2ملوك 2 :23 و24 فخرجت دبَّتان افترستا 42 ولداً. وهذا في غاية القسوة

2ملوك 2 :23 و24 فخرجت دبَّتان افترستا 42 ولداً. وهذا في غاية القسوة جزء 1

هل الرب إله الدماء؟ “الرب يرسل دبتان لتفترس الأطفال”القس عزت شاكر جزء 1:

2ملوك 2 :23 و24 فخرجت دبَّتان افترستا 42 ولداً. وهذا في غاية القسوة جزء 2

هل الرب إله الدماء؟ “الرب يرسل دبتان لتفترس الأطفال”القس عزت شاكر جزء 2

قال المعترض: «جاء في 2ملوك 2 :23 و24 قصة بعض الصبيان الذين ضحكوا على النبي أليشع ونادوه: يا أقرع! فلعنهم باسم الرب، فخرجت دبَّتان افترستا 42 ولداً. وهذا في غاية القسوة».

وللرد نقول وَلَعَنَهُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ  23ثُمَّ صَعِدَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى بَيْتِ إِيلَ. وَفِيمَا هُوَ صَاعِدٌ فِي الطَّرِيقِ إِذَا بِصِبْيَانٍ صِغَارٍ خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَخِرُوا مِنْهُ وَقَالُوا لَهُ: «اصْعَدْ يَا أَقْرَعُ! اصْعَدْ يَا أَقْرَعُ!». 24فَالْتَفَتَ إِلَى وَرَائِهِ وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ، فَخَرَجَتْ دُبَّتَانِ مِنَ الْوَعْرِ وَافْتَرَسَتَا مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَلَدًا. 25وَذَهَبَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى جَبَلِ الْكَرْمَلِ، وَمِنْ هُنَاكَ رَجَعَ إِلَى السَّامِرَةِ” (2مل2: 23-25). تقول القصة التي أمامنا أن أليشع كان في طريقه من أريحا إلى بيت إيل، وفيما هو في الطريق إذا بمجموعة صبيان صغار قد خرجوا من بيت إيل يسخرون منه قائلين: »يا أقرع يا أقرع!« فلعنهم باسم الرب، فخرجت دبتان من الوعر وافترستا من الأولاد اثنين وأربعين ولداً.هذه القصة تطرح العديد من الأسئلة مثل: لماذا يسمح الرب بافتراس 42 صبياً لمجرد أنهم نطقوا بكلمات سخرية ضد أليشع؟ لماذا لم يسامح نبي الرب هؤلاء الأطفال؟ كيف يستجيب الرب طلبة مثل هذه ويقتل أولاداً صغار؟  كيف يرسل الرب المحب دبتان لتفترسا الأطفال؟ أليس هذا إله في غاية القسوة؟ وللإجابة على هذه الأسئلة، وقبل أن نتهم النبي أليشع، أو الرب بالقسوة، يجب علينا أن نفكر في عدة أسئلة هامة جداً تساعدنا على فهم صحيح لهذه الحادثة في سياقها اللغوي والحضاري والتاريخي واللاهوتي وهي:  متى حدثت هذه الحادثة؟ وأين حدثت هذه الحادثة؟ ومن هم هؤلاء الأولاد الصغار؟ وهل كانوا فعلاً أطفالاً صغار؟ وماذا كانوا يريدون من أليشع؟ ولماذا غضب أليشع؟

أولاً: متى حدثت هذه الحادثة؟ لقد حدثت هذه القصة في بداية خدمة أليشع النبى، فبعد أن صعد إيليا النبي إلى السماء، عند نهر الأردن، صنع أليشع معجزته الأولى، إذ ضرب ماء نهر الأردن فانفلق النهر، وعبر أليشع على الأرض اليابسة. بعدها مباشرة ذهب أليشع إلى أريحا، وهناك جاءه رجال مدينة أريحا بشكوى قالوا فيها: «هُوَذَا مَوْقِعُ الْمَدِينَةِ حَسَنٌ كَمَا يَرَى سَيِّدِي، وَأَمَّا الْمِيَاهُ فَرَدِيَّةٌ وَالأَرْضُ مُجْدِبَةٌ» (2مل19:2). وهنا طلب النبي أليشع أن يجيئه أهل أريحا بصَحْن جديد يضعون فيه ملحاً. وذهب بالملح إلى نبع الماء، وطرح الملح فيه وقال: “هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: قَدْ أَبْرَأْتُ هذِهِ الْمِيَاهَ. لاَ يَكُونُ فِيهَا أَيْضًا مَوْتٌ وَلاَ جَدْبٌ». 22فَبَرِئَتِ الْمِيَاهُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، حَسَبَ قَوْلِ أَلِيشَعَ الَّذِي نَطَقَ بِهِ” (2مل2: 21-22). وهكذا حوَّل الرب المياه الرديئة إلى مياه صالحة للشرب والري، وانصلح حال الأرض المجدبة وجادت بالثمر. ومن أريحا سافر أليشع الى بيت إيل، وعندما كان في الطريق حدثت القصة موضوع نقاشنا. وبحسب التقليد الكتابى فقد صعد إيليا حيا إلى السماء حوالى عام 860 ق.م. والدارس يعرف أن خدمة أليشع كانت فى عهود الملوك يهورام وياهو ويهوآحاز ويوآش. وبدراسة التسلسل التاريخي لحياة أليشع نستطيع أن نقدر عمر أليشع عندما حدثت هذه الحادثة المشار إليها أعلاه بحوالي 25 عاماً. أي أن أليشع كان في ريعان شبابه، وفى بداية خدمته بعد أن فارقه معلمه ومرشده إيليا النبي. وقد كان أليشع في حاجة شديدة إلى ما يؤيِّد ويدعِّم خدمته ليتمكن من القيام بمهمته النبوية في فترة زمنية صعبة وعصيبة، ووسط شعب صلب الرقبة، وكان يمكن لأي حركة معارضة أن تهدم خدمته في بدايتها.

ثانياً: أين حدثت هذه الحادثة؟ لقد حدثت هذه الحادثة عندما كان أليشع في طريقه إلى بيت إيل. والدارس المدقق يعرف أنه بعد أن تولى يربعام بن ناباط المُلك على المملكة الشمالية، جعل من بيت إيل مركزاً رئيسياً لعبادة العجل فنقرأ: “فَاسْتَشَارَ الْمَلِكُ وَعَمِلَ عِجْلَيْ ذَهَبٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «كَثِيرٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصْعَدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّذِينَ أَصْعَدُوكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». 29وَوَضَعَ وَاحِدًا فِي بَيْتِ إِيلَ، وَجَعَلَ الآخَرَ فِي دَانَ” (1مل12: 28-29).  لقد تجاهل ما حدث في القديم مع الشعب عندما صعد موسى إلى الجبل وقال الشعب لهارون: “قُمِ اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا” (خر32: 4). وصنع لهم العجل الذهبي، وقالوا نفس العبارة التي قالها يربعام. ولقد تجاهل ما قاله الرب لموسى عندما صنع الشعب العجل الذهبي “اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَأُفْنِيَهُمْ” (خر32 : 10).  ولعل السؤال الذي يواجهنا هنا هو: لماذا العجل الذهبي بالذات؟ إن أى دارس للتاريخ يعرف أن الشعوب الشرقية القديمة كانت تعبد العجول وتقدسها، فالعجل في الشرق القديم هو إله الخصب والنماء، وكان شعب أرام ينظر للثيران على أنها رمز القوة، وكان العجل أبيس من آلهة المصريين المقدسة. لذلك أطلق هوشع على “بيت إيل” “بيت آون” (هو15:4؛ 8:5؛ 5،10) أى بيت البُطل، بيت الأصنام.  لذلك لم يكن خروج هؤلاء الأولاد واعتراضهم طريق أليشع عند دخوله بيت إيل بالصدفة، أو مجرد مجموعة من الأطفال يلعبون، وإنما كانت خطة قد أعدها كهنة البعل والعاملين لحساب الوثنية لمنع رجل الرب من دخول المدينة، فهناك أيضاً كان يقيم بعض بني الأنبياء الذين كانوا يعتبرون إيليا سيداً ومعلماً لهم، لذلك كان هناك صراعاً دينياً عنيفاً، فكانت سخريتهم بقصد تحطيم الإيمان بالرب الحي. ويرى آخرون أنهم كانوا تلاميذ لأحد قادة الوثنية، كرس حياته للتعليم ضد التقوى والحياة الصالحة، وربما كانوا يجتذبون أعداداً كبيرة من الشباب حولهم.

ثالثاً: هل كانوا فعلاً أطفالاً صغار؟ إن قول البعض أن النبى أليشع تعرض لمجموعة من الأطفال الصغار هو أمر لا يتوافق مع القراءة الدقيقة للنص الكتابي. فالعبارة المترجمة إلى العربية “ِصِبْيَانٍ صِغَارٍ” أو “الْفِتْيَانِ الصَّغَارِ” بحسب (ت ك ح) هي في اللغة العبرية: (ונערים קטנים) (نعريم قطنيم) وهي لا تعني أولاداً صغاراً بين السادسة والعاشرة من العمر، بل تشير إلى فتيان بين الثانية عشرة والثلاثين سنة (راجع تك 12:22، 2:37، 1 ملوك 14:20-15). فيقول آدم كلارك (Adam Clarke) : إن هذه العبارة تعني رجالاً صغاراً (young men). وأن الكلمة العبرية المترجمة “صبي” هي (נער) “نعار” أطلقت على إسحق وهو بن 18 سنة (تك22: 5-12)، وأطلقت على يوسف وهو بن 29 سنة، فقد قال رَئِيسُ السُّقَاةِ لفِرْعَوْنَ: “وَكَانَ هُنَاكَ مَعَنَا غُلاَمٌ (נער) عِبْرَانِيٌّ عَبْدٌ لِرَئِيسِ الشُّرَطِ، فَقَصَصْنَا عَلَيْهِ، فَعَبَّرَ لَنَا حُلْمَيْنَا. عَبَّرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ حُلْمِهِ” (تك12:41). وأطلقت على سليمان في بداية ملكه “وَالآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلَهِي، أَنْتَ مَلَّكْتَ عَبْدَكَ مَكَانَ دَاوُدَ أَبِي، وَأَنَا فَتىً (נער) صَغِيرٌ لاَ أَعْلَمُ الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ” (1مل7:3). بل وأُطلِق على “رئيس المقاطعة” كلمة غلام فنقرأ: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَلْ رَأَيْتَ كُلَّ هذَا الْجُمْهُورِ الْعَظِيمِ؟ هأَنَذَا أَدْفَعُهُ لِيَدِكَ الْيَوْمَ، فَتَعْلَمُ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ». 14فَقَالَ أَخْآبُ: «بِمَنْ؟» فَقَالَ: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: بِغِلْمَانِ (ונערים) رُؤَسَاءِ الْمُقَاطَعَاتِ». فَقَالَ: «مَنْ يَبْتَدِئُ بِالْحَرْبِ؟» فَقَالَ: «أَنْتَ». 15فَعَدَّ غِلْمَانَ (ונערים) رُؤَسَاءِ الْمُقَاطَعَاتِ فَبَلَغُوا مِئَتَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَثَلاَثِينَ. وَعَدَّ بَعْدَهُمْ كُلَّ الشَّعْبِ، كُلَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَبْعَةَ آلاَفٍ” (1مل20: 13-15). ويقول جون جيل (John Gill) في تفسيره (John Gill’s exposition of the entire Bible) إن هذه العبارة كانت تطلق على أشخاص في سن الثلاثين أو الأربعين.  وقد وردت هذه العبارة في بعض الترجمات كالآتي:   (HNV)  some youths  (WEB)  some youths  (ASV)  young lads  فلم تكن القصة عبارة عن مجموعة أطفال يلعبون، وإنما اعترض طريق أليشع مجموعة كبيرة من الشباب المراهقين والمستهزئين والمستهترين، ربما يزيد عددها عن 90 أو 100 شاب، فإن كانت الدبتان قد قتلت 42 شاباً منهم فكم يكون عدد الناجين؟

رابعاً: ماذا كانوا يريدون من أليشع؟ قد يتساءل القارئ السطحي: ما هو الجرم الذي اقترفه هؤلاء الشباب حتى يطلب لهم أليشع اللعنة؟ أليس ما كانوا يقولونه من كلمات استهزاء وسخرية هو نفس ما نسمعه بين الحين والآخر في شوارع مدننا وقرانا ونغض الطرف عنه؟  ولكن الدراسة العميقة للنص ترينا أن عبارات هؤلاء الشباب لم تكن بسيطة ولا ساذجة ولا نوعاً من التسلية، إنما كانت عميقة وهادفة إلى أبعد مما تبدو للوهلة الأولى. فدعنا نحلل ما كانوا يقصدونه: كان هؤلاء الشباب يقولون: «اصْعَدْ يَا أَقْرَعُ! اصْعَدْ يَا أَقْرَعُ!». والسؤال: لماذا كان يصفون أليشع بأنه “أقرع”؟  هل كان أليشع فعلاً أقرع؟  بكل تأكيد لم يكن أليشع أقرع، فكما ذكرت سابقا كان عمره حوالي 25 سنة، فلم يكن شعره قد تساقط بعد. وقد كانت الشعوب الوثنية قديماً تمارس عادة حلاقة الشعر تماماً، ولكن الرب منع الإسرائيليين من اتباع هذه الممارسة فنقرأ: “لاَ يَجْعَلُوا قَرْعَةً فِي رُؤُوسِهِمْ، وَلاَ يَحْلِقُوا عَوَارِضَ لِحَاهُمْ” (لا 5:21) راجع: (تث 1:14). إذن فليس من المعقول أن يكون أليشع قد حلق شعره وخالف هذه الوصية الصريحة. ولكن قد يقول قائل ربما كان أليشع أقرعاً بالطبيعة، أو خالف الوصية وحلق شعر رأسه. نقول حتى لو كان هذا الأمر أو ذاك، فقد كان من المستحيل أن يرى أحد رأسه ليعرف إن كان أقرع أو لا، لأن العادة كانت أن  يغطي الأنبياء رؤوسهم. الحقيقة هي أن كلمة “أقرع” كانت تستخدم قديماً ككلمة سخرية واستهزاء واحتقار، وليس بالضرورة لتصف خلو الرأس من الشعر. وتشير أيضاً دائرة المعارف الكتابية إلى أن هذه الكلمة استُخدِمَت في هذه الحادثة بصورة مجازية، أي ككلمة سباب لأليشع. فالأمر ليس مجرد تعيير بالقرع بل إهانة واحتقار هادفين. ويرى بعض المفسرين أن كلمة “أقرع” كانت تشير إلى المصابين بالبرص، فقد أمرت الشريعة بحلق  شعر الأبرص. لذلك قولهم »يا أقرع« كان شتيمة كبيرة، لأن عبارة “يا أقرع” كانت تعادل “يا أبرص” وهذا يعني أن هؤلاء الصبيان يريدون أن يقولوا لأليشع “يا أبرص”… “يا نجس”.

 

  ونأتي للسؤال الثاني: وماذا كانوا يقصدون بكلمة “اصعد”؟ يرى عدد كبير من المفسرين في قولهم لأليشع: “اصعد يا اقرع” مكررين ذلك أنهم يسخرون مما أعلنه للشعب عن صعود معلمه إيليا. فقد كانوا يحملون عداوة لإيليا ولتلاميذه، وكأنهم يقولون: هل تقول أن إيليا صعد، ونحن نريدك أن تصعد أنت أيضاً. إن كنت تقول إن إيليا قد صعد في مركبة نارية إلى السماء، فما الذى يمنع من صعودك يا أيها المجنون؟ “هيا يا أقرع! أتبع سيدك الذي صعد قبلاً. هيا اصعد كما صعد هو. أرحنا منك ومن تعاليمك. اغرب عن وجوهنا. إننا لا نريدك!”. وهي ترد في (ت ك ح) كالآتي: “وَفِيمَا هُوَ سَائِرٌ فِي طَّرِيقِه خَرَجَ بَعْضُ الْفِتْيَانِ الصَّغَارِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَشَرَعُوا يَسْخَرُون مِنْهُ َقَائِلِينَ: «اصْعَدْ (فى العاصفة) يَا أَقْرَعُ!». إن ما فعله هؤلاء الصبيان كان يمثل خطة خطيرة قام بها أهل بيت إيل، بعدما سمعوا كيف كرمه بنو الأنبياء فى أريحا عندما رأوه قد شق نهر الأردن أمامهم بقوة الرب، وحوَّل مياه النبع الرديئة إلى مياه صالحة، وأصلح الأرض المجدبة لحساب كل أهل المدينة. وبدأت أريحا تشهد لصعود إيليا رجل الرب. فلكي يحطموا هذه الكرازة قبل وصول أليشع إلى بيت إيل أرسلوا هؤلاء الصبيان، ليسخروا منه، ويتحرشوا به، وليحطموا نفسيته، وليشوهوا سمعته حتى لا يصدق أحد كلامه إن ردد في بيت إيل ما قد أقنع به كثيرين في أريحا. ولكي لا يصغي أحد من بيت إيل إلى كلماته بخصوص صعود إيليا بمركبة نارية.

خامساً: لماذا لعنهم أليشع باسم الرب؟  لقد لعنهم أليشع باسم الرب للأسباب الآتية:

(1) رأى أليشع في لحظة أن حياته مهددة بالخطر، فمجموعة كبيرة من الشباب تحيط به، غاضبة جداً، وتسخر منه، وتكيل له السباب. فمن يدري ماذا سوف يحدث بعد قليل؟ هل سيضربونه بالعصي؟ هل سيطرحونه أرضاً؟ هل سيرمونه بالحجارة؟  والجدير بالملاحظة في هذا السياق، أنه في الترجمة السبعينية للعهد القديم، وردت عبارة “ورجموه بالحجارة” وفي هذا إشارة إلى توقع أحد النساخ قديماً لما كان متوقعاً أن يحدث لأليشع من قبل هؤلاء الشباب.

(2) لم يشعر أليشع أن ما يحدث مجرد إهانة شخصية له، ولا مجرد إهانة لسيده إيليا الذي صعد في مركبة نارية للسماء، وللأسف مازالوا يقاومونه حتى بعد صعوده، وإنما كانت إهانة بالغة إلى رسالته النبوية التي أوكله الرب بها، وإلى عمل الرب من خلاله وخلال معلمه إيليا. وبالتالي هي إهانة موجهة مباشرة إلى الرب (لاويين 10:24-16، تثنية 19:18). فمعارضة النبي وخدمته هي بمثابة معارضة للرب ومقاصده. 

(3) لم يرد في كل الكتاب المقدس أن أليشع صلى لكي يعاقبوا بمثل هذا العقاب، فهو لم يطلب من الرب إرسال الدبتين للدفاع عنه، ولم يطلب النقمة لنفسه، ولم يسأل شيئاً لتأديبهم، إنما ترك الأمر في يدي الرب. لقد نظر إلى الشباب ولعنهم باسم الرب. وكلمة “لعنة” في اللغة العبرية مشتقة من الفعل “قلل”، أى أنه طلب من الرب أن يقلل شأنهم. إن الذى يكرم أنبياء الرب يكرمه الرب، ومن يقلل من شأنهم يقلل الرب من شأنه. وكانت النتيجة أن الرب أرسل الدبتين من الوعر فافترستا الشباب. لم يقتل أليشع هؤلاء العابثين، بل الذي قتلهم هو الرب الذي أرسل الدبتين لافتراسهم، وهو الحكيم العارف القلوب العادل في الحكم.

سادساً: لماذا سمح الرب بافتراس هؤلاء الشباب؟ لعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الأمر يستحق خروج الدببة لتفتك بهؤلاء الشباب؟  ورداً على هذا السؤال أقدم هذه الملاحظات الهامة:

(1) لم يتصرف الرب بخلاف ما أعلنه في شريعته. فالشريعة قضت بالعقاب الصارم – بواسطة الوحش – لكل من لا يطيع صوت الرب: “وَإِنْ سَلَكْتُمْ مَعِي بِالْخِلاَفِ، وَلَمْ تَشَاءُوا أَنْ تَسْمَعُوا لِي، أَزِيدُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَاتٍ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ. 22أُطْلِقُ عَلَيْكُمْ وُحُوشَ الْبَرِّيَّةِ فَتُعْدِمُكُمُ الأَوْلاَدَ، وَتَقْرِضُ بَهَائِمَكُمْ، وَتُقَلِّلُكُمْ فَتُوحَشُ طُرُقُكُمْ.” (لا 21:26-22). كانت هذه الحادثة، التي ربما ذهب صحيتها عدد من الشباب، بمثابة تحذير وتنبيه وتذكير للشعب في حال عدم طاعته وازدرائه بالرب وبأنبيائه. إن دينونة مرعبة تنتظر من يفعل ذلك. فهل اتعظ الشعب آنذاك؟ يبدو أن ملك يهورام بن آخاب عامل أليشع باحترام بعد هذه الحادثة (2مل11:3-13)، ولكن يخبرنا السجل التاريخي أن الشعب ككل لم يتعظ، فكان لابد من دينونة أقصى وعقاب أمر. وهذا ما حدث فعلاً عندما هجم الأشوريون عام 722 ق.م. وسبوا الشعب ويخبرنا التاريخ أن الأشوريين كانوا أشد شراسة بما لا يقاس من الدبتين: “فكانوا (الشعب ورؤساء الكهنة) يهزأون برسل الرب ورذلوا كلامه وتهاونوا بانبيائه (تماماً كما فعلوا بأليشع) حتى ثار غضب الرب على شعبه حتى لم يكن شفاء. فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم. ولم يشفق على فتى أو عذراء ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده” (2أخ 16:36-17). لم يتعظوا فكان العقاب الموعود به!

(2) لقد سمح الرب  بما حدث مع هؤلاء العابثين المستهترين حتى يتغلغل الخوف في قلوب أية عصابة أخرى مثل هذه تفكر في السخرية والاستهزاء برجال الرب. وما فعله هؤلاء الشباب ليس بالإهانة الصغيرة، فقد سخروا بنبي الرب. وبما أن النبي يمثل فم الرب بالنسبة للشعب، لأنه يكلمهم بكلام الرب، يكون خطأ هؤلاء الشباب موجه أيضاً إلى الرب في شخص هذا النبي. فالذي يضطهد خادم الرب يضطهد الرب  نفسه. وقد أراد الرب  بذلك تقديم درس للأجيال كلها. فما حدث لم يقدم حماية لأليشع فقط، بل لكل خدام الرب الذين يمكن أن يكونوا موضوع هزء العابثين. فلو لم يحدث ما حدث مع هؤلاء العابثين لصاروا هم وغيرهم خطراً يهدد حياة جميع رجال الرب. تخيل معي مجموعة من الشباب الفاسد تعترض طريق أحد الوزراء وتسئ إليه وتتحرش به وتكيل له الشتائم، وكل أجهزة الأمن لا تتحرك ولا تتخذ الحكومة أي موقف، فكيف سيكون حال البلد، وما هو موقف باقي الوزراء؟! لقد أراد الرب أن يتعلَّم كل بني إسرائيل أن الرب الإله الحي قادرٌ أن يحمي كلمته ورجاله من مؤامرات الأشرار، فأرسل الدبتين من الغابة لتشهدا لكل الأجيال والعصور عن خطورة مقاومة الحق الإلهي، والإستهانة برجال الرب، فافترستاهم.

(3) يرى بعض المفسرين أن ما حل بالصبيان كان لتأديب عائلاتهم المقاومين للحق الالهي. فيشير القديس أغسطينوس في تعليقه على هذه الحادثة إلى أن أهالي المدينة كانوا وراء أولادهم في مقاومة نبى الرب  أليشع. ويقول القديس أفرام السرياني: “يبدو أن وقاحة الاولاد كانت ثمرة تعليم والديهم. ويمكننا القول إنهم قد أُرسِلوا من والديهم ليرددوا ما قد تعلموه”. ويقول أيضاً الأب قيصريوس أسقف أرل: “إن ما فعله الصبيان كان بتحريض من والديهم، فإنه واضح أنه ما كان لهؤلاء الصبية أن يصرخوا هكذا لو أن هذا لا يسر والديهم”. ويضيف قائلاً: لقد أراد الروح القدس خلال أليشع أن يوقف كبرياء اليهود، فجعل دبتين تأتيان وتمزقان الاثنين وأربعين صبياً، وذلك لأنه عندما يضرب الصبيان يتأدب الكبار، ويكون موت الأولاد درساً للآباء لعلهم يتعلمون على الأقل مهابة نبي الرب، هذا الذي رفضوا أن يحتروه عندما صنع المعجزات أمامهم. وعلى أي الأحوال تمادى اليهود في شرورهم… فتحقق فيهم المكتوب: “لبَاطِل ضَرَبْتُ بَنِيكُمْ. لَمْ يَقْبَلُوا تَأْدِيبًا” (إر30:2).

(4) يرى العلامة ترتليانوس أنالرب سمح بافتراس هؤلاء الصبية الساخرين بالنبي أليشع ليؤكد أنه ليس لديه محاباة، فكما يهلك الرب الغرباء الوثنيون عندما يقاومون الحق هكذا يؤدب شعبه أيضاً حتى وإن كانوا شباباً صغاراً متى أصروا على الشر.   *أخيراً أختم وأقول: حين تسمع أن أليشع لعن الصبيان، فلا تظن بأن غضبه غلبه، أو أنه كان يطلب النقمة لنفسه. كلا، فالشجرة الصالحة كلها التي تخرج ثماراً طيبة، لا يمكن أن يخرج منها فرعاً يصنع ثماراً رديئة، لأن كل ثمارها حسنة. وهكذا كان أليشع، تأمل في كل تصرفاته كيف كانت حسنة، إذ اهتم بشفاء الناس، وراحتهم وسلامهم وحياتهم الأبدية. إن ما فعله أليشع كان بهدف تنقية البشرية من روح السخرية والاستهزاء بكلمة الرب، وأنبياء الرب. ومن روح الاستهتار بالمقدسات، إن ما فعله يشبه ما فعله فينحاس من أجل غيرته على تقديس هيكل الرب. ما فعله فينحاس فى مظهره قتل اللذين كانا يستخفان بقدسيه الهيكل، لكن في نية فينحاس كان ذلك صلاة وتطهيراً من الزنا والفساد والاستخفاف بمقادس العلي. فلو لم يكن يقصد أن يفيدهم ويفيد كل البلد لما لمنعهم من الاستهزاء والسخرية، ولما فوض الأمر إلى الرب. وما أروع ما قاله العلامة ترتليانوس من أن الرب أفتقد شعبة بأن أرسل الدبتين لتأديبهم، فما أتعس الشعب الذي يعيش بلا تأديب، فالتأديب هو علامة الرحمة الإلهية.

(5) يعتقد بعض المفسرين أن كلمة “افترستا” ותבקענה لا تعنى بالضرورة الموت كلية، بل قد تشير إلى هجوم الدبتين على الشبان بقصد تفريقهم وتخويفهم عن طريق العض والنهش. وقد ترجمت الكلمة في بعض الترجمات الإنجليزية إلى mauled وهى لا تعني القتل.   (ASV)  And he looked behind him and saw them, and cursed them in the name of Jehovah. And there came forth two she-bears out of the wood, and tare طرحه  forty and two lads of them.      (WEB)  (HNV)  He looked behind him and saw them, and cursed them in the name of the LORD. Two female bears came out of the woods, and mauled forty-two of those youths.        (MSG)  Elisha turned, took one look at them, and cursed them in the name of GOD. Two bears charged out of the underbrush and knocked them about, ripping them limb from limb–forty-two children in all! 

المصدر : القس عزت شاكر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات