لاويين 17: 10، 11 ذبائح العهد القديم مسجلة فى كتب العهد الجديد

قال المعترض: «نقرأ في سفر اللاويين شرائع عن ذبائح كثيرة، وشرائع مختصَّة بآل هارون في الكهنوت والملابس، وقد نُسخت كلها في الشريعة المسيحية».

وللرد نقول: أوضح الرب للبشر طريق الخلاص برموز محسوسة ليقرّب لعقولنا القاصرة الأمور المعنوية الروحية. فلما أراد أن يوضح طريقة الفداء، وأنه لا يمكن الخلاص إلا بدم المسيح، رتَّب الذبائح والفرائض الطقسية في التوراة، للإشارة إلى دم الفادي الكريم، وأوضح أن الطريقة الوحيدة لمغفرة الخطايا هي سفك الدم، وأن دم الحيوانات لا قيمة له في حد ذاته، إلا في أنه يرمز إلى دم المسيح. وقد عيَّن الرب الرمز ليشير إلى أمر أهمّ منه لا بد من وقوعه هو «المرموز إليه». ولا بد أن يوجد في الرمز إشارة حقيقية تشير إلى المرموز إليه، وهذا لا يستلزم أن يكون الرمز من ذات جوهر المرموز  إليه. فحَمَل الفصح مثلاً كان رمزاً للمسيح مع تباينهما في الجوهر. والغاية من الرمز هو تمهيد الطريق للمرموز إليه، وإعداد عقولنا لفهمه. وقد أعطى الرب في التوراة رموزاً كثيرة تشير إلى المسيح وملكوته، لا على سبيل الصدفة، بل بالتدبير والقصد، فإن التوراة توطئة وتمهيد للإنجيل. فما أشارت إليه التوراة بالتلميح أوضحه الإنجيل بالتصريح. وطريقة الخلاص واحدة في العهدين. وأنت تعلم أن الأستاذ الحكيم يعلِّم تلاميذه القضايا الضرورية البديهية، ثم يرتقي معهم بالتدريج للحقائق العالية، فيستفيدون. وكذلك لا يجوز لمن كان في ظلام دامس أن يعرِّض عينيه لأشعة الشمس مرة واحدة، بل بالتدريج، إلى أن يصل إلى نور النهار الكامل. وكذلك نعطي الطفل أولاً اللبن لأن معدته لا تقدر على هضم غيره، ومتى نما وكبر نعطيه الغذاء اليابس. فكذلك عمل الرب معنا: فأفهمنا في أول الأمر الحقائق الإلهية بطرق بسيطة محسوسة، وسلك معنا بالتدريج إلى أن أوضح لنا الحقائق بغاية الوضوح. فما أوضحه قليلاً في العهد القديم أوضحه كوضوح الشمس في العهد الجديد (لوقا 1: 79 و1يوحنا 2: 8 ورومية 16: 25، 26 وكولوسي 1: 27 و1كورنثوس 2: 7، 10). وإذ أدركنا هذا عرفنا أن كتاب الرب منزَّه عن الناسخ والمنسوخ، فقد جاء المسيح ليكمل شريعة موسى، شريعة الطقوس بشريعته هو، وهي شريعة النعمة. كما جاء هو، المرموز إليه، ليحقّق رموز شريعة موسى. ومن الرموز الواردة في العهد القديم التي تشير إلى المسيح: الذبائح والكهنة. أولاً – الذبائح: حكم الرب أن النفس التي تخطئ تموت، لأنه قدوس طاهر يكره الإثم. وهذا الحكم يسري على الجميع بلا استثناء، لأن الجميع أخطأوا. ولكن الرب تفضَّل وأوجد طريقة يمكن بها للخاطئ أن ينال مغفرة الخطايا، فيكون الرب رحيماً وعادلاً في آن واحد إذا برر الخاطئ. وهذه الطريقة هي الإيمان بالمسيح الفادي الكريم. ووضع في التوراة الذبائح إشارةً إليه. فالحكم الذي كان يستوجبه الخاطئ احتمله المسيح في جسده، وبذلك استوفى العدل الإلهي حقه. وعليه فلا تفاوت بين عدله ورحمته. وهذه الطريقة هي المقبولة والمعقولة. وذبائح التوراة إشارة إلى دم المسيح، فقال في لاويين 17: 10، 11 «الدم يكفِّر عن النفس».

وسبب التكفير (ومعناه: التغطية والسَّتر) بالدم هو أن الحياة هي في الدم. فالغاية من الذبيحة إذاً هي تقديم نفس للرب عن نفس أخرى مدنَّسة بالخطايا، كتقديم حياة حيوان بريء عن حياة إنسان مذنب. والدليل على ذلك أن أيوب كان يقدِّم ذبائح بعدد أولاده لأنه قال: «ربما أخطأوا وجدفوا على الله» (أيوب 1: 5) وقال الرسول بولس: «بدون سفك دم لا تحصل مغفرة» (عبرانيين 9: 22). وقد كانت الذبائح غير كافية لنزع الخطية (عبرانيين 10: 11) ولكنها كانت تكفر لأنها كانت ترمز إلى ذبيحة المسيح الكافية ذات الفعالية، ولذلك قدم المسيح نفسه مرة واحدة، بخلاف الذبائح التي كان يجب أن تُقدَّم مراراً لعدم كفايتها (عبرانيين 9:9-14، 25، 26). قال يوحنا المعمدان عن المسيح: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يوحنا 1: 29). وقال يوحنا الحبيب إن ذبيحة المسيح هي كفارة لخطايا كل العالم (1يوحنا 2:2). وقال المسيح إنه يموت فداءً عن شعبه (يوحنا 10: 15، 17، 18). وإنه يبذل نفسه فدية عن كثيرين (متى 20: 28 ومرقس 10: 45) وتنبأ عنه إشعياء بقوله: «مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبحُبُره شُفينا. والرب وضع عليه إثم جميعنا. كشاةٍ تُساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازّيها فلم يفتح فاه» (إشعياء 53: 5-7). وقال بولس الرسول عنه: «الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا» (أفسس 1: 7). والكتاب المقدس يعلمنا:

(1) أن المسيح قدم نفسه ذبيحة كفارية للجميع.

(2) كل من يؤمن بالمسيح يتبرر.

(3) أظهر الرب بذبيحة الكفارة برَّه ورحمته للخطاة.

(4) كانت ذبائح العهد القديم تشير إلى ذبيحة المسيح هذه. ثانياً – حمل الفصح: كانت جميع الذبائح رمزاً إلى ذبيحة المسيح، وإليك أوجه الشبه بين حمل الفصح والمسيح:

(1) كان يلزم أن يكون حمل الفصح بلا عيب (خروج 12: 5). ومع أن خطايانا طُرحت على المسيح إلا أنه كان قدوساً طاهراً، قال الرسول بطرس عنه: «حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح» (1بطرس 1: 19).

(2) كان يلزم ذبح حمل الفصح وسفك دمه (خروج 12: 6) فمات المسيح ليفي العدل الإلهي حقه (لوقا 24: 26).

(3) كان يلزم أن يُشوى حمل الفصح بنار (خروج 12: 8، 9) إشارة إلى آلام المسيح.

(4) كان يلزم أكل الحمل تماماً (خروج 12: 10) رمزاً إلى قبول المسيح بكل صفاته. فالواجب الإيمان به بكل وظائفه، لأنه صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسةً وفداءً (1كورنثوس 1: 30).

(5) كان يلزم رش دم حمل الفصح على العتبة العليا لأبواب بني إسرائيل فلا يهلكون (خروج 12: 7). وهكذا إذا رُشَّت النفس بدم المسيح بالإيمان نجت من الغضب الإلهي. وكذلك يلزم رشنا بدم المسيح لنكون خليقة جديدة «لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا» (1كورنثوس 5: 7). ثالثا – صفات الكهنة:

(1) كان الكهنة بشراً، وكذلك المسيح اتخذ جسداً مثلنا «كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء، لكي يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً في ما لله، حتى يكفر خطايا الشعب. لأنه في ما هو قد تألم مُجرَّباً يقدر أن يعين المجرّبين» (عبرانيين 2: 17، 18).

(2) كان الكهنة رمزاً للمسيح، لأنهم توسطوا بين الرب والشعب، فكان لا يمكن لأحد أن يقرِّب ذبائح إلا بواسطة الكهنة. قال المسيح: «أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي« (يوحنا 14: 6).

(3) كان الكهنة يقدمون ذبائح الكفارة، دم ثيران وكباش، رمزاً للمسيح الذي قدَّم نفسه عن الخطية (عبرانيين 7: 27 و9: 12-28 و10:10-14). هذه هي أوجه الرمز، غير أن الكهنة كانوا خطاة، ولهذا كانوا يقدمون الذبائح عن أنفسهم أولاً، ثم بعد ذلك عن الشعب (عبرانيين 5: 3). وأما المسيح فقدوس طاهر قدَّم نفسه (عبرانيين 7: 26). وكان الكهنة عُرضة للفناء، وأما المسيح فيبقى إلى الأبد (عبرانيين 7: 23، 24). ولم تكن ذبائح الكهنة تقدر أن تنزع الخطايا لأنها كانت رمزاً ولزم تكرارها إلى أن يظهر المرموز إليه، وأما المسيح فبقربانه الواحد أكمل إلى الأبد المقدَّسين (عبرانيين 10: 11-14).
هذه هي أوجه الرمز، غير أن الكهنة كانوا خطاة، ولهذا كانوا يقدمون الذبائح عن أنفسهم أولاً، ثم بعد ذلك عن الشعب (عبرانيين 5: 3). وأما المسيح فقدوس طاهر قدَّم نفسه (عبرانيين 7: 26). وكان الكهنة عُرضة للفناء، وأما المسيح فيبقى إلى الأبد (عبرانيين 7: 23، 24). ولم تكن ذبائح الكهنة تقدر أن تنزع الخطايا لأنها كانت رمزاً ولزم تكرارها إلى أن يظهر المرموز إليه، وأما المسيح فبقربانه الواحد أكمل إلى الأبد المقدَّسين (عبرانيين 10: 11-14).

قال المعترض: «يقول لاويين 1: 9 عن عِجل قربان المحرقة «وأما أحشاؤه وأكارعه فيغسلها (الكاهن) بماء، ويوقد الكاهن الجميع على المذبح، محرقة وقود، رائحة سرور للرب». ولكن جاء في إشعياء 1: 11 «لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب؟ اتَّخمْتُ من محرقات كباشٍ وشحم مسمناتٍ، وبدم عجولٍ وخرفان وتيوسٍ ما أُسَرّ!». وفي هذا تناقض».

وللرد نقول: عند قراءة نبوَّة إشعياء الأصحاح الأول نرى أن الرب لا يعترض على تقديم الذبائح، بل على روح الذي يقدِّمها، فيقول لشعبه إنه قد ملَّ ليس فقط من محرقاتهم، بل من أعيادهم وصلواتهم أيضاً. فواضح أن عبادتهم كلها كانت مكروهة أمامه. والسبب في هذا أن أيديهم كانت مملوءة دماً، فكانوا جيلاً شريراً، وأكثروا من الذبائح لينجوا من القصاص الذي كانوا يستحقونه. وقصدوا في الوقت نفسه أن يتمادوا في خطاياهم، فكانوا يظنون أن مجرد تأدية الفرائض والطقوس الخارجية يكسبهم رضى الرب، ويعطيهم (كما أرادوا) فرصة التمادي في شرورهم. ولا بد أن الرب يرفض الذبائح متى قُدِّمت بهذه الروح. لما أمر الرب بالذبائح المختلفة المنصوص عنها في شريعة موسى ووعد بأن يبارك مقدِّميها، كان ينتظر أن تكون قلوبهم خاشعة طاهرة. ولكن في عصر إشعياء انحطت عبادة الشعب للرب، وكانت قاصرة على ممارسة طقوس ظاهرية وفرائض خارجية. وقد أوصى الرب شعبه بالصلاة، ولكن إن كانت الصلاة مجرد نفاق ورياء، فالرب يبغضها.  فلا تناقض بين إشعياء 1: 11 ولاويين 1: 9 لأن العبادة إن لم تصدر من قلب نقي فهي ليست عبادة بالمرة، ولا هي مقبولة عنده.

 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات