خروج 32 : 14 فندم الرب على الشر الذي قال انه يفعله بشعبه.ما معني ندم الرب؟

وللإجابة على هذا السؤال أذكر عدة حقائق هامة وهي:

أولاً ـ لماذا يندم الإنسان؟

يندم الإنسان لأنه يتخذ قرارات ثم يكتشف بعد فترة من الزمن أنه أخطأ فيها، أو يقول كلام ثم يكتشف أنه في غير مكانه، أو يتصرف تصرف ثم يدرك أنه غير صحيح، وكل هذا بسبب ضعفه البشري، أو لعدم رؤيته الكاملة لنتائج أقواله أو أفعاله، أو لعدم قدرته على رؤية المستقبل لنقص المعلومات لديه، أو لظهور متغيرات جديدة لم تكن في حساباته.

ثانياً ـ الرب لا يندم بالمفهوم البشرى:

يعلن لنا الكتاب المقدس أكثر من مرة أن الرب لا يندم فيقول بوضوح: “لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟” (عد19:23). وهي ترد في ترجمة (NIV):

God is not a man, that he should lie, nor a son of man, that he should change his mind. Does he speak and then not act? Does he promise and not fulfill?

ويقول أيضاً: “نَصِيحُ إِسْرَائِيلَ لاَ يَكْذِبُ وَلاَ يَنْدَمُ لأَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَاناً لِيَنْدَمَ” (1صم29:15).

الرب لا يندم لأن التاريخ أمامه صفحة واحدة، ليس عنده ماضي وحاضر ومستقبل، فهو لا يفاجأ بحدث أو موقف ولا تظهر متغيرات جديدة لم تكن في حساباته فكل شئ عريان ومكشوف أمامه.

تخيل أنك ترى الآن نملة تسير أمامك على الأرض، بالنسبة للنملة المسافة التي قطعتها في المشي ماضي، وقد استغرقت في المشي بالنسبة لها زمناً طويلاً، والطريق الذي أمامها مستقبل طويل، أما بالنسبة لك فأنت ترى ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وتعرف إن كان سيواجهها بقعة ماء، أو طريق مسدود، أو بلاّعة …الخ. هي تفاجأ أما أنت فلا تفاجأ بشئ. فكم بالحري بالنسبة للرب، إن التاريخ كله من لحظة البداية وحتى النهاية مكشوف أمامه، كل ما حدث وما سيحدث، ولا يفاجأ بحدث ولا بمعلومة جديدة، لذلك يقول: “لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ. الإِلهُ وَلَيْسَ مِثْلِي. 10مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِالأَخِيرِ، وَمُنْذُ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ، قَائِلاً: رَأْيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي” (إش46:9-10).

أو تخيل أن هناك شخص يرصد بالرادار كل شوارع القاهرة، فيرى كل الأماكن المزدحمة وكل الأماكن الهادئة، بينما أنت تسير بسيارتك في الطريق إلى عملك وأخذت قراراً بأن تسير في شارع معين فتجده في منتهى الزحمة، فتندم وقد تتخذ طريقاً آخر، ولكن من يراك بالرادار هل يفاجأ بذلك. كلا.

أما بالنسبة للرب فهو لا يرى الشوارع فقط إنه يعرف القلوب والأفكار والنيات والضمائر، فهو يرى في الظلام كما يرى في النور، وهو فاحص القلوب ومختبر الكلى. لذلك هو لا يفاجأ بتصرف بشري، ولا يتخذ قراراً ثم يكتشف أنه كان غير صحيح لأن البيانات لم تكن كاملة لديه.

ثالثاً ـ الوحي يستخدم تعبيرات بشرية لتوصيل الحق الإلهي:

إن الوحي عندما يستخدم تعبيرات مثل: “كرسي الرب” ، “يد الرب” ، “عينا الرب” ، “أقسم الرب ، “ذراع الرب” ، “فم الرب” ، “حزن الرب” ، “ندم الرب”.   الخ ذلك لأن الرب في حكمته ونعمته يريد أن يخاطبنا بلغتنا لكي نفهم الحق الإلهي، لأنه لو حدثنا بلغته لما فهمنا شيئاً.

إنه يتكلم معنا مثلما يتكلم الأب مع ابنه الصغير، أو الأم مع طفلها الرضيع، فعندما يمد الطفل يده إلى النار أو شئ سخن نقول له لا “يح”، ونقصد أنه سيلسعك، وعندما نسأله إن كان يريد ماء ليشرب، نقول له “امبو”، وإذا أردنا أن نعرف إن كان جائعاً، ويريد أن يأكل، نقول له “مم، وهناك عشرات الكلمات الأخرى التي كنا نتواصل معه بها.

وعندما نفنِّد التعبيرات التي أطلقها الوحي على شخص الرب سنجد أنها مجرد تعبيرات بشرية لتبسيط الحق الإلهي لنا، فمثلاً عندما نفكر في تعبير “كرسي الرب” بالطبع الرب لا يجلس على كرسي، ولا يوجد كرسي يسع الرب، فهل الرب محدود لدرجة أنه يجلس على كرسي؟ وأين هذا الكرسي؟ ألم يقل عن نفسه: “أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟” (إر24:23)

وقال عنه سليمان: “لأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ” (1مل 8 : 27).

وقال استفانوس: “كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ: 49السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ” (أع 7 : 48 – 49).

ولكن الوحي عندما أراد أن يعبر عن سيادة وسلطان الرب استخدم هذا التعبير.

ونأتي الآن للسؤال الذي يطرح نفسه وهو:

ما الذي قصده الوحي بعبارة “نَدِم الرب”؟

لقد قصد الوحي أكثر من معنى:

1 ـ يقصد تغير إعلان القضاء:

إن الرب لا يغير قضاءه، وحاشا للرب أن يتخذ قرارات ويرجع فيها، ألم يقل الرسول يعقوب عن الرب: “الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ” (يع1: 17). وقال هو عن نفسه في سفر ملاخي: “لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ”(ملا6:3).

لو درسنا كل المرات التي وردت فيها عبارة: “فَنَدِمَ الرَّبُّ” ونسأل: هل فوجئ الرب بمعلومات جديدة، أو تصرفات لم تكن في حساباته؟ كلا، فالرب بعلمه السابق يعرف كل شئ، فمثلاً عندما يقول في سفر إرميا: “تَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْقَلْعِ وَالْهَدْمِ وَالإِهْلاَكِ، 8فَتَرْجعُ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا، فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا. 9وَتَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، 10فَتَفْعَلُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ، فَلاَ تَسْمَعُ لِصَوْتِي، فَأَنْدَمُ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قُلْتُ إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْهَا بِهِ” (إر18: 7-10).

فهل الرب سيغير قراره؟ كلا، هل الرب لا يعرف بعلمه السابق إن كانوا سيفعلوا الخير أم الشر؟ بكل تأكيد يعرف. إنما يستخدم هذه اللغة ليحثهم على فعل الخير، وليعلن لهم أنهم أحرار في اختيار طريقهم، وأنهم سيحصدون نتائج اختياراتهم. لذلك تارة يتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ بالْهَدْمِ وَالإِهْلاَكِ، فَتَرْجعُ تِلْكَ الأُمَّةُ عَنْ شَرِّهَا، فيندم عَنِ الشَّرِّ الَّذِي تكلم به. والحقيقة هي أن الرب لم يفاجأ بأن هذه الأمة تراجعت عن الشر، فهو بعلمه السابق يعرف كل شئ، إنما توعدها بالخراب حتى تتوب وترجع عن شرها، وعندما تابت لم يغير القضاء بل إعلان القضاء لهم. وكذلك عندما يتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، فَتَفْعَلُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيه، ولاَ تَسْمَعُ لِصَوْتِه، فيندم عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قال إِنِّه سيحْسِنُ إِلَيْهَا بِهِ. ونفس الشئ حدث عندما قال الرب لموسى: «رَأَيْتُ هَذَا الشَّعْبَ وَإِذَا هُوَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ. 10فَالآنَ اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَأُفْنِيَهُمْ فَأُصَيِّرَكَ شَعْباً عَظِيماً». فَتَضَرَّعَ مُوسَى أَمَامَ الرَّبِّ من أجل الشعب فنقرأ: “فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ” (خر32: 9-14). وهي ترد في ترجمة (NKJV):

“So the Lord relented from the harm which He said He would do to His people”.

هل فوجئ الرب بتضرع موسى؟ كلا، هل كان ناسياً لعهده الذي ذكره موسى في تضرعه؟ كلا، إنما هي لغة بشرية ليحرك بها قلب موسى وكل الشعب ليبتعدوا عن الشر ويعيشوا في مخافة الرب، وليدركوا أن هناك خطر قادم إن لم يتوبوا. وأرجو أن تقرأ مزمور 106 وسترى كيف أن هذه العبارة لا تبرهن إلا على عمق محبته ورأفته للشعب، فهو يحذرهم وينذرهم ويتوعدهم بالخراب لكي يرتدعوا ويتوبوا، فنقرأ: “وَنَدِمَ حَسَبَ كَثْرَةِ رَحْمَتِهِ” (مز45:106).

2 ـ الحزن والألم:

مرات يستخدم الوحي تعبير“نَدِمَ الرَّبُّ” ليعبر عن كيف أن الشر والخطية تُحزِن وتكسر قلب الرب، وكم كان يتمنى أن يعيش الإنسان في مخافته، ويصنع مشيئته، ولكنه خلقه حراً يفعل ما يشاء، فنقرأ: “وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ. 6 فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ” (تك6: 5-6).

 ونفس الفكرة نجدها بعد اختيار شاول ملكاً حيث نقرأ: “وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى صَمُوئِيلَ: «نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكاً, لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي” (1صم11:15). ونسأل: هل فوجئ الرب بتصرف شاول؟ كلا، إن الرب بعلمه السابق يعرف كل شئ، لكنه يستخدم تعبير بشري ليعبر عن مدى حزنه على تصرف شاول، وترد هذه الآية في ترجمة (NIV) كالآتي:

 “I am grieved that I have made Saul king, because he has turned away from me and has not carried out my instructions.”

المصدر : القس عزت شاكر . 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات