مزمور 7:2 «أنت ابني. أنا اليوم ولدتك

قال المعترض: «جاء في مزمور 2: 7 «أنت ابني. أنا اليوم ولدتك«. وقال علماء بني إسرائيل، كما قال علماء المسيحيين إن هذه الآية نبوَّة عن المسيح، لأن العبرانيين 1: 5 يقول »لأنه لمن من الملائكة قال قطّ: أنت ابني، أنا اليوم ولدتُك؟ وأيضاً: أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً؟«. وهذا يدل على أن المسيح مخلوق، وليس الرب».

وللرد نقول: الذي يتأمل في قول الرب للمسيح: «أنت ابني. أنا اليوم ولدتك« يرى أن بنوّة المسيح للرب غير متوقِّفة على الولادة، لكنها سابقة لها. فبنوّة المسيح للرب هي قبل ولادته من العذراء القديسة مريم، للأسباب الآتية:

(1) لم يقل الرب للمسيح: «أنا اليوم ولدتك. أنت ابني« بل قال له: «أنت ابني. أنا اليوم ولدتك». وهذا دليل على أن البنوّة سابقة للولادة، كما أنها بدون ولادة. والبنوّة التي بدون الولادة الخاصة بـ«الابن« هي البنوّة الأزلية التي يتميّز بها أزلاً، والتي تعني أن الابن أعلن اللاهوت.

(2) قول الوحي: «أنت ابني، أنا اليوم ولدتك« يعني أن المسيح هو «ابن الرب« أولاً أو أصلاً، ثم بعد ذلك وُلد منه في يوم من الأيام. وكل نصف من هذه الآية قائم بذاته، ومستقل في معناه عن غيره، ولذلك يجب أن تُفهم كل منهما على حدة. والكلمة المترجمة «اليوم«  في هذه الآية لا تدل على زمن من الأزمنة الأزلية، بل تدل على يوم من الأيام العادية، فلا يُفهم منها أن المسيح مولود من الرب في وقت ما في الأزل، كما يقول بعض الهراطقة، بل يُفهم منها أنه موجود معه منذ الأزل، ولكن ظهر أو تجلى في يوم من الأيام، بميلاده في بيت لحم. ولنفهم معنى هذه »الولادة« علينا أن نتأمل كل الآيات التي وردت فيها مع ما قبلها وما بعدها من آيات، لأن هذه هي الوسيلة الصحيحة لفهم كل آية في الكتاب.
(أ) سجَّل داود النبي بالوحي خطاباً من الرب إلى المسيح باعتباره ابن الإنسان، جاء فيه: «أنت ابني أنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك« (مزمور 2: 1-9).
(ب) قال الرسول بولس لليهود: «إن الله أقام يسوع كما هو مكتوب أيضاً في المزمور الثاني: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك« (أعمال 13: 33). ويتضح لكل من درس أعمال 13 الذي اقتبس هذه الآية، أن كلمة «أقام« هنا لا يُراد بها إقامة المسيح من بين الأموات، بل تنصيبه مخلِّصاً للعالم بعد إقامته من بين الأموات، مثلها في ذلك مثل كلمة «أقام« في الآية «أقام الله لهم مخلِّصاً« (أعمال 13: 23) و«أقام« في الآية «وأقام لهم داود ملكاً« (أعمال 13: 22). ولكن مما يسترعي الانتباه أن الفعل الخاص بإقامة المسيح مخلِّصاً، يرد في اللغة اليونانية بصيغة المضارع التام، ولذلك يكون المعنى الحرفي للآية أن الرب أقام المسيح مخلِّصاً إلى الآن. أما الفعل الخاص بإقامة داود ملكاً فيرد في صيغة الماضي، للدلالة على أن خدمته قد مضت وانتهت. أما خدمة المسيح فباقية إلى انقضاء الدهر.
(ج) وقال لهم: «لمن مِن الملائكة قال قط، أنت ابني أنا اليوم ولدتك؟».. وأيضاً »متى أَدخَل البكرَ إلى العالم يقول: ولتسجد له كل ملائكة الله« (عبرانيين 1: 5 و6).
(د) ثم قال لهم: «كذلك المسيح أيضاً لم يمجِّد نفسه ليصير رئيس كهنة، بل الذي قال له أنت ابني أنا اليوم ولدتُك« (عبرانيين 5:5). فيتضح لنا أن العبارة «أنت ابني، أنا اليوم ولدتك  قد استُعملت بمناسبة إعلان سلطان المسيح ومُلكه. ومن قول بولس في أعمال 13: 33 يتضح لنا أنها استُعملت بمناسبة إعلان إقامة المسيح مخلِّصاً لجميع الناس. ومن عبرانيين 1: 5 و6 يتضح لنا أنها استُعملت بمناسبة الإعلان عن سمو المسيح فوق الملائكة، ومن عبرانيين 5:5 يتضح لنا أنها استُعملت بمناسبة الإعلان عن كهنوت المسيح الذي يفوق كل كهنوت. مما تقدم يتضح لنا أن الولادة في هذه الآية يُراد بها الإعلان والإظهار. وهذا المعنى ليس غريباً عن مسامعنا، فنحن نعلم أن الولادة  يُراد بها معنوياً إظهار غير الظاهر، وإعلان غير المعلَن. والمسيح بسبب وجوده في الجسد كإنسان لم يكن ظاهراً ومعلَناً للناس، كما هو في ذاته، ولذلك كان من البديهي أن يُظهره الرب ويعلنه للناس كما هو في حقيقة ذاته وأمجاده، أو بحسب التعبير المجازي أنه «يلده« لهم. والمسيح مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات