خروج 10: 1 إني أغلظْتُ قلبه، أم إن فرعون هو الذي أغلظ قلبه

خروج 10: 1 إني أغلظْتُ قلبه، أم إن فرعون هو الذي أغلظ قلبه، جزء 1 هل الرب قسي قلب فرعون القس عزت شاكر جزء 1

خروج 10: 1 إني أغلظْتُ قلبه، أم إن فرعون هو الذي أغلظ قلبه جزء 2 هل الرب قسي قلب فرعون القس عزت شاكر جزء 2

قال المعترض: «يقول خروج 10: 1 إن الرب قال لموسى عن فرعون: «إني أغلظْتُ قلبه وقلوب عبيده لأصنع آياتي هذه بينهم». وهذه الفكرة واردة في الخروج 9: 12 و11: 10. ولكن الخروج 8: 15، 32 و9: 34 تقول إن فرعون هو الذي أغلظ قلبه».

وللرد نقول::قرأنا في الكتاب المقدس أن الرب بنفسه قال لموسى عن فرعون: إني أغلظْتُ قلبه وقلوب عبيده لأصنع آياتي هذه بينهم» خروج 10 : 1 ما معنى هذه العبارة؟  وهل من المعقول أن الرب يقسِّي قلب إنسان؟ وهل من العدل أن يقسِّي الرب قلب إنسان ثم بعد ذلك يدينه؟ لماذا ضرب الرب فرعون وكل شعب مصر بعشر ضربات؟ أليست هذه قسوة؟ ولماذا أغرق الرب فرعون وكل جيشه في الماء؟

للإجابة على هذه الأسئلة أذكر عدة حقائق هامة وهي:

1 ـ فى الحقيقة الرب لا يقسِّي قلب أىّ إنسان، فهو يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (ا تى 2: 4). وهو لا يُسَر بموت الشرير بل بأن يرجع عن طرقه الرديّة. وذكر المسيح أن الراعي يترك التسعة والتسعين خروفاً ويذهب يفتش عن الضال حتى يجده (لو15: 4).

2 ـ الحقيقة هى أن فرعون منذ البداية كان شخصاً عنيداً وقاسياً ومتحجر القلب، فعندما جلس على العرش جعل رؤساء تسخير على شعب إسرائيل لكى يذلوهم (خر 1: 11)، واستعبدهم بعنف، ومَرَّرَ حياتهم بعبودية قاسية فى الطين واللبن. ثم أمر بقتل كل طفل ذكر  يولد لشعب إسرائيل (خر1: 15- 19). هل رأيت قساوة أشد من هذه؟ ومن البداية عندما أرسل الرب موسى وهرون ليقولا له: «هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: أَطْلِقْ شَعْبِي لِيُعَيِّدُوا لِي فِي الْبَرِّيَّةِ» (خر5: 1).  كان موقفه متسماً بالتحدى للرب كما يقول د. صموئيل شولتز، وهل يستطيع إنسان أن يتحدى الرب؟! فيقول: «مَنْ هُوَ الرَّبُّ حَتَّى أَسْمَعَ لِقَوْلِهِ فَأُطْلِقَ إِسْرَائِيلَ؟ لاَ أَعْرِفُ الرَّبَّ وَإِسْرَائِيلَ لاَ أُطْلِقُهُ». ولم يُطِع فرعون، بل وإزداد عصياناً وقساوة وتحدياً للرب وشعبه فمنع التبن الذى كان يُعطَى للشعب لعمل اللبن، حتى يذل الشعب أكثر (خر5: 6- 11). وعندما أرسل الرب موسى وهرون إليه مرة أخرى، وطرح هرون عصاه أمام فرعون فصارت ثعباناً، دعا فرعون السحرة ففعلوا كذلك، إلا أن عصا هرون ابتلعت عصيهم (خر 7: 8 – 12). ولم يتعظ ويطع بل نقرأ عنه “فَاشْتَدَّ قَلْبُ فِرْعَوْنَ”. (عدد 13). لذلك شهد الرب عنه وقال لِمُوسَى: «قَلْبُ فِرْعَوْنَ غَلِيظٌ. قَدْ أَبَى أَنْ يُطْلِقَ الشَّعْبَ” (خر14:7).

3 ـ الدارس المدقق يجد أن الرب كان يرسل موسى لينذره قبل كل ضربة من الضربات الستة الأولى حتى يرجع عن طريقه وأرجو أن تراجع الشواهد الآتية: (خر7: 17، 8: 2، 8: 16و 21، 9: 3 و 8). وكان هناك تدرجاً فى الضربات لعل فرعون يرجع عن قساوة قلبه ويعرف الرب ويطلق شعبه ولكنه كان عنيداً قاسياً. فقبل الضربة الأولى وهي: “تحويل الماء إلى دم”، نجد أن الرب أرسل موسى إليه ليحذره قبل أن يضربه (خر7: 15- 17)، لكنه لم يسمع. وقبل الضربة الثانية وهي: “الضفادع” أرسل الرب موسى إليه أيضاً ليحذِّره وينذره قبل أن يضربه وقال له بوضوح: “هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي. 2وَإِنْ كُنْتَ تَأْبَى أَنْ تُطْلِقَهُمْ فَهَا أَنَا أَضْرِبُ جَمِيعَ تُخُومِكَ بِالضَّفَادِعِ. 3فَيَفِيضُ النَّهْرُ ضَفَادِعَ. فَتَصْعَدُ وَتَدْخُلُ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى مِخْدَعِ فِرَاشِكَ وَعَلَى سَرِيرِكَ وَإِلَى بُيُوتِ عَبِيدِكَ وَعَلَى شَعْبِكَ وَإِلَى تَنَانِيرِكَ وَإِلَى مَعَاجِنِكَ” (خر8: 1-3).  وقبل الضربة الثالثة وهي: “البعوض” أرسل الله أيضاً إليه موسى قبل الضربة ليحذِّره، ولكنه لم يسمع. وأرسل فرعون إلى العرافين ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا، بل وشهدوا وقالوا له: «هَذَا إِصْبِعُ اللهِ» (8: 19). وبالرغم من ذلك يقول الوحى: “فَاشْتَدَّ قَلْبُ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يَسْمَعْ لَهُمَا كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ” ع22 . وقبل الضربة الرابعة وهي: “الذُبَّانٌ” قال له موسى: “هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي. 21فَإِنَّهُ إِنْ كُنْتَ لاَ تُطْلِقُ شَعْبِي هَا أَنَا أُرْسِلُ عَلَيْكَ وَعَلَى عَبِيدِكَ وَعَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى بُيُوتِكَ الذُّبَّانَ فَتَمْتَلِئُ بُيُوتُ الْمِصْرِيِّينَ ذُبَّاناً. وَأَيْضاً الأَرْضُ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا. 22وَلَكِنْ أُمَيِّزُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَرْضَ جَاسَانَ حَيْثُ شَعْبِي مُقِيمٌ حَتَّى لاَ يَكُونُ هُنَاكَ ذُبَّانٌ. لِتَعْلَمَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ فِي الأَرْضِ. 23وَأَجْعَلُ فَرْقاً بَيْنَ شَعْبِي وَشَعْبِكَ. غَداً تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ» (خر8: 20-23). وقبل الضربة الخامسة وهي: “موت المواشي” أرسل الرب موسى ليحذِّره وقال له: “هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلَهُ الْعِبْرَانِيِّينَ أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي. 2فَإِنَّهُ إِنْ كُنْتَ تَأْبَى أَنْ تُطْلِقَهُمْ وَكُنْتَ تُمْسِكُهُمْ بَعْدُ 3فَهَا يَدُ الرَّبِّ تَكُونُ عَلَى مَوَاشِيكَ الَّتِي فِي الْحَقْلِ عَلَى الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَالْجِمَالِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَبَأً ثَقِيلاً جِدّاً4وَيُمَيِّزُ الرَّبُّ بَيْنَ مَوَاشِي إِسْرَائِيلَ وَمَوَاشِي الْمِصْرِيِّينَ. فَلاَ يَمُوتُ مِنْ كُلِّ مَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْءٌ». ” (خر9: 1-4). ولكنه لم يسمع، وتوالت الضربات بعد ذلك حتى الضربة العاشرة، وفرعون فى جحود وقساوة.

    4 ـ لم يكن الرب يحذِّره فقط قبل كل ضربة من الضربات الستة الأولى، ولكن بعد كل ضربة عندما كان يذهب ويتضرع إلى موسى وهرون لكى يصليا إلى الرب ليرفع عنه الضربة كان الرب يستجيب: * بعد ضربة الضفادع صرخ لمُوسَى وَهَارُونَ وَقَالَ: «صَلِّيَا إِلَى الرَّبِّ لِيَرْفَعَ الضَّفَادِعَ عَنِّي وَعَنْ شَعْبِي فَأُطْلِقَ الشَّعْبَ لِيَذْبَحُوا لِلرَّبِّ». (خر8: 8) وصليا ورفع الرب الضربة لكن للأسف نقرأ:“فَلَمَّا رَأَى فِرْعَوْنُ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ الْفَرَجُ أَغْلَظَ قَلْبَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ لَهُمَا كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ” (خر15:8). * وبعد ضربة “الذُبَّانٌ” استدعى موسى وهارون وقال لهما: «أَنَا أُطْلِقُكُمْ لِتَذْبَحُوا لِلرَّبِّ إِلَهِكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ. وَلَكِنْ لاَ تَذْهَبُوا بَعِيداً. صَلِّيَا لأَجْلِي». (28:7). وصليا ورفع الرب الضربة، ولكننا نقرأ: “فَارْتَفَعَ الذُّبَّانُ عَنْ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ وَشَعْبِهِ. لَمْ تَبْقَ وَاحِدَةٌ! 32وَلَكِنْ أَغْلَظَ فِرْعَوْنُ قَلْبَهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَيْضاً فَلَمْ يُطْلِقِ الشَّعْبَ” (7: 31-32).    * وبعد ضربة “الْبَرَدُ” أَرْسَلَ فِرْعَوْنُ وَدَعَا مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالَ لَهُمَا: «أَخْطَأْتُ هَذِهِ الْمَرَّةَ. الرَّبُّ هُوَ الْبَارُّ وَأَنَا وَشَعْبِي الأَشْرَارُ. 28صَلِّيَا إِلَى الرَّبِّ وَكَفَى حُدُوثُ رُعُودِ اللهِ وَالْبَرَدُ فَأُطْلِقَكُمْ وَلاَ تَعُودُوا تَلْبَثُونَ» (9: 27-28). * وبعد أن رفع الرب الضربة نقرأ: “وَلَكِنْ فِرْعَوْنُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْمَطَرَ وَالْبَرَدَ وَالرُّعُودَ انْقَطَعَتْ عَادَ يُخْطِئُ وَأَغْلَظَ قَلْبَهُ هُوَ وَعَبِيدُهُ. 35فَاشْتَدَّ قَلْبُ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُطْلِقْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ عَنْ يَدِ مُوسَى”(9: 34-35). * وبعد ضربة “الجراد” دَعَا فِرْعَوْنُ مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالَ: «أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلَهِكُمَا وَإِلَيْكُمَا. 17وَالآنَ اصْفَحَا عَنْ خَطِيَّتِي هَذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ وَصَلِّيَا إِلَى الرَّبِّ إِلَهِكُمَا لِيَرْفَعَ عَنِّي هَذَا الْمَوْتَ فَقَطْ» (10: 16-17). وللأسف لم يتراجع عن شره وعناده.

5 ـ الدارس المدقق يجد أن عبارتي “اشْتَدَّ قَلْبُ فِرْعَوْنَ“، “أَغْلَظَ فِرْعَوْنُ قَلْبَهُ” ترد 7 مرات في (خر7: 13، 7: 22، 8: 19، 8: 32، 9: 7، 9: 35). بعد الضربات الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، أي أن فرعون بكامل حرية إرادته هو الذي أغلظ قلبه.   فى هذا الإطار وردت عبارة “وَلَكِنِّي أُقَسِّي قَلْبَ فِرْعَوْنَ” (خر 7 : 3).

 وهي تعنى أمرين في غاية الأهمية وهما:

أولاً ـ تعني أن الرب سيُظهِر قساوته أمام الجميع، لأنه سيتعامل معه بطول أناة وصبر شديدين، بالرغم من أنه سيستعرض قواه، بل ويتحدى الرب بكل فجور. فأنت عندما تتعامل مع شخص بكل أدب وذوق ورقة واحترام، ويكون هو قليل الأدب، سيئ الأخلاق، فأنت تُظهِر قلة ذوقه وأدبه دون أن تقصد. فالرب لم ولن يقسِّي قلبه ولكن أظهر قساوة قلبه بسبب طول أناته ورقة محبته.  وفعلاً كان الرب طويل الأناة جداً مع فرعون، فأنت لا تجد رحمة ولا رأفة أعظم من هذه، فأن يرسل الرب ويحذِّره قبل كل ضربة ليرجع عن طريقه، وعندما يُظهِر بوادر توبة يرفع الرب الضربة، ولكنه للأسف يعود إلى قساوته مرة أخرى، ويتركه لدرجة أن يتحدى الرب، فهذه أعظم محبة، وهذا ما أظهر قساوة قلب فرعون.

    ثانياً ـ المعنى الثاني ذكره شيلدس ( B. S. Childs ) وهو أن الرب شَدَّد قلب فرعون بمعنى أن الرب أسلمه إلى ذهنه المرفوض ليفعل ما لا يليق، كما يقول الرسول بولس: “لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ \للهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى \لنَّجَاسَةِ …. لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ \للهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ…. وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا \للهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ أَسْلَمَهُمُ \للهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ” (رو1: 24و26و28) (راجع أيضاً: رو1: 22- 24، 9: 14- 17). لاحظ تكرار عبارة “أَسْلَمَهُمُ \للهُ” أي تركهم الرب لشهوات قلوبهم، أو أسلمهم الرب لذهنهم الرافض لمحبته وطول أناته، وهذا ما حدث مع فرعون إذ تركه إلى قساوة قلبه. واعتبر الكاتب أن إرادة السماح تتساوى مع الإرادة القصدية. بمعنى أن كون الرب تركه لقلبه القاسي تتساوى مع قسَّى قلبه. وعندما تركه الرب إلى قساوة قلبه لم يحصد إلا الخراب هو وشعبه. عزيزي القارئ: أرجو أن لا تقسي قلبك، لتصغي إلى صوت التحذير والإنذار إن الرب لا يرسل أحداً إلى جهنم دون أن ينذره عشرات المرات.

المصدر : القس عزت شاكر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات