جامعة 1: 18 في كثرة الحكمة كثرة الغم، والذي يزيد عِلماً يزيد حزناً

“الَّذِي يَزِيدُ عِلْماً يَزِيدُ حُزْناً”   سألني عدد كبير فيما قاله كاتب سفر الجامعة: “لأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْماً يَزِيدُ حُزْناً” (جا18:1). قائلين: هل الكاتب هنا يحذرنا من كثرة العلم؟ وهل المسيحية تقف ضد العلم والمعرفة؟

للإجابة على هذا السؤال أذكر عدة حقائق:

أولاً ـ لا تقدم بدون العلم: إن الواقع والتاريخ يبرهنا لنا على أنه لا تقدم بدون العلم، ولعل أفضل نموذج يوضح ذلك ما يحدث في اليابان الآن. لقد تحطمت اليابان تماماً في الحرب العالمية الثانية، وبالرغم من ذلك نجدها الآن على قمة الدول المتقدمة في العالم، وبلا شك الفضل في ذلك يعود إلى التعليم. فقد بدأت بداية صحيحة بإصلاح التعليم، وهذا هو سر النهضة اليابانية الحديثة. فيذكر القانون الأساسي للتعليم في اليابان رقم 25 لسنة 1947م ما يأتي : “نحن الشعب الياباني قد وضعنا دستور اليابان فإننا قد عقدنا العزم على أن نُسهِم في السلام العالمي ورفاهية البشرية عن طريق بناء دولة ديمقراطية متحضرة. وتحقيق هذا الهدف المثالي سوف يتوقف بصورة أساسية على مدى قوة سلاح التعليم…”. وتذكر المادة الأولى من الدستور الآتي:- “سوف يهدف التعليم إلى التنمية الشاملة للشخصية مكرساً كل جهده إلى بناء شخصية سليمة عقلياً وبدنياً لشعب يعشق الصدق والعدالة ويقدر القيم الذاتية ويحترم العمل ولديه إحساس عميق بالمسئولية ويؤمن إيماناً راسخاً باستقلالية الذات…”. وتذكر المادة الثانية الآتي:- سوف يتحقق الهدف من التعليم في جميع المناسبات وجميع الأماكن ومن أجل تحقيق هذا الهدف سوف نكرس جهدنا للإسهام في خلق وتنمية الثقافة من خلال التعاون والتقدير المتبادل واحترام الحرية الأكاديمية…”. ولقد قال مستر بينيت وزير التعليم الأمريكي الأسبق: “من الخير لنا ونحن شعب واقعي وعملي أن نتعلم ما نستطيع تعلمه من النظام التعليمي في اليابان”.   والرائع أن اليابان لم تسكت وتظن أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، بل أدركت أن التعليم يحتاج إلى إصلاح مستمر وتطوير دائم لمواكبة كل تغيرات العصر، لذلك شكَّلت الحكومة اليابانية مجلساً جديداً بعد ذلك في 21/ 8/ 84 يسمى المجلس القومي لإصلاح التعليم، والغريب ان هذا المجلس اجتمع 668 مرة في مدة 3 سنين وأصدر سلسلة من التقارير المتلاحقة لتطوير العملية التعليمية، وما يزال التطوير مستمراً. فطريق العلم هو طريق النجاح والتقدم والرفاهية، ولا يمكن أن يقف عاقل في طريق العلم والمعرفة، إن دول العالم المتقدم اليوم رفعت شعار: “New mind for new world” أي “عقل جديد لعالم جديد”.

ثانياً ـ الكتاب المقدس يشجعنا على الدراسة والبحث العلمي:   وعندما ندرس كتابنا المقدس سنجد أنه يشجعنا على الدراسة والبحث والعلم، وسفر الجامعة نفسه ليس ضد العلم والمعرفة، بل على العكس يشجع على ذلك، بدليل أن الكاتب يقول في الأصحاح التالي:  “ثُمَّ الْتَفَتُّ لأَنْظُرَ الْحِكْمَةَ وَالْحَمَاقَةَ وَالْجَهْلَ…. فَرَأَيْتُ أَنَّ لِلْحِكْمَةِ مَنْفَعَةً أَكْثَرَ مِنَ الْجَهْلِ، كَمَا أَنَّ لِلنُّورِ مَنْفَعَةً أَكْثَرَ مِنَ الظُّلْمَةِ. 14اَلْحَكِيمُ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ، أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَسْلُكُ فِي الظَّلاَمِ” (جا2: 12-14). ويقول في سفر الأمثال: “الْعَقْلُ يَحْفَظُكَ، وَالْفَهْمُ يَنْصُرُكَ” (أم2: 11). ويؤكد قائلاً: “الْحِكْمَةُ هِيَ الرَّأْسُ. فَاقْتَنِ الْحِكْمَةَ، وَبِكُلِّ مُقْتَنَاكَ اقْتَنِ الْفَهْمَ” (أم4: 7). وعندما يتحدث الرسول بولس عن الهدف الأساسي لخدمته قال: “لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” وكلمة “كاملاً” أي ناضجاً، والأسلوب الذي إتخذه لتحقيق هذا الهدف هو “مُنْذِرِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ” (كو1: 28).   إنه يريد أن يقول لا نضوج بدون تعليم، ومن يريد نضوجاً حقيقياً عليه أن يتعلم “بِكُلِّ حِكْمَةٍ” وهذا يحتاج إلى رحلة عمر من السهر والدراسة والتعليم اليومي من كلمة الرب ومن كل العلوم والمعارف الأخرى.  ألم يكن هو نفسه خريج واحدة من أكبر ثلاث جامعات في العالم القديم، وتعمق في دراسة العديد من المجالات، واستوعب أكثر من ثقافة، ولذلك استطاع أن يسخِّر كل هذه المعارف لخدمة الرب، فكتب أكثر من ثلث العهد الجديد، واستخدم في خدمته وكتاباته الفلسفة والشعر والتاريخ والأدب والحكمة والمثل، ولذلك كان لخدمته وكتاباته تأثير كبير على كل البشرية على مدى العصور. وينصحنا قائلاً: “لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ” (1كو14: 20) ونراه يحذرنا من السطحية قائلاً: “كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ” (أف4: 14).

ثالثاً: ما هي الحكمة التي تزيدنا حزناً؟ السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: إذن لماذا يقول الجامعة: “وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْماً يَزِيدُ حُزْناً”؟  يقول مايكل إيتون: “إن الجامعة هنا يتحدث عن محنة الفيلسوف” . ويقصد المفكر أو العالِم الذي تنحصر معرفته في العلم الدنيوي فقط، وبذلك لا يرى إلا ضغوط الحياة وآلامها ومشكلاتها المختلفة، ولا تكون لديه إجابة شافية تعيد السلام إلى القلب المضطرب والمرتجف، ولا تقدم للإنسان الرجاء الحقيقي والأمان الصادق، وبذلك يزداد ألمه وهمه. أو كما يشبهه وليم مارش  بشخص يُمسِك بعدسة مكبرة فيرى بها ما لا يقدر غيره على أن يراه، فالمأكولات الطيبة يراها مليئة بالجراثيم، والمياه التي يشربها الجميع يراها شديدة التلوث، والهواء المحيط به يراه ملئ بالسموم. لذلك يقول موفات: “كلما كثر ما تفهمه كثر ألمك”.    نعم لا أنسى أبداً طبيب كبير أُصيب بورم خبيث في البروستاتا، ورفض الأطباء إجراء عملية جراحية له لمشاكل في القلب، ولا أنسى يوم أن كنت في زيارته ورأيت وأنا أتحدث معه علامات الحزن والهم والكآبة واضحة على وجهه، وقال لي: مشكلتي أنني طبيب وأعرف ما هو هذا المرض، وكل مراحل تطوراته، والآلام التي سأعاني منها بعد عدة شهور، وما هي النهاية!    ألم يقل الشاعر العربي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله     وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم   والحكمة التي تزيد الإنسان حزنا هي الحكمة البشرية فقط بعيداً عن مخافة الرب، الحكمة التي أطلق عليها الرسول بولس أنها “حكمة كلام” (1كو17:1) و “الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ” (1كو2: 4، 13) و “حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ” (1كو19:3) التي تبعدنا عن الرب، هذه الحكمة يقول عنها د. القس مكرم نجيب: “إنها جهالة عند الرب، لأنها لا تقدم للإنسان إلا الإحساس الخادع بالكبرياء، وفي نفس الوقت ألم الشقاء ومعاناة عدم الفهم الحقيقي” . أما العلم والحكمة التي ترتبط بمخافة الرب، فهي الحكمة النافعة التي تعطي للإنسان البصيرة والسلام والفرح لأنها تفتح عيوننا في النهاية على شخص الرب مصدر الحكمة الحقيقية.   أخيراً ما أود أن أختم به هو أنه ليس من المسيحية ولا من الإيمان ولا من الروحانية في شئ أن يقلل أو يحقِّر البعض من شأن العلم والمعرفة إما لكسلهم أو لفشلهم في الإلمام بها، فمشيئة االرب للعالم هى التطور والتقدم والسعادة والرفاهية. لذلك كل إبداع، وتطوير، وكل اكتشاف جديد، وكل بحث علمي يدفع بالبشرية للأمام هو تمجيد للخالق… الصعودإلى الفضاء، والغوص فى أعماق البحار، بل ومع كل بيت جديد من الشعر، وكل لوحة تخرج من بين أنامل فنان مبدع، تمجيد وتعظيم للرب وخطوة للأمام نحو تحقيق مشيئة الرب فى هذا العالم.

المصدر : القس عزت شاكر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات