2 ملوك 22 : 20 – 23 كيف يستخدم الرب روح كذب لتنفيذ مقاصده؟

2 ملوك 22 : 20 – 23 كيف يستخدم الرب روح كذب لتنفيذ مقاصده؟

«فَقَالَ الرَّبُّ: مَنْ يُغْوِي أَخْآبَ فَيَصْعَدَ وَيَسْقُطَ فِي رَامُوتَ جِلْعَادَ؟ فَقَالَ هذَا هكَذَا، وَقَالَ ذَاكَ هكَذَا. 21ثُمَّ خَرَجَ الرُّوحُ وَوَقَفَ أَمَامَ الرَّبِّ وَقَالَ: أَنَا أُغْوِيهِ. وَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: بِمَاذَا؟ 22فَقَالَ: أَخْرُجُ وَأَكُونُ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ. فَقَالَ: إِنَّكَ تُغْوِيهِ وَتَقْتَدِرُ، فَاخْرُجْ وَافْعَلْ هكَذَا. 23وَالآنَ هُوَذَا قَدْ جَعَلَ الرَّبُّ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِكَ هؤُلاَءِ، وَالرَّبُّ تَكَلَّمَ عَلَيْكَ بِشَرّ» (2 ملوك 22 : 20 – 23). وأيضا” (2 أخبار 18 : 18 – 22 ).  كيف يرسل الرب رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ؟ هل الرب يحب أن يُغْوِي عبيده؟ وهل يستعمل الرب أرواحاً شريرة لتنفيذ مقاصده؟ لكي نجيب على هذه الأسئلة يجب أن نعرف من هو أَخْآبَ؟ والخلفية التاريخية للقصة التي أمامنا؟ ومن هم الأنبياء الذين يتحدث عنهم الوحي هنا؟

 

(1) الرب لا يضلل أيّ إنسان:  لأنه يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ (اتي2: 4). وهو الذي قال: “حَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ, إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ, بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. ارْجِعُوا ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الرَّدِيئَةِ. فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ؟” (حز11:33).  وهو الذي يهدي الضالين ويقودهم إلى طريق الخلاص والحياة الأبدية، ألم يُقِم في العهد القديم نظام الكهنوت واشترط أن يكون رَئِيس الكَهَنَة مترفقاً بالجهال والضالين؟ “لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّاسِ يُقَامُ لأَجْلِ النَّاسِ فِي مَا لِلَّهِ، لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا، 2قَادِراً أَنْ يَتَرَفَّقَ بِالْجُهَّالِ وَالضَّالِّينَ، إِذْ هُوَ أَيْضاً مُحَاطٌ بِالضُّعْفِ. 3وَلِهَذَا الضُّعْفِ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ عَنِ الْخَطَايَا لأَجْلِ الشَّعْبِ هَكَذَا أَيْضاً لأَجْلِ نَفْسِهِ”.(عب5: 1-3). فمن الجهل أن نظن أن الرب الذي يطلب من رَئِيس الكَهَنَة أن يكون مترفقاً بالضالين هو الذي يضللهم؟ ونحن كنا ضالين ولكن محبة الرب ونعمته هي التي قادتنا إلى التوبة والخلاص: “لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضاً قَبْلاً أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضاً. 4وَلَكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ – 5لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ -خَلَّصَنَا بِغَسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (تي3: 3-5).   وكيف يضلل الناس وهو الذي يدين المضلِّلين فقال لموسى أن يقول الشعب: “مَلعُونٌ مَنْ يُضِلُّ الأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ” (تث18:27)، وقال على لسان الحكيم: “مَنْ يُضِلُّ الْمُسْتَقِيمِينَ فِي طَرِيقٍ رَدِيئَةٍ فَفِي حُفْرَتِهِ يَسْقُطُ هُوَ” (أم28: 10). وقد حذَّر الرب يسوع كل من يحاول تضليل أو من يضع عثرة أمام المؤمنين الجدد فيقول: “وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحًى وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ” (مر9: 42).     وأرجو أن تقرأ معي الآيات التالية لترى كيف يدين الرب الأنبياء الكذبة: “وَأَمَّا النَّبِيُّ الذِي يُطْغِي فَيَتَكَلمُ بِاسْمِي كَلاماً لمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلمَ بِهِ أَوِ الذِي يَتَكَلمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى فَيَمُوتُ ذَلِكَ النَّبِيُّ” (تث18: 20-22). “هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ عَلَى الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يُضِلُّونَ شَعْبِي الَّذِينَ يَنْهَشُونَ بِأَسْنَانِهِمْ وَيُنَادُونَ: سَلاَمٌ! وَالَّذِي لاَ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ شَيْئاً يَفْتَحُونَ عَلَيْهِ حَرْباً: 6«لِذَلِكَ تَكُونُ لَكُمْ لَيْلَةٌ بِلاَ رُؤْيَا. ظَلاَمٌ لَكُمْ بِدُونِ عِرَافَةٍ. وَتَغِيبُ الشَّمْسُ عَنِ الأَنْبِيَاءِ وَيُظْلِمُ عَلَيْهِمِ النَّهَارُ. 7فَيَخْزَى الرَّاؤُونَ وَيَخْجَلُ الْعَرَّافُونَ وَيُغَطُّونَ كُلُّهُمْ شَوَارِبَهُمْ لأَنَّهُ لَيْسَ جَوَابٌ مِنَ اللَّهِ» (مي3: 5-7). 32هَئَنَذَا عَلَى الَّذِينَ يَتَنَبَّأُونَ بِأَحْلاَمٍ كَاذِبَةٍ يَقُولُ الرَّبُّ الَّذِينَ يَقُصُّونَهَا وَيُضِلُّونَ شَعْبِي بِأَكَاذِيبِهِمْ وَمُفَاخَرَاتِهِمْ وَأَنَا لَمْ أُرْسِلْهُمْ وَلاَ أَمَرْتُهُمْ… 39لِذَلِكَ هَئَنَذَا أَنْسَاكُمْ نِسْيَاناً وَأَرْفُضُكُمْ مِنْ أَمَامِ وَجْهِي أَنْتُمْ وَالْمَدِينَةَ الَّتِي أَعْطَيْتُكُمْ وَآبَاءَكُمْ إِيَّاهَا. 40وَأَجْعَلُ عَلَيْكُمْ عَاراً أَبَدِيّاً وَخِزْياً أَبَدِيّاً لاَ يُنْسَى] (إر23: 32، 39).   ويحذر الرب شعبه باستمرار من الانسياق وراء الأنبياء الكذبة:  “إِذَا قَامَ فِي وَسَطِكَ نَبِيٌّ أَوْ حَالِمٌ حُلماً وَأَعْطَاكَ آيَةً أَوْ أُعْجُوبَةً 2وَلوْ حَدَثَتِ الآيَةُ أَوِ الأُعْجُوبَةُ التِي كَلمَكَ عَنْهَا قَائِلاً: لِنَذْهَبْ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لمْ تَعْرِفْهَا وَنَعْبُدْهَا 3فَلا تَسْمَعْ لِكَلامِ ذَلِكَ النَّبِيِّ أَوِ الحَالِمِ ذَلِكَ الحُلمَ لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ يَمْتَحِنُكُمْ لِيَعْلمَ هَل تُحِبُّونَ الرَّبَّ إِلهَكُمْ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ. 4وَرَاءَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ تَسِيرُونَ وَإِيَّاهُ تَتَّقُونَ وَوَصَايَاهُ تَحْفَظُونَ وَصَوْتَهُ تَسْمَعُونَ وَإِيَّاهُ تَعْبُدُونَ وَبِهِ تَلتَصِقُونَ. 5وَذَلِكَ النَّبِيُّ أَوِ الحَالِمُ ذَلِكَ الحُلمَ يُقْتَلُ لأَنَّهُ تَكَلمَ بِالزَّيْغِ مِنْ وَرَاءِ الرَّبِّ إِلهِكُمُ الذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ العُبُودِيَّةِ لِيُطَوِّحَكُمْ عَنِ الطَّرِيقِ التِي أَمَرَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ أَنْ تَسْلُكُوا فِيهَا. فَتَنْزِعُونَ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ” (تث13: 1-5).  “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. مَنْ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ، كَمَا أَنَّ ذَاكَ بَارٌّ. 8مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هَذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ” (1يو3: 7،8). وقال الرب يَسُوعُ: «انْظُرُوا لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. 5فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ».(مت24: 4-5). 

 

(2) من هو أَخْآبَ؟ أَخْآبُ بْنُ عُمْرِي، مَلَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ حوالي عام 875 ق.م. ومَلَك اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً،“وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ قَبْلَهُ” (1مل16: 31)، وتزوج من إيزابل ابنة أثبعل ملك صيدون، وكانت امرأة وثنية شريرة تعبد البعل، فأثرت عليه وانقاد وراءها في عبادة البعل (1مل16: 30-33). وكانت تكره إله إسرائيل لدرجة أنها قتلت جميع أنبياء الرب. فكانت فترة حكمه مظلمة وحالكة في تاريخ شعب إسرائيل، فيها ابتعد إسرائيل جداً عن الرب وتركه وعبد آلهة أخرى وأغاظ الرب جداً، فقد أقام مذبحاً للبعل في السامرة وعمل السواري وأقامها لعبادة الأوثان.  ولكن الرب لم يترك نفسه بلا شاهد، فأرسل إيليا النبي إلى آخاب فتنبأ بمجيء جفاف وقحط عقاباً له على خطيته (1 مل17: 1) وقد دام القحط في السامرة ثلاث سنين ونصف تقريباً (1 مل 18: 1، ولو 4: 25، يع 5: 17). وكان الجوع شديداً، وقال إيليا لآخاب أنه هو وأهل بيته هم سبب هذا الشر نتيجة عبادتهم للبعل، وبالرغم من ذلك لم يتب آخاب أو يرجع عن طرقه الردية، بل إزداد شراً وفساداً، فاستولى أخآب وايزابل على كرم نابوت اليزرعيلي بعد أن دبرا له مكيدة لقتله، وقُتِل ظلماً بناء على شهادة شهود زور. فأرسل الرب إيليا ليقول لَهُ: “هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضاً؟ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ الْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ الْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضاً. 20فَقَالَ أَخْآبُ لإِيلِيَّا: هَلْ وَجَدْتَنِي يَا عَدُوِّي؟ فَقَالَ: قَدْ وَجَدْتُكَ لأَنَّكَ قَدْ بِعْتَ نَفْسَكَ لِعَمَلِ الشَّرِّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ” (1مل 21: 19).

 

(3) الخلفية التاريخية للقصة التي أمامنا؟ تحالف “يهوشافاط” ملك يهوذا مع “أَخْآب” ملك إسرائيل وزوَّج ابنه من ابنة َأخْآب “عثليا”، وبعد ثلاث سنين لم تكن فيها حروب بين إسرائيل وآرام، أراد أخآب أن يسترد راموت جلعاد من الآراميين ويرجعها إلى ملكه فطلب من يهوشافاط أن ينزل معه للحرب ضد ملك آرام، وقد كان هذا لهلاك أَخْآب كما تنبأ إيليا بأنه سيموت وأن الكلاب ستلحس دمه في كرم نابوت اليزرعيلي. وهنا طلب يهوشافاط من أخْآب أن يستشير أنبياء الرب، فَجَمَعَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ 400 رجل من أنبياء البعل وَسَأَلَهُمْ: [أَأَذْهَبُ إِلَى رَامُوتَ جِلْعَادَ لِلْقِتَالِ أَمْ أَمْتَنِعُ؟] فَقَالُوا: [اصْعَدْ فَيَدْفَعَهَا السَّيِّدُ لِيَدِ الْمَلِكِ]. وكان على رأسهم صدقيا بن كنعنة الذي عمل لنفسه قرني حديد وقال لأَخْآب: [هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: بِهَذِهِ تَنْطَحُ الأَرَامِيِّينَ حَتَّى يَفْنُوا]، ونقرأ في آية 12 “وَتَنَبَّأَ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ قَائِلِينَ: [اصْعَدْ إِلَى رَامُوتَ جِلْعَادَ وَأَفْلِحْ، فَيَدْفَعَهَا الرَّبُّ لِيَدِ الْمَلِكِ]”. ولكن يَهُوشَافَاطُ الملك سَأَل: [ أَمَا يُوجَدُ هُنَا بَعْدُ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ فَنَسْأَلَ مِنْهُ؟8فَقَالَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ لِيَهُوشَافَاطَ: [يُوجَدُ بَعْدُ رَجُلٌ وَاحِدٌ لِسُؤَالِ الرَّبِّ بِهِ، وَلَكِنِّي أُبْغِضُهُ لأَنَّهُ لاَ يَتَنَبَّأُ عَلَيَّ خَيْراً بَلْ شَرّاً، وَهُوَ مِيخَا بْنُ يَمْلَةَ]. فَقَالَ يَهُوشَافَاطُ: [لاَ يَقُلِ الْمَلِكُ هَكَذَا]. فأرسلوا لاستدعاء ميخا النبي، والغريب أن الرَّسُولُ الَّذِي ذَهَبَ لِيَدْعُوَ مِيخَا قال له: “هُوَذَا كَلاَمُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ بِفَمٍ وَاحِدٍ خَيْرٌ لِلْمَلِكِ” وطلب منه أن يتنبأ بالخير للملك مثل باقي الأنبياء، ولكن مِيخَا قال له: [حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِنَّ مَا يَقُولُهُ لِيَ الرَّبُّ بِهِ أَتَكَلَّمُ]. فلما جاء مِيخَا سَأَلَهُ الْمَلِكُ: [يَا مِيخَا، أَنَصْعَدُ إِلَى رَامُوتَ جِلْعَادَ لِلْقِتَالِ أَمْ نَمْتَنِعُ؟] فَقَالَ لَهُ: [اصْعَدْ وَأَفْلِحْ فَيَدْفَعَهَا الرَّبُّ لِيَدِ الْمَلِكِ]. وهي تأتي في الترجمة التفسيرية “فَأَجَابَهُ (بِتَهَكُّمٍ): «اذْهَبْ فَتَظْفَرَ بِهَا لأَنَّ الرَّبَّ يُسَلِّمُهَا إِلَى الْمَلِكِ». فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: [كَمْ مَرَّةٍ اسْتَحْلَفْتُكَ أَنْ لاَ تَقُولَ لِي إِلاَّ الْحَقَّ بِاسْمِ الرَّبِّ]. 17فَقَالَ: [رَأَيْتُ كُلَّ إِسْرَائِيلَ مُشَتَّتِينَ عَلَى الْجِبَالِ كَخِرَافٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا. فَقَالَ الرَّبُّ: [لَيْسَ لِهَؤُلاَءِ أَصْحَابٌ، فَلْيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ بِسَلاَمٍ]. وهي تأتي في الترجمة التفسيرية«رَأَيْتُ كُلَّ إِسْرَائِيلَ مُبَدَّدِينَ عَلَى الْجِبَالِ كَخِرَافٍ بِلاَ رَاعٍ. فَقَالَ الرَّبُّ: لَيْسَ لِهَؤُلاَءِ قَائِدٌ، فَلْيَرْجِعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى بَيْتِهِ بِسَلاَمٍ». والمعني المقصود أنك ستموت ويصبح الشعب بلا قائد ولكنهم سيرجعون إلى بيوتهم بسلام. ولذلك اغتاظ جداً أخآب وقال لِيَهُوشَافَاطَ: [ أَمَا قُلْتُ لَكَ إِنَّهُ لاَ يَتَنَبَّأُ عَلَيَّ خَيْراً بَلْ شَرّاً؟]. فقال له ميخا النبي الكلمات التي هي موضوع سؤالنا: [فَاسْمَعْ إِذاً كَلاَمَ الرَّبِّ: قَدْ رَأَيْتُ الرَّبَّ جَالِساً عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَكُلُّ جُنْدِ السَّمَاءِ وُقُوفٌ لَدَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ. 20فَقَالَ الرَّبُّ: مَنْ يُغْوِي أَخْآبَ فَيَصْعَدَ وَيَسْقُطَ فِي رَامُوتَ جِلْعَادَ؟ فَقَالَ هَذَا هَكَذَا وَقَالَ ذَاكَ هَكَذَا. 21ثُمَّ خَرَجَ الرُّوحُ وَوَقَفَ أَمَامَ الرَّبِّ وَقَالَ: أَنَا أُغْوِيهِ. وَسَأَلَهُ الرَّبُّ: بِمَاذَا؟ 22فَقَالَ: أَخْرُجُ وَأَكُونُ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ. فَقَالَ: إِنَّكَ تُغْوِيهِ وَتَقْتَدِرُ. فَاخْرُجْ وَافْعَلْ هَكَذَا. 23وَالآنَ هُوَذَا قَدْ جَعَلَ الرَّبُّ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِكَ هَؤُلاَءِ، وَالرَّبُّ تَكَلَّمَ عَلَيْكَ بِشَرٍّ]. وفور أن قال ميخا النبي هذه الكلمات إلا وضربه صدقيا بقرني الحديد متهماً إياه بالكذب، وأمر أخآب الملك بحبسه حتى يعود من الحرب. وخرج للحرب متخفياً وخرج معه يهوشافاط الذي ظنه الآراميين ملك إسرائيل فحاولوا قتله ولكنه صرخ فعرفوه وتحولوا عنه إلى آخاب، واشتد القتال وأخذ أحد الرجال قوسه وهو غير متعمد فنفذ السهم من درع آخاب فأصابه في مقتل وأخذ الدم ينزف منه فملأ المركبة، وفي نهاية النهار مات أخآب وأخذت المركبة وغسلت في بركة السامرة فلحست الكلاب دمه وغسلوا سلاحه حسب كلام الرب الذي تكلم به على فم إيليا النبي (1مل22: 38).

 

(4) ما الذي قصده ميخا النبي بهذه الكلمات؟
(أ) تحذير أخآب من الأنبياء الكذبة: أولاً ما يجب أن نلاحظه هو أن ما قاله ميخا النبي هنا هو عبارة عن مشهد تصويري، أو صورة تشبيهية وليست واقعية لتوصيل فكرة معينة إلى أخآب الملك، فالرب الغير محدود لا يجلس على كرسي، وليس له عرش بالمعنى البشري، والروح لا يقف، وملائكة الرب كثيره جداً يصعب عدهم، فهو منظر تخيلي وليس حقيقي، لتوصيل رسالة معينة لأخآب، كان ميخا يريد من خلاله أن يقول لأخآب: انتبه واحترس فإن ما يتنبأ به أنبياؤك كذب وخداع وليس من الرب، بل من روح كذب وغش ونفاق.  وأنا أرجوك عزيزي القارئ أن تفكر معي لدقائق: هل ميخا النبي ضلل أخآب أم أخبره بالحق؟! لو كان الرب يريد بالفعل أن يضلل أخآب هل كان جعل ميخا النبي يفضح كذب الأنبياء الكذبة أم يؤيد أقوالهم؟! ثم لو كان الرب يريد بالفعل أن يغوي أخآب هل كان قد أرسل له من قبل إيليا النبي لينذره ويوبخه ويطلب منه أن يتوب عن شره؟! ولو كان الرب يريد بالفعل أن يغوي أخآب فلماذا جعل ميخا النبي يصر على أن لا يقول إلا ما يأمره به الرب، فقال لمن أرسله الملك ليحضره إليه: “حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِنَّ مَا يَقُولُهُ لِيَ الرَّبُّ بِهِ أَتَكَلَّمُ!”. ولو كان الرب يريد بالفعل أن يغوي أخآب هل كان جعل ميخا يخبر أخآب بأن الموت في انتظاره؟! إن ما قاله ميخا النبي إلى أخآب هو رسالة حب من الرب له، فهو يحذره من خطر قادم عليه، ويؤكد له أن أنبيائه تنبأوا له بالكذب، وأن روح الكذب هو الذي قادهم لذلك. كانت الشبهة ستكون صحيحة لو أن ميخا النبي قال له نفس ما قاله الأنبياء الكذبة.
(ب) من الذي ضلل أخآب؟ لقد كان ميخا النبي يريد أن يؤكد لأخآب أن أنبيائه – أنبياء البعل وأنبياء السواري الذين أحاط نفسه بهم هو وزوجته إيزابل الشريرة – هم الذين يضللونه. فهل الرب أرسل لهم روح كذب أم هم أصلاً مجموعة من الكذبة؟ كانت الشبهة ستكون صحيحة لو أنهم كانوا من قبل يتنبأون بالصدق وكذبوا هذه المرة فقط. الشئ الغريب هو أن أخآب كان يعرف بل ومتأكد من أن ميخا هو نبي الرب الوحيد، بدليل أنه عندما سأله يَهُوشَافَاطُ: [أَمَا يُوجَدُ هُنَا بَعْدُ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ فَنَسْأَلَ مِنْهُ؟] قَالَ أخآب لِيَهُوشَافَاطَ: [يُوجَدُ بَعْدُ رَجُلٌ وَاحِدٌ لِسُؤَالِ الرَّبِّ بِهِ، وَلَكِنِّي أُبْغِضُهُ لأَنَّهُ لاَ يَتَنَبَّأُ عَلَيَّ خَيْراً بَلْ شَرّاً، وَهُوَ مِيخَا بْنُ يَمْلَةَ].(1مل22: 7-8).  ورغم معرفة أخآب بذلك إلا أنه كان يسأل الأنبياء الكذبة بل ويصر على ذلك، ولا يسأل ميخا لأنه يعرف أن ميخا سيقول الصدق، وأما الأنبياء الكذبة فسيقولون ما يريحه، لأنهم يتكلمون كلام حسب شهوة قلبه. لقد كان يحب الشر أكثر من الرب، لذلك كان من الصعب عليه أن يسمع كلام الرب.

(ج) إعلان سلطان الرب: لقد كان أمام أخآب مشورتين: مشورة الرب على لسان ميخا النبي، ومشورة  الأنبياء الكذبة – وهي المشورة التي لم يكن الرب مدبرها ولا مرسلها ولم يسر بها، بل فضحها على لسان ميخا، الذي أكَّد له أنها ليست من الرب – ولكن أخآب بكامل حرية إرادته اختار مشورة الأنبياء الكذبة، ولكن لأن الرب هو صاحب السلطان المطلق على كل الكون لذلك استخدم مشورة الأنبياء الكذبة بحكمته اللامتناهية في تحقيق مقاصده العليا التي سبق وأعلن عنها على لسان إيليا النبي قائلاً: “هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضاً؟ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ الْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ الْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضاً” (1مل 21: 19)، وهذا ما جعل ميخا النبي يقول لأخآب “وَالآنَ هُوَذَا قَدْ جَعَلَ الرَّبُّ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِكَ هَؤُلاَءِ، وَالرَّبُّ تَكَلَّمَ عَلَيْكَ بِشَرٍّ”. أي أن الرب قد سمح لروح الكذب أن يُضلَّ أخآب قصاصاً له على شره وفسادة وعبادته الوثنية، وقد اعتبر ميخا أن إرادة السماح تساوي الإرادة القصدية، وهذا عمل من أعمال سيادة الرب في عالمنا، فالجميع في خدمته، سواء عرفوا هذا أو لم يعرفوه. وهذا يمجّد الرب ولا يُنقص من كمال صفاته. ولو لم يكن الرب صاحب السلطان المطلق على الأرواح الشريرة لكانت قبضته على عالمنا ضعيفة واهية، وهذا مستحيل!   أو بصيغة أخرى: عندما قال الرب لروح الكذب: “فَاخْرُجْ وَافْعَلْ هَكَذَا” أي أنه أخلى سبيل هذا الروح الشرير الذي قصد أن يُغوي أخآب. ولو لم يأذن له لما استطاع أن يكون روح كذبٍ في أفواه أنبياء أخآب الكذبة. فعدو الخير لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا بسماح من الرب، ولكن إذا سحب الرب يده المانعة انفتح المجال لذلك الروح الشرير.  بكلمات أخرى: إن الرب ترك الأنبياء الكذبة يتنبأون بالكذب، وترك أخآب لغباءه وعناده، أي أسلمهم جميعاً إلى ذهنهم الرافض لنعمة الرب ليفعلوا ما لا يليق.  كما يقول الرسول بولس: “لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ …. لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ…. وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ” (رو1: 24و26و28) (راجع أيضاً: رو1: 22- 24، 9: 14- 17).  لاحظ تكرار عبارة “أَسْلَمَهُمُ الرب” أي تركهم الرب لشهوات قلوبهم، أو أسلمهم الرب لذهنهم الرافض لمحبته وطول أناته، وهذا ما حدث مع أخآب إذ تركه الرب إلى قساوة قلبه. واعتبر الكاتب أن إرادة السماح تتساوى مع الإرادة القصدية. وعندما تركه الرب إلى قساوة قلبه لم يحصد إلا الموت.

 

عزيزي القارئ: لقد خلق الرب الإنسان حراً، وكل منا يختار طريقه. فقد قال الرب للشعب في القديم: “قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا” (تث19:30). ووقف يشوع وقال للشعب: “فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ…” (يش15:24). ويقول الرب يسوع: “هَئَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي” (رؤ20:3). فالرب  يعرض ولا يفرض، يعرض حبه وغفرانه ونعمته، ولا يفرض لأنه خلقنا أحراراً، ولكنه يتمنى أن نختار طريق الحياة والبركة، فماذا ستختار اليوم؟؟؟     وتتحدث الأسفار عن الرب وهو يأمر بالإغواء والكذب، ويبحث عمن يرشده إلى طريقة لإغواء آخاب “فقال الرب: من يغوي أخاب، فيصعد ويسقط في راموت جلعاد؟ فقال هذا: هكذا وقال ذاك: هكذا. ثم خرج الروح، ووقف أمام الرب وقال: أنا أغويه. وقال له الرب: بماذا؟ فقال: أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه. فقال: إنك تغويه وتقتدر. فاخرج وافعل هكذا” (الملوك (1) 22/20-22). د. منقذ بن محمود السقار

المصدر :كتاب  إله العهد القديم إله دماء للقس عزت شاكر .

 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات