تكوين 9: 20-27 ملعون كنعان! عبد العبيد يكون لإخوته. لماذا كنعان وليس حام؟

تكوين 9: 20-27 ملعون كنعان! عبد العبيد يكون لإخوته. لماذا كنعان وليس حام؟

هل الرب إله الدماء؟ “هل الرب إله يستجيب لطلب اللعنات” “القس عزت شاكر

                                   مَلْعُونٌ كَنْعَانُ

“وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. 21وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. 22فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. 23فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. 24فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، 25فَقَالَ: «مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ». 26وَقَالَ: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. 27لِيَفْتَحِ اللهُ لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ» (تك9: 20-27).

هذه القصة تجد هجوماً شديداً من عدد كبير من النقاد، وأنا هنا أقتبس بعض ما قيل من هجوم على هذه القصة: يقول علاء أبو بكر: “من الذي رأى عورة أبيه؟ هو حام، فكان الأولى باللعنة هو حام نفسه، أو على أسوأ الفروض يلعن النسل كله: حام وأولاده كلهم، فلماذا انصبت اللعنة على كنعان فقط؟ من الواضح أن هذه القصة مختلقة لكراهية بني إسرائيل الشديدة للكنعانيين سكان الأراضي التي يريدون الإستيلاء عليها.. بدليل أنه ذكر حام مرتبط بأنه (أبو كنعان) بينما له أبناء آخرون أكبر منه، هم: كوش ومصرايم وفوط.. وقد أنزل الرب في التوراة والإنجيل والقرآن ألاَّ يتحمل أحد ذنوب آخر، فلماذا لعن كنعان وترك أبيه حام؟ وما ذنب ذريته أن يظلوا عبيداً لسام ويافث وذريتهما؟   ويقول د. منقذ بن محمود السقار: “لما استيقظ نوح من خمره وعلم ما فعل به ابنه الصغير قال: ملعون كنعان (ابن الجاني حام، أب الفلسطينيين الذي لا علاقة له بالحادثة، الذي لم يولد حينذاك)، عبد العبيد يكون لإخوته. فبدلاً من أن يوجه ابنه الصغير للتصرف الصحيح مع الوالد حين سكره وعربدته، صب لعناته على كنعان ابن حام، كنعان الذي لعله لم يخلق بعد، فما ذنب هذا الكنعان، بالطبع لا ذنب له إلا أنه سيصبح جدًّ لأهل فلسطين، أعداء اليهود! بل وما ذنب أبيه الذي لم يكن ليستحق هذا كله؟ وماذا عن الأب الذي شرب الخمر؟ ما الذي يستحقه من عقوبة؟ لماذا لم يعاقبه الرب؟  ويقول دكتور مصطفى محمود: “وينزل لعنته على حام وأولاده من بعده، لأنه نظر إلى عورة أبيه نوح الذي تعرى في خبائه. هل نظرة طفل إلى عورة أبيه أمر لا يغتفر.. ويستحق اللعنة إلى يوم الدين؟ ” . ويضيف قائلاً: “الغرض السياسي هنا واضح بالنسبة لليهودي الذي كتب هذا الكلام فهو يدعو على أبناء حام وهم الفلسطينيون والمصريون بأن يكونوا عبيداً للساميين اليهود وتحت حكمهم مدى الدهر” .   ويقول عاطف عبد الغني: “فقد برَّرت التوراة الموقف العدائى لبني إسرائيل من الكنعانيين إلى سبب قديم جداً يعود إلى عهد نوح، فتحكى رواية التوراة أن حام أحد أبناء نوح الثلاثة قد كشف عورة أبيه، فلما عرف أبيه الخبر لعن ذرية حام في كنعان ابنه ونسله وحكم عليه بأن يكون عبداً لأخويه (سام ويافث) وبذلك تنسى التوراة أنها تخالف مبدأ هاماً ووصية ترفض أن يحمل الأبناء وزر الآباء، وجرم حام يستأهل أن يحمل حام وزره وحده وليس نسله إلى أبد الآبدين!! ” .

ويقول ليوتاكسل: “وهكذا نزلت اللعنة على كنعان الشاب الذى لم يقترف أى إساءة بحق جده. فهل كان العجوز (نوح) لا يزال تحت تأثير الخمر لما نطق بلعنته؟ ومع ذلك قد كرسها يهوه” . وللإجابة على هذه الأسئلة أقول: عندما يسأل عدد كبير: لماذا لم يلعن نوح حام، ولعن كنعان؟ وما ذنب كنعان حتى تقع عليه اللعنة وهو برئ؟  نقول إن السر في ذلك – كما يرى عدد كبير من العلماء – هو أن الذي رأى عورة نوح هو كنعان حفيد نوح وليس حام. فيقول جون جيل (John Gill) : “إن بعض الربيين اليهود مثل جيرشي (Jarchi)، وابن عزرا (Aben Ezra)، وبن جرشوم (Ben Gersom)، ابن دانا (Abendana) يقولون: إن من رأى عورة نوح هو كنعان رابع وأصغر أبناء حام ولم يبال، ولم يهتم أن يستره. بل ويقول بن عزرا إن كنعان هزئ بجده كثيراً.  والدليل على أن كنعان هو الذي فعل هذا قول الكتاب: “فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ” (تك24:9)، وكلمة (ابْنُهُ) في اللغة العبرية هي (בּן) (بن) وبحسب قواميس اللغة  كانت تطلق على الابن أو الحفيد الطفل والشاب الصغير   son, grandson, child, youth, Young men   ومنها نفهم أن نوح قد يكون يتكلم عن ابنه أو حفيده، وبما أن حام ليس هو الصغير، إنما الابن الصغير لنوح هو يافث؛ فالكتاب المقدس ذكر ترتيب أبناء نوح كالآتي: سام وحام ويافث (تك32:5)، لذلك لو كان نوح يتكلم عن حام الذي هو الأوسط كان يجب أن يقول (ابْنُهُ الأوسط) وليس (ابْنُهُ الصَّغِيرُ) إذاً هو لا يتكلم عن حام ولكن عن أصغر ابن وهو كنعان حفيده الذي كان أصغر أبناء حام.  وما يؤكد هذا أيضاً هو أن كلمة (الصَّغِيرُ) في اللغة العبرية هي (הקטן) (هاكاتان) وتعني الأصغر وليس مجرد الصغير ، ولذلك وردت في غالبية التراجم الإنجليزية (Youngest) كالآتي:     (ASV) And Noah awoke from his wine, and knew what his youngest son had done unto him.  (BBE) And, awaking from his wine, Noah saw what his youngest son had done to him, and he said, (CEV) When Noah woke up and learned what his youngest son had done, (ESV) When Noah awoke from his wine and knew what his youngest son had done to him, (RV) And Noah awoke from his wine, and knew what his youngest son had done unto him. ومن المتعارف عليه أيضاً في لغة الكتاب أن الحفيد يدعى إبناً، ألم يقل يعقوب لأهل حاران: «هَلْ تَعْرِفُونَ لاَبَانَ ابْنَ نَاحُورَ؟» (تك5:29)، وقد كان لابان حفيده (تك15:24، 24، 29)، راجع أيضاً (تك55:31). ويقول العلامة أوريجانوس إن كنعان رأى عورة جده نوح فأخبر أباه حام بروح الإستهزاء، فسارع حام وأخبر أخويه ليتدبروا الأمر، وهكذا كان المسيئ هو كنعان.  أما بالنسبة للعن كنعان فيقول (E. F. Kevan): إن عبارة «مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ» هي عبارة شعرية، وهي تشير إلى أحط أنواع العبودية” (  تفسير الكتاب المقدس، ج1،  ص158). وقد تحققت اللعنة، فأرضهم كانت ضمن الأراضي التي قسَّمها يشوع بالقرعة لإسرائيل (يش 3:13-6)، وأيضاً نقرأ بعد ذلك: “وَكَانَ لَمَّا تَشَدَّدَ إِسْرَائِيلُ أَنَّهُ وَضَعَ الْكَنْعَانِيِّينَ تَحْتَ الْجِزْيَةِ” (قض 28:1). ويقول وليم مارش: “لا يوجد أي دليل على أن هذه اللعنة أبدية” .   (وليم مارش. السنن القويم، ج1، ص91). والدارس المدقق يدرك أن نوح قال ما قال بروح النبؤة، وليس بروح التشفي، فكنعان حفيده، وكما نقول في أمثالنا الشعبية: (أغلى الوِلد وِلد الوِلد)، ولكنه أدرك بالروح كيف ستكون حياة كنعان شريرة، وكم سيكون نسله شريراً، ويستحق اللعنة، فكان دور نوح هنا هو إعلان لعنة الرب لكنعان فَقَالَ: «مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ» (تك 25:9)، وكلمة (مَلْعُونٌ) في اللغة العبرية هي (ארר) (أرر) هي فعل مبني للمجهول مفرد مذكر. فنوح لم يقل لكنعان: “إننى ألعنك كنعان” أو” ليكن كنعان ملعوناً”، وكأن اللعنة نابعة من نوح ومنصبَّة على كنعان، كلاَّ. بل كل ما قاله (مَلْعُونٌ كَنْعَانُ) فكل ما فعله نوح أنه أعلن وكشف ما تخبئه الأيام لكنعان، وهذا ما أكدته الأيام، إذ أوغل الكنعانيون في الشر وعبادة الأصنام، حتى قدموا أبناءهم ذبائح بشرية للآلهة الوثنية. وقد خضع الكنعانيون لبني إسرائيل طالما كان بنو إسرائيل يطيعون وصايا الرب، ولكن عندما كانوا يبتعدون عن الرب، ويعصوا وصاياه، كانوا يصبحون شركاً وفخاً لبنى إسرائيل، كما كلم الرب شعبه تماماً (انظر يش43:21-45، 6:23-16، قض 13:2-15). ولقد كان استعباد إسرائيل لكنعان عقوبة من الرب للكنعانيين الذين استباحوا الشر، وإنما استعباد الكنعانيون لبني إسرائيل فكان من قبيل التأديب الإلهي لشعبه لأنهم خالفوا وصاياه وعبدوا آلهة الكنعانيين”. أما بالنسبة لشعب مصر فهم بنو مصرايم بن حام (تك 6:10).

ويقول الأب تادرس يعقوب ملطي كلمة “مصرايم” في العبرية مثنى، لذا ظن البعض أنها دُعيت هكذا بسبب وجود الوجه البحري والوجه القبلي، أو لأن نهر النيل يقسمها إلى ضفة شرقية وأخرى غربية، لكن الرأى الأرجح أنها دُعيت “مصر” بالعربية من العبرية نسبة إلى مصرايم حيث سكن هو وأولاده فيها، وإن كان قد امتد نسله إلى البلاد المجاورة. أما أولاده فهم:

لُودِيمَ: كانوا يقطنون غربي النيل نحو ليبيا.

عَنَامِيمَ: يبدو أن القبيلة التي من نسله سكنت في ليبيا.

لَهَابِيمَ: وهم أفريقيون، ونشأوا أصلاً في مصر.

نَفْتُوحِيمَ: نسله من سكان مصر الوسطى، قرب منف. فَتْرُوسِيمَ: سكنوا في فتروس بصعيد مصر. كلمة “فتروس” تعني (أرض الجنوب).

كَسْلُوحِيمَ: وهي منطقة جبلية شرق البلسم، فى حدود مصر من جهة فلسطين” .

  ( الأب تادرس يعقوب ملطي. تفسير سفر التكوين ص 129، 130). ولم تقع اللعنة على شعب مصر، إنما وقعت اللعنة على كنعان بن حام.

ولم يقل الكتاب قط أن المصريين ملعونين من قبل إله إسرائيل، بل أن إله إسرائيل قد بارك شعب مصر قائلاً: «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ». (إش 25:19). ووعد بأنه سيكون مذبح للرب في وسط أرض مصر، وأن المصريين سيعرفونه وسيعبدونه “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا. 20فَيَكُونُ عَلاَمَةً وَشَهَادَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي أَرْضِ مِصْرَ. 21فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً، وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ” (إش 19:19، 20).

المصدر : القس عزت شاكر.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات