تكوين 6:6، 7 فحزن الرب

قال المعترض: «يقول تكوين 6:6، 7 «فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسَّف في قلبه. فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقتُه، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم«. ويقول في  مزمور 106: 44، 45 «فنظر إلى ضيقهم إذ سمع صراخهم، وذكر لهم عهده، وندم حسب كثرة رحمته». ويقول في 1صموئيل 15: 11 «ندمتُ على أني جعلت شاول ملكاً لأنه رجع من ورائي ولم يُقم كلامي». فهل يندم الرب؟! علماً بأن هذا يناقض ما جاء في سفر العدد 23: 19 «ليس الله ابن إنسانٍ فيندم». وللرد نقول فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. 7فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ» (تك6: 6-7).   هذه الكلمات تجد هجوماً شديداً من عدد كبير من النقاد، وأنا هنا أقتبس بعض ما قيل من هجوم على هذه الآيات: يقول دكتور مصطفى محمود “نرى الرب يفعل الفعل ثم يندم عليه، وكأنه لا يدري من أمر نفسه شيئاً، ولا يعرف ماذا يخبئه الغيب”. ويضيف: “رب عجيب.. ما يلبث أن يندم على ما يفعل.. الرب فى حالة خطأ وندم بطول التوراة وعرضها… كيف يخطئ الرب ويندم؟ هوذا خلط ودشت من الكلام تكتبه أقلام وليس وحيَّاً ولا تنزيلاً.. والاعتراض بأنها كلمة مجازية هو اعتراض غير سليم، ولا يصلح مجازاً ولا فعلاً أن نقول أن الرب يخطئ، كما لا يصلح مجازاً أن نقول أن الرب يكذب أو يظلم أو يجهل… هذه كلمات لا يصح إطلاقها على الرب ولو مجازاً”. فهنا تواجهنا عدة أسئلة وهي:  ما معنى حزن الرب وتأسَّف في قلبه؟  هل يحزن الرب؟ أليس الحزن ضعف؟ وهل يجوز إطلاق صفات بشرية على الرب؟

    وللإجابة على هذه الأسئلة أقول:

أولاً: استخدام التعبيرات البشرية عن الرب:  الكتاب المقدَّس هو رسالة الرب للبشرية، ولذلك هو لا يخاطبنا بلغته، ولا بلغة الملائكة بل بلغتنا واصطلاحاتنا لندرك حقائق الأمور. لذلك نجد الروح القدس يستخدم اللغة البشرية للتعبير عن المعاني الروحية والأحداث الإلهية حتى يفهمها الإنسان، وإلاَّ لكان الرب يكلم الإنسان بلغة لا يفهمها، فكيف يتعامل الرب مع الإنسان بغير لغة الإنسان؟ واستخدام الصفات البشرية في وصف الرب تُعرَف في علم اللاهوت بمنهج “أنثروبومورفيزم” (Anthropomorphism) أي (تشبيه الرب بالإنسان) أو تشبيه الرب بصفات بشرية بهدف وصول المعاني الإلهية للإنسان بلغة قريبة إلى فهم الإنسان.  ولهذا السبب نجد نصوصاً كثيرة في الكتاب المقدَّس، ينسب الرب فيها إلى ذاته تشبيهات مألوفة لدى الإنسان مثل: “كرسي الرب” ، “يد الرب” ، “عينا الرب” ، “أقسم الرب” ، “ذراع الرب” ، “فم الرب” ، “حزن الرب” ، “ندم الرب”.   الخ كما لو كان الرب إنساناً.  إنه من فضل نعمته يتكلم معنا مثلما يتكلم الأب مع ابنه الصغير، أو الأم مع طفلها الرضيع، فعندما تسأله إن كان يريد ماء ليشرب، تقول له “امبو”، وإذا أرادت أن تعرف إن كان جائعاً، ويريد أن يأكل، تقول له “مم”، لكي تتواصل معه. وعندما نفنِّد التعبيرات التي أطلقها الوحي على شخص الرب سنجد أنها مجرد تعبيرات بشرية لتبسيط الحق الإلهي لنا، فمثلاً عندما نفكر في تعبير “كرسي الله” بالطبع الرب لا يجلس على كرسي، ولا يوجد كرسي يسع الرب، فهل الرب محدود لدرجة أنه يجلس على كرسي؟! وأين هذا الكرسي؟! ألم يقل عن نفسه: “أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟” (إر24:23).  وقال عنه سليمان: “لأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ” (1مل8: 27).  وقال استفانوس: “كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ: 49السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ” (أع7: 48 – 49).  ولكن الوحي عندما أراد أن يعبر عن سيادة وسلطان الرب استخدم هذا التعبير.  وتشبيه الرب بصفات بشرية بهدف وصول المعاني الإلهية للإنسان ليس قاصراً على الكتاب المقدس فقط بل نجده في القرآن أيضاً فيُنسَب إلى الرب قوله: “يا حسرة على العباد ما يأتيهم رسول إلاَّ كانوا يستهزءون” (يس 30:36). و”الحسرة” أصعب من الحزن والندم؟! ومكتوب عن الرب أيضاً في القرآن: “ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين” (آل عمران 54:3)، و “المكر” صفة بشرية بغيضة. ويُنسَب إلى الرب قوله أيضاً: “إن كيدي متين” (الأعراف 183:7)، و “الكيد” أيضاً صفة بشرية سيئة؟! وقال الإمام فخر الدين الرازي: “جميع الأعراض النفسانية، أعني الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والمكر والاستهزاء، لها أوائل ولها غايات، مثاله الغضب، فإن أوله غليان دم القلب، وغايته إرادة إيصال الضرب إلى المغضوب (عليه) فلفظ الغضب في حق الرب لا يحمل على أدلة الذي هو غليان دم القلب، بل على غرضه هو إرادة الإضرار. وكذلك الحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس، وله غرض وهو ترك الفعل، فلفظ الحياء في حق الرب يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس”. وقال الشيخ محيى الدين ابن العربي في الباب الثالث من الفتوحات: “جميع ما وصف الحق تعالى به نفسه من خلق وإحياء وإماته ومنع وعطاء ومكر واستهزاء وكيد وفرح وغضب ورضا وضحك وتبشيش وقدم ويد ويدين وأيد وعين وأعين، وغير ذلك كله نعت صحيح لربنا، ولكن على حد ما تقبله ذاته، وما يليق بجلاله”.

ثانياً: ما معنى حزن الرب وتأسَّف في قلبه؟

(1) بكل تأكيد الرب منزَّه عن الحزن والأسى والندم بالمفهوم البشري، لأن كل شئ عريان ومكشوف أمامه، فليس عنده ما نطلق عليه أنه غير متوقع، بل كل شيء معروف ومعلن لديه، ولأنه فوق الزمن، فلا يوجد عنده ماض وحاضر ومستقبل، فكل التاريخ حاضر أمامه. وهو القوي القادر على كل شئ، وضابط كل شئ فعلآم يحزن أو يندم بالمعنى البشري؟!! إن الرب “لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ” (يع1: 17). وقد قال الربعن نفسه: “لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ” (ملا 6:3). وقال أيضاً: “لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ. الإِلهُ وَلَيْسَ مِثْلِي. 10مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِالأَخِيرِ، وَمُنْذُ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ، قَائِلاً: رَأْيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي” (إش46: 9-10). وقال عنه الوحي: “لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟” (عد19:23). 

(2) عندما يقول الوحي الإلهي عن الرب أنه يحب ويكره ويفرح ويحزن ويتحسّر ويندم …الخ، فهو لا يقصد أن الرب له حواس مثل حواسنا، إنما يريد أن يبين ويؤكد على مدى تفاعل الرب مع البشر. وأن يبين أن له مواقف إزاء ما يفعله البشر. وليس هذا معناه أن الرب قد يتغيَّر في ذاته، إنما الذي يتغيُّر هو الإنسان، وبالتالى يتغيَّر حكم الرب عليه، لأن الرب عادل، والعدل الإلهي يقتضي أن يُجزي البشر على حسب أفعالهم. فيقول (E. F. Kevan) (أ. ف. كيفن): “من المُسلَّم به أن حزن الرب إنما هو فى الواقع تعبير بشري يشير إلى غضب الرب فعلاً. وهو يبين أن موقف الرب بالنسبة للإنسان المخطئ لابد أن يختلف عن موقفه بالنسبة للإنسان المطيع” . وعلى ذلك فإن كان الكتاب المقدَّس ينسب إلى الرب هنا أنه “حَزِنَ وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ”، فهذا ليبين أن الرب غير راض ٍعن الإنسان الذى ضل وغوى، وعوَّج طريقه.

(3) عندما يقول الوحي الإلهي عن الرب: “فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ”. فهي صياغة إنسانية بشرية بإرشاد الروح القدس حتى يدركها الإنسان، ويفهمها بعقله المحدود، يعبِّر بها الرب للإنسان عن حجم الكارثة. فهي كلمات تعبِّر من ناحية عن عمق الشر الكامن في الإنسان، ومدى فساده وابتعاده وزيغانه، ورفضه للتوبة والرجوع إلى الرب خالقه، بل وأصل ومصدر حياته. ورغبته في السير وراء إبليس وإغراءاته، وشهوات قلبه.  وهي كلمات تعبِّر من ناحية أخرى عن عمق محبة الرب المتألمة النازفة، فبعد أن سر الرب بخلق الإنسان، وقال عنه أنه “حَسَنٌ جِدًّا” (تك 31:1) فإذا بهذا الإنسان موضع سرور الرب قد هوى في بئر الخطية والشر.

فكأن الرب يقول أليس هذا هو الإنسان الذي خلقته على صورتي، وأحطته بمحبتي، ومنحته كل المواهب والإمكانيات التي تجعله يعمل ما يسرني، فلماذا أهانني بأفعاله الأثيمة، وجرحني بزيغانه بعيداً عني، وعناد قلبه ورفضه للتوبة، والاستجابة لعمل روحي في داخله؟ إنه باختصار تعبير بشري يبين مدى نفور الربمن الشر والخطية من جانب، ومدى محبة وشفقة الرب على الإنسان الذي سقط وحلَّ به العقاب الإلهي من جانب آخر.

  مرجع :تفسير الكتاب المقدَّس. ج1، ص 159.

المصدر :القس عزت شاكر .

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات