قضاة 16: 30 هل شمشون مات منتحراً؟

هل شمشون مات منتحراً؟  قضاة 16 : 30 وَقَالَ شَمْشُونُ: «لِتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ». وَانْحَنَى بِقُوَّةٍ فَسَقَطَ الْبَيْتُ عَلَى الأَقْطَابِ وَعَلَى كُلِّ الشَّعْبِ الَّذِي فِيهِ، فَكَانَ الْمَوْتَى الَّذِينَ أَمَاتَهُمْ فِي مَوْتِهِ، أَكْثَرَ مِنَ الَّذِينَ أَمَاتَهُمْ فِي حَيَاتِهِ.

وللإجابة أقول لابد من دراسة بعض الخلفيات التاريخية لقصة حياة شمشون قبل الإجابة على هذا السؤال:   * وُلِد شمشون من والدين أتقياء يحبون الرب، قال عنهما المؤرخ اليهودي الكبير يوسيفوس: “كان أبوه أعظم رجل في عصره، كان تقياً مقدساً رقيق المشاعر… وكانت أمه امرأة عظيمة (القس الياس مقار. رجال الكتاب المقدس. ج1، ص208). ولكي تتأكد من هذا اقرأ (قض13).   * وكان شمشون نذيراً للرب من بطن أمه، وقد وُلِد بمعجزة، فقد كانت الأم عاقراً، ولكن ظهر لها ملاك الرب وبشَّرها بولادته (قض13: 2-5).    * وقد وُلِد لإرسالية كبيرة، فقد كان شعب الرب مُستَعبَداً للفلسطينيين من 40 سنة (قض1:13)، وقد أرسله الرب ليخلِّصهم منهم فنقرأ: “فَتَرَاءَى مَلاَكُ الرَّبِّ لِلْمَرْأَةِ وَقَالَ لَهَا: «هَا أَنْتِ عَاقِرٌ لَمْ تَلِدِي، وَلكِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا. 4وَالآنَ فَاحْذَرِي وَلاَ تَشْرَبِي خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، وَلاَ تَأْكُلِي شَيْئًا نَجِسًا. 5فَهَا إِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا، وَلاَ يَعْلُ مُوسَى رَأْسَهُ، لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيرًا ِللهِ مِنَ الْبَطْنِ، وَهُوَ يَبْدَأُ يُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ» (قض13: 3-5).  * اختبر شمشون في حياته قيادة روح الرب له فنقرأ: “فَكَبِرَ الصَّبِيُّ وَبَارَكَهُ الرَّبُّ. 25وَابْتَدَأَ رُوحُ الرَّبِّ يُحَرِّكُهُ فِي مَحَلَّةِ دَانَ بَيْنَ صُرْعَةَ وَأَشْتَأُولَ” (قض13: 24-25). * اختبر قوة الرب المعجزية في حياته.   ولكن ابتعد شمشون عن الرب شيئاً فشيئاً ونسي إرساليته، وسقط في الخطية وكلنا نعلم سقطته، وبدلاً من أن “يُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ” سقط هو في يدهم. وبسقطته  خسر الكثير جداً.

خسائر شمشون:

(1) فقد المعية الإلهية:  فبعد أن حلق الفلسطينيون شعر رأسه، نقرأ “وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ فَارَقَهُ (قض 16 : 20). وماذا يتبقى للإنسان بعد أن يفارقه الرب. 

(2) فقد القوة:   الذي قتل الأسد، وقطع الأوتار الطرية، وقطع الأحبال الجديدة، وخلع مصاريع الباب، وقتل ألف رجل بلحي حمار، أصبح ضعيفاً وعاجزاً.

(3) فقد بصره: – فقد قلع الفلسطينيون عينيه، وما أصعب العمى.

(4) فقد مركزه: من قائد للأمة إلى الطحن فى بيت السجن، من رمز من رموز الدولة إلى عقوبة العبيد والمجرمين.

(5) فقد كرامتة: من إنسان مُكرَّم وسط كل الشعب، إلى إنسان مقلوع العينين، مربوط بسلاسل، يستهزئون به.

(6) فقد إنجازات السنين التى كان يمكن أن يحققها لو أنه كان في يد الرب.

(7) فقد قوته الروحية.

(8) وأهم شئ فقد رسالته وإرساليته التي وُلِد من أجلها.

شمشون وتوبته: في ذات يوم وبعد أن فقد شمشون كل شئ، وجد الفلسطينيين يستدعونه من بيت السجن ليرقص لهم في احتفال عظيم أقاموه في هيكل إلههم داجون لتقديم ذبيحة شكر له. ويقول آرثر كندال: “أظهرت الحفريات الأثرية الحديثة بصفة قاطعة أن داجون كان “إله القمح أو الزراعة” وقد انتشرت عبادته في منطقة ما بين النهرين في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، ويبدو أنه كان المعبود الرئيسي للفلسطينيين، ويظهر مدى شيوع وانتشار عبادته في إقامة مدينتين باسم (بيت داجون) الأولى في يهوذا (يش41:15) والأخرى في أشير (يش27:19)” (آرثر كندال. القضاة وراعوث، ص178). ووجد شمشون كل الشعب يذبح ويهتف  ويهلل لداجون، ويقولون: «قَدْ دَفَعَ إِلهُنَا لِيَدِنَا شَمْشُونَ عَدُوَّنَا»… «قَدْ دَفَعَ إِلهُنَا لِيَدِنَا عَدُوَّنَا الَّذِي خَرَّبَ أَرْضَنَا وَكَثَّرَ قَتْلاَنَا» (قض16: 23-25).   وهنا استفاق شمشون من غفلته وبدأ يتذكر المعجزات التي صنعها الرب معه من قبل، وقيادة روح الرب له، وقصة ولادته التي سمعها عشرات المرات من والديه، وهدف وجوده، وقصد الرب من حياته. فرفع صلاة جميلة، صادقة، حارة، قصيرة إلى الرب قال فيها: «يَا سَيِّدِي الرَّبَّ، اذْكُرْنِي وَشَدِّدْنِي يَا اَللهُ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ، فَأَنْتَقِمَ نَقْمَةً وَاحِدَةً عَنْ عَيْنَيَّ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ». إنها تذكرنا بصلاة اللص التائب «اذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ» (لو43:23). وبصلاة العشار “اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ” (لو13:18). إنه يذكر في هذه الصلاة ثلاثة أسماء رائعة للرب وهي: “السيد والرب والرب” وبالعبرية: “أدوناي ويهوه وإلوهيم”.فيها يتذكر إله العهد والنعمة والمبادرة، والإله المسيطر والمتحكم في كل شئ. 

وأعتقد أن شمشون وجدها فرصة لينتقم من أعداء الرب، وخاصة أن الهيكل كان مزدحماً بالرجال والنساء، لدرجة أن السَّطْحِ كان عليه نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ رَجُل وَامْرَأَةٍ، وفوق الكل كَانَ هُنَاكَ جَمِيعُ أَقْطَابِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. فطلب من الرب الرحمة والقوة والمعونة إذ يقول: “اذْكُرْنِي وَشَدِّدْنِي…”. وهنا يقول وليم مارش: “لقد أدرك شمشون أن قوته كانت من الرب لا من بنيته الطبيعية، وعرف أنها فارقته لإثمه وجهله، فتاب إلى الرب توبة حقيقية وسأل الرب التقوية” ( وليم مارش. السنن القويم في تفسير العهد القديم.ج3، ص371) . ثم قَبَضَ عَلَى الْعَمُودَيْنِ الْمُتَوَسِّطَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ الْبَيْتُ قَائِمًا عَلَيْهِمَا، وَاسْتَنَدَ عَلَيْهِمَا الْوَاحِدِ بِيَمِينِهِ وَالآخَرِ بِيَسَارِهِ. وَقَالَ: «لِتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ». لذلك أقول بكل يقين: لم يمت شمشون منتحراً لأن المنتحر يكون هدفه أن يقتل نفسه، لكن شمشون كان هدفه أن يقتل أعداء الرب الوثنيين ـ بحسب مفهومه في ذلك الوقت ـ ولو أن هذا الغرض لن يتحقق إلا بأن يموت معهم، فلا مانع عنده من ذلك. وما يؤكد ذلك كما يقول البابا شنودة الثالث: “أنه قال: «لِتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ». فقد كانوا هم الغرض، وهو سيموت معهم، ولو كان قصده أن ينتحر لكانت تكفي عبارة «لِتَمُتْ نَفْسِي» (البابا شنوده الثالث. سنوات مع أسئلة الناس. ج9، ص65) .

  لذلك أكرر بكل تأكيد لم يمت شمشون منتحراً بل مات تائباً إلى الرب نادماً على خطاياه، وأكبر دليل على ذلك هو أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين ذكره ضمن سحابة الشهود فقال: “وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ …33الَّذِينَ بِالإِيمَانِ: قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ …” (عب11: 31-33). إنه يشبه الجندي الشجاع الفدائي الذي يضحي بنفسه لكي تنتصر بلده، لذلك يقول عنه الوحي: “فَكَانَ الْمَوْتَى الَّذِينَ أَمَاتَهُمْ فِي مَوْتِهِ، أَكْثَرَ مِنَ الَّذِينَ أَمَاتَهُمْ فِي حَيَاتِهِ” (قض30:16).

    المصدر : القس عزت شاكر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات