاتٍ وَأَمَّا أَنَا فَأَعْطَيْنَنِي الأُلُوفَ! وَبَعْدُ فَقَطْ تَبْقَى لَهُ الْمَمْلَكَةُ!» 9فَكَانَ شَاوُلُ يُعَايِنُ دَاوُدَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِداً”  (1صم6:18-10). ويرد عدد 9 في ترجمة كتاب الحياة: “وشرع شاول منذ ذلك اليوم فصاعداً يراقب داود بعين ممتلئة بالغيرة”. وترد في الترجمة اليسوعية: “وأخذ شاول يلحظ داود بعين الشر من ذلك اليوم فصاعداً”. وترد في ترجمة بين السطور: “وأخذ شاول يضمر الشر لداود منذ ذلك اليوم”. وبالرغم من أن داود لم يسئ إلى شاول، ولم يظلمه، إلا أن قلب شاول امتلأ حقداً ومرارة تجاه داود ففكر في قتله، والشئ الغريب هو أن شاول أشرع الرمح تجاه داود ليقتله بينما كان داود يعزف له ليهدأ ويستريح، إنها صورة لمريض يمسك بالسكين ليقتل بها الطبيب الذي يعطيه حقنة مهدئة. “وَكَانَ دَاوُدُ يَضْرِبُ بِيَدِهِ كَمَا فِي يَوْمٍ فَيَوْمٍ, وَكَانَ الرُّمْحُ بِيَدِ شَاوُلَ. فَأَشْرَعَ شَاوُلُ الرُّمْحَ وَقَالَ: «أَضْرِبُ دَاوُدَ حَتَّى إِلَى الْحَائِطِ». فَتَحَوَّلَ دَاوُدُ مِنْ أَمَامِهِ مَرَّتَيْنِ” (1صم11:18). وقد حاول شاول مرتين أن يقتله لكن يد الرب كانت أقوى وأقرب من رمح شاول. والأعجب هو عندما نقرأ العدد التالي لهذه الحادثة: ع12 “وَكَانَ شَاوُلُ يَخَافُ دَاوُدَ لأَنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَهُ وَقَدْ فَارَقَ شَاوُل”.  إن مشاعر الكراهية تدفع الإنسان لينتقم ويدبِّر الخطط ليدمِّر الآخر وقد يعد العدة لذلك، ولكنها تجعله في نفس الوقت فاقد الاتزان ومرتبك وخائف. فمَن كان على كرسي العرش؟ ومَن صاحب السلطان؟ ومَن في يده الرمح؟ ولكن مَن الخائف؟ مَن يخاف مِن مَن؟ صحيح شاول في يده الرمح ولكن داود في يد الرب، ألم يكن أخآب يخاف من إيليا؟! ألم يكن هيرودس يخاف من المعمدان؟! ألم يكن فيلكس جالساً على كرسي القضاء وبولس يقف أمامه للمحاكمة، ولكن عندما كلمه بولس عن البر والتعفف والدينونة ارتعب فيلكس! 

(4) الالتجاء إلى السحرة:  ثم نقرأ أَنَّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ جَمَعُوا جُيُوشَهُمْ لِكَيْ يُحَارِبُوا إِسْرَائِيلَ، فلَمَّا رَأَى شَاوُلُ جَيْشَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ خَافَ وَاضْطَرَبَ قَلْبُهُ جِدًّا(1صم5:28). لقد كان شاول في منتهى الضعف، والسر الحقيقي في خوفه هو ترك الرب له، فمن معه الرب لا يخاف من أي قوة في الوجود. فماذا يفعل وصموئيل قد مات؟ لعل ما حدث من ضيق كان فرصة جديدة يقدمها له الرب لكي يرجع إليه بتوبة صادقة، كما حدث مع منسى الملك، لكنه للأسف أساء استخدام الفرصة وذهب إلى صاحبة جان وهو يعرف أن الرب يكره هذا. لقد قال الرب لشعبه: “لا تَلْتَفِتُوا الَى الْجَانِّ وَلا تَطْلُبُوا التَّوَابِعَ فَتَتَنَجَّسُوا بِهِمْ. انَا الرَّبُّ الَهُكُمْ” (لا31:19). «وَإِذَا كَانَ فِي رَجُل أَوِ امْرَأَةٍ جَانٌّ أَوْ تَابِعَةٌ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. بِالْحِجَارَةِ يَرْجُمُونَهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ» (لا27:20). «مَتَى دَخَلتَ الأَرْضَ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لا تَتَعَلمْ أَنْ تَفْعَل مِثْل رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. 10  لا يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ وَلا مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً وَلا عَائِفٌ وَلا مُتَفَائِلٌ وَلا سَاحِرٌ. 11  وَلا مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً وَلا مَنْ يَسْأَلُ جَانّاً أَوْ تَابِعَةً وَلا مَنْ يَسْتَشِيرُ المَوْتَى. 12  لأَنَّ كُل مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هَذِهِ الأَرْجَاسِ الرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ” (تث18: 9-12).  وبعد أن كان قد نفى أصحاب الجان والتوابع ها هو يبحث عنهم أمام عبيده، ويقول لهم: «فَتِّشُوا لِي عَلَى امْرَأَةٍ صَاحِبَةِ جَانٍّ، فَأَذْهَبَ إِلَيْهَا وَأَسْأَلَهَا». فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: «هُوَذَا امْرَأَةٌ صَاحِبَةُ جَانٍّ فِي عَيْنِ دُورٍ». وكانت عين دور تبعد عن جلبوع حيث يقيم 10 أميال، وتنكر ملك إسرائيل وذهب إلى إمرأة صاحبة جان فأهان الرب إذ أقام هذه المرأة الكاذبة مكان الرب. وهكذا إنحرف شاول من ضعف إلى أخر حتى ارتكب هذا الشر العظيم. وقال لها: «اعْرِفِي لِي بِالْجَانِّ وَأَصْعِدِي لِي مَنْ أَقُولُ لَكِ». فقالت له: «هُوَذَا أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فَعَلَ شَاوُلُ، كَيْفَ قَطَعَ أَصْحَابَ الْجَانِّ وَالتَّوَابعِ مِنَ الأَرْضِ. فَلِمَاذَا تَضَعُ شَرَكًا لِنَفْسِي لِتُمِيتَهَا؟». فَحَلَفَ لَهَا شَاوُلُ بِالرَّبِّ قَائِلاً: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، إِنَّهُ لاَ يَلْحَقُكِ إِثْمٌ فِي هذَا الأَمْرِ». كيف يحلف لها بالرب أنه سيحميها والناموس يطلب رجم الساحرات (لا 27:20). وكيف يحلف لها بالرب وها هو يطلب الجان؟! إنه يشبه الحرامي الذي يذهب ليسرق ويقول “يا رب استر”.  فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ له: «مَنْ أُصْعِدُ لَكَ؟» فَقَالَ: «أَصْعِدِي لِي صَمُوئِيلَ».

فهل فعلاً حضَّرت العرَّافة روح صموئيل؟  أقول بكل يقين لا يمكن للعرافة أن تحضِّر روح صموئيل للأسباب الآتية:

1 ـ  كان الرب قد رفض أن يتكلم ويعلن لشاول عن مشيئته بكل الطرق المعروفة في ذلك الوقت فهل يستطيع إنسان مهما كانت قوته أن يتحدى الرب ويعرف مشيئته؟  لقد كان الرب يتمنى أن يأتي شاول إليه تائباً ونادماً يطلب معرفة مشيئته. وما يؤكد هذا ما نقرأه في (1أخ14:10) “فَمَاتَ شَاوُلُ بِخِيَانَتِهِ الَّتِي بِهَا خَانَ الرَّبَّ مِنْ أَجْلِ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي لَمْ يَحْفَظْهُ. وَأَيْضًا لأَجْلِ طَلَبِهِ إِلَى الْجَانِّ لِلسُّؤَالِ، 14وَلَمْ يَسْأَلْ(דרשׁ) مِنَ الرَّبِّ، فَأَمَاتَهُ وَحَوَّلَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى دَاوُدَ بْنِ يَسَّى”. والفعل العبري “يسَأَلَ” هنا هو (דרשׁ) “دراش” ويعني البحث الجاد والتفتيش بحماس وجدية. فلم يطلب شاول الرب بكل قلبه، ولم يسأل ويفتش عن مشيئته بحماس وجدية. أما ما نقرأ عنه في (1صم6:28): “فَسَأَلَ (וישׁאל) شَاوُلُ مِنَ الرَّبِّ، فَلَمْ يُجِبْهُ الرَّبُّ لاَ بِالأَحْلاَمِ وَلاَ بِالأُورِيمِ وَلاَ بِالأَنْبِيَاءِ»  فالفعل العبري “سَأَلَ” هو (וישׁאל) “شال” ويعني السؤال العابر. لقد سأل سؤالاً عابراً لراحة ضميره، وقد رفض الرب أن يجيبه، وكيف يجيب الرب رجلاً قتل كهنة الرب ورئيس الكهنة ويطارد الرجل الذى كان يحارب باسم الرب؟ فهل يستطيع إنسان مهما كان جبروته أن يلوي ذراع الرب ويعرف مشيئته؟ كلا.

2 ـ لايمكن لأي إنسان على الأرض مهما كانت القوة الشيطانية التي يمتلكها أن يكون له سلطان على الأرواح التي في السماء: فهل من المعقول أن يكون للشيطان سلطان على الأرواح التي في الفردوس، ويستطيع أن يزعجها في أي وقت يشاء، وأن يجعلها تفعل ما لا تريد أن تفعله؟ وأن يستحضرها في أي ظرف أو مكان كما يريد؟! وهل يعقل أن يسمح الرب للجان أن يصطحب روح صموئيل بأمر عرافة ويخرجها من الفردوس؟ لاحظ ما قاله صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «لِمَاذَا أَقْلَقْتَنِي بِإِصْعَادِكَ إِيَّايَ؟». كيف يمكن لجان أن يقلق الإتسان وهو في الأبدية؟ وهل يقلق الإنسان في الأبدية؟ وإذا كان من الممكن أن يصل الجان إلى الأرواح في الأبدية ويزعجها ويقلقها، فلن تكون أبدية، ويصبح الرب في منتهى الضعف لدرجة أنه غير قادر على حماية الأرواح التي وصلت له؟! يقول العلامة ترتليانوس: “حاشا لنا أن نظن أن نفس أي قديس ـ بالأكثر نفس نبي ـ تستدعى من مكان راحتها في الفردوس بواسطة شيطان.

3 ـ واضح أن العرافة لم تحضر روح صموئيل، بل كذبت على شاول وخدعته وهذا يتضح من الآتي: أ ـ كان شاول معروفاً للجميع بصفته الملك، إلى جانب أنه كان أطول شخص في الشعب كما نقرأ: “فَكَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ” (1صم10: 23-24). لذلك تظاهرها بعدم معرفتها له كان مجرد تمثيلية.    ب ـ عندما ندرس القصة بتدقيق نجد أن شاول لم ير شيئاً، لاحظ الحوار الذي دار بين شاول والعرافة:  “فَقَالَ لَهَا الْمَلِكُ: «مَاذَا رَأَيْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِشَاوُلَ: «رَأَيْتُ آلِهَةً يَصْعَدُونَ مِنَ الأَرْضِ». 14فَقَالَ لَهَا: «مَا هِيَ صُورَتُهُ؟» فَقَالَتْ: «رَجُلٌ شَيْخٌ صَاعِدٌ وَهُوَ مُغَطًّى بِجُبَّةٍ». فَعَلِمَ شَاوُلُ أَنَّهُ صَمُوئِيلُ، فَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ” (1صم28: 13-14).   ج ـ تقول لشاول: «رَأَيْتُ آلِهَةً يَصْعَدُونَ مِنَ الأَرْضِ». ويقول (Adam Clarke) إن الكلمة العبرية المترجمة (آلهة) هي بالمفرد (אלהום) “إلوهيم” أي الرب، ولذلك قال لها شاول: «مَا هِيَ صُورَتُهُ؟» عد 14 وربما استخدمت العرافة هذه الكلمة على سبيل الإجلال والتعظيم لصموئيل، ولكي تعطي جو من الرهبة على الموقف. وفي هذا الكلام مغالطة كبيرة، فلم يكن صموئيل في باطن الأرض بل في السماء.   د ـ قالت العرافة عن صموئيل: «رَجُلٌ شَيْخٌ صَاعِدٌ وَهُوَ مُغَطًّى بِجُبَّةٍ». ومن يدرس كلمة الرب يعرف أنه ليس في الأرواح شيوخاً يلبسون جبباً. فمن يموت شيخاً لن يصعد السماء شيخاً، ومن يموت معوق لن يقضي أبديته كذلك.   ه ـ لم تذكر العرافة شيئاً جديداً لشاول، فما ذكرته عن تمزق المملكة وأن داود سيرثها، كان صموئيل قد سبق وأعلنه، وكان كل الشعب يعرفه عنه (1صم13: 13-14، 15: 28، 35).   و ـ عندما قالت لشاول على لسان صموئيل: “وَغَدًا أَنْتَ وَبَنُوكَ تَكُونُونَ مَعِي” فهي عبارة عامة وليست نبوة، مثلما يقول لك العراف اليوم: “أمامك طريق مسدود، أو هناك بعض المشاكل تنغص حياتك، أو يوجد خير قادم لحياتك قريباً”، فالأمر الطبيعي أن الكل سيرحل من هذا العالم، وكلمة “غَدًا” تعبر عن المستقبل بصفة عامة وليس زمن محدد. إلى جانب أن بعض العلماء يقولون: لقد أخطأت في تحديد ميعاد موته”.    ز ـ قال صموئيل لشاول: “غَدًا أَنْتَ وَبَنُوكَ تَكُونُونَ مَعِي” ع19.  وهذا غير صحيح، فمصير شاول معروف للجميع فكيف يقول له صموئيل: “تَكُونُونَ مَعِي”. لذلك يقول القديس هيبوليتس: “إن شاول لم ير صموئيل، إنما كان ذلك خداعاً”. 

 

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا فعلت العرافة كل هذه التمثيلية؟ لقد فعلت كل هذا انتقاماً منه لما فعله مع أَصْحَابَ الْجَانِّ وَالتَّوَابعِ، فكما نقرأ في (ع3) “وَكَانَ شَاوُلُ قَدْ نَفَى أَصْحَابَ الْجَانِّ وَالتَّوَابعِ مِنَ الأَرْضِ”. لذلك عندما رأته وجدتها أفضل فرصة للانتقام وقررت في داخلها ألا تتركة إلا بعد أن ينهار تماماً، وقد حدث، فنقرأ: “فَأَسْرَعَ شَاوُلُ وَسَقَطَ عَلَى طُولِهِ إِلَى الأَرْضِ وَخَافَ جِدًّا مِنْ كَلاَمِ صَمُوئِيلَ، وَأَيْضًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا النَّهَارَ كُلَّهُ وَاللَّيْلَ. ثُمَّ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى شَاوُلَ وَرَأَتْ أَنَّهُ مُرْتَاعٌ جِدًّا” (1صم28: 20-21). بعد أن تأكدنا من أنه لم يكن هناك أي ظهور لأي شخص، فالسؤال الآن: ماذا عن الصوت الذي كان يكلم شاول؟

هناك رأيان فى هذه القصة وهما:  أولاً: الذى كان يتكلم شيطان وادّعى أنه صموئيل: وأصحاب هذا الرأى يدللون على ذلك بالآتي:-

1- إن الشيطان بستطيع أن “يغير شكله إلى ملاك نور” (2كو 11 : 14، 2تس 4:2) حيث نفهم من كلمة الرب أنه سيظهر نفسه على أنه الرب  نفسه (مت 24:24). 

2- الكلمات التي قالها لشاول ليست فيها أي دعوة للتوبة والتصالح مع الرب، بل لوضع شاول فى حالة يأس خطيرة بلا أي رجاء.   ثانياً: كما أن شاول لم ير أي شخص كذلك لم يسمع أي صوت، وكانت العرافة هي التي تنقل الحديث لشاول.  وما فعلته هو نوع من الخداع تعودت عليه بالخبرة، فبعد أن تتحدث مع الشخص وتعرف نفسيته تستطيع أن تقول له بعض الجمل المناسبة. فالنبوات التي نطقت بها لا تحتاج لذكاء فهي تعرف قوة جيش الفلسطينيين وضعف جيش شاول وأنها معركة خاسرة وأن الفلسطينيين لن يهدأوا إلاّ لو تخلصوا من شاول.

 

عزيزي القارئ: لقد كانت نهاية شاول نهاية مأساوية، فقد قُتِل في الحرب أمام الفلسطينيين، فنقرأ: “فَمَاتَ شَاوُلُ وَبَنُوهُ الثَّلاَثَةُ وَحَامِلُ سِلاَحِهِ وَجَمِيعُ رِجَالِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعاً” (1صم6:31). والأصعب هو أنه لما جاء الفلسطينيون إلى أرض المعركة لسلب الثياب الثمينة والأسلحة وكل ذي قيمة للقتلى، عندما وجدوا شاول وبنيه ساقطين في جبل جلبوع، قطعوا رأس شاول ونزعوا سلاحه وبعثوا رسلاً إلى كل بلادهم يبشرون بموته، وسمَّروا جسده وأجساد بنيه على سور بيت شان، وهي مدينة بيسان الحالية وتبعد حوالي خمسة أميال غربي نهر الأردن. وهذه هي نهاية الشر والبعد عن الرب وطلب الجان والسحر والشعوذة، فليحفظنا الرب.

المصدر : القس عزت شاكر.

1صموئيل 28: 8 العرافة

1صموئيل 28: 8 العرافة

هل الرب إله الدماء؟ “تحضير روح صموئيل  “القس عزت شاكر:

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات