تكوين 11:11-9 برج بابل

تكوين 11:11-9 برج بابل

هل الرب إله الدماء؟ هل الرب يغير من البشر “القس عزت شاكر

                                  بُرْج بَابِلَ

“وَكَانَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لِسَانًا وَاحِدًا وَلُغَةً وَاحِدَةً. 2وَحَدَثَ فِي ارْتِحَالِهِمْ شَرْقًا أَنَّهُمْ وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ وَسَكَنُوا هُنَاكَ. 3وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْنًا وَنَشْوِيهِ شَيًّا». فَكَانَ لَهُمُ اللِّبْنُ مَكَانَ الْحَجَرِ، وَكَانَ لَهُمُ الْحُمَرُ مَكَانَ الطِّينِ. 4وَقَالُوا: «هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ». 5فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا. 6وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. 7هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ». 8فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، فَكَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ، 9لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا «بَابِلَ» لأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الأَرْضِ. وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ” (تك11: 1-9).

هذه القصة تطرح العديد من الأسئلة: يقول د. منقذ بن محمود السقار: “ومرة أخرى تذكر التوراة أن الرب خاف من اجتماع البشر وتآلفهم وعزمهم على بناء برج عظيم رأسه في السماء، فنـزل وبددهم قبل أن يحققوا غايتهم، فهل يعقل أن خالق السماوات والأرض، الرب العظيم يخشى من تمام هذا البرج، فيسعى لتفريق البشر قبل أن يصل برجهم السماء؟ وهنا نتساءل عن الطول الذي كان سيصل إليه بناء البشر قبل آلاف السنين، بل نتساءل: أو لا يعلم الرب أن البشر يعجزون عن مناطحة السحاب فضلاً عن قرع أبواب السماء!”. ويقول علاء أبو بكر: “لماذا بلبل الرب ألسنة العاملين في برج بابل؟ وهل يغار الرب من الأبراج العالية وناطحات السحاب؟ أليس فكرة بلبلة الألسن تتمشى مع الفكر الصهيوني الإستعماري (فرّق تَسد)؟ هل الرب غير واثق من نفسه؟ وهل يخشى عبيده؟ هل الرب لا يحب الخير للبشر فنزل وبددهم في أول اتحاد لهم على الخير؟

وللإجابة على هذه الأسئلة أقول:

أولاً: لاهوت الخلق: 

هل الرب يغار من الإنسان؟ هل الرب يغار من بناء الأبراج؟ كلاّ وألف كلاّ. إن النص ليس فيه “يغار” ولا معناه إطلاقاً، ومن يقول هذا لا يفهم لاهوت الخلق، فمن هو الإنسان حتى يغار منه الرب؟! أليس الرب هو الذي وضع فيه كل الإمكانات العقلية والجسمانية؟ّ أليس الرب هو الذي أشرق عليه بنور علمه الإلهي فاستطاع أن يصل إلى ما وصل إليه من تقدم ورقي؟!   إن الكتاب المقدس يعلمنا أن الرب خلق الإنسان على صورته (تك1: 27)، ومَيَّزَهُ عن سائر الكائنات الأخرى بالعقل المفكّر والإرادة الحُرّة والضمير الحساس والقدرة على الإبداع والابتكار، والقدرة على التعلم المستمر والتواصل مع الآخرين ومع الرب. وقد جعله الرب تاجاً للخليقة وسيداً لها، وقال له الرب بعد أن خلقه: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ» (تك1: 28). لاحظ الأفعال: «أَثْمِرُوا، اكْثُرُوا، امْلأُوا الأَرْضَ، أَخْضِعُوهَا، تَسَلَّطُوا عَلَى… ». وقد أعطى الرب الإنسان مطلق الحرية في إدارة الكون وكل ما فيه، ومنحه كل إمكانيات النجاح والتطور، ولم يضع الرب عليه قيوداً، ولم يفرض عليه شروطاً معينة، إنما سلمه الكون بكل ما فيه، ولذلك يتغنى داود قائلاً: “بِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ. تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ” (مز8: 5). لذلك فالإنسان هو الذي يصنع الأحداث، هو الذي يشيِّد المباني ويصلح الأراضي ويقيم المزارع، هو الذي يبني المدن ويقيم الإمبراطوريات ويغزو الفضاء. هو الذي يستخرج الذهب والبترول من باطن الأرض، وهو الذي صنع الطائرة والصاروخ والكمبيوتر والفيديو …. الخ. هذا التقدم المستمر بفضل عقل الإنسان وقدراته وحريته التي منحها له الرب. وعندما ندرس كلمة الرب نجد أن الرب يريد الإنسان طموحاً ومبدعاً وناجحاً، حتى تستمر عجلة الحياة في تقدم مستمر. لقد كان القديس أرينيموس من القرن الثالث يقول: “مجد الرب الإنسان الحي”، بمعنى أنه كلما كان الإنسان أكثر حيوية ونشاطاً وطموحاً وإبداعاً كلما تَمجَّد الرب من خلاله. وكان القديس مكسيموس المعترف يقول: “إن الرب يتعطش لكي يؤله الإنسان”.  نعم إن الرب أب، والأب يُسَّر بأن يصبح ابنه مثله مكتمل الرجولة، ويتمنى أن يرى ابنه في غاية السعادة والراحة والنجاح. لذلك نقول إن كل اكتشاف جديد، وكل تقدم علمي يساعد الإنسان على أن يعيش حياة أفضل وأرقى، مثل زرع الأعضاء والهندسة الوراثية، الاستنساخ، خريطة الجينات البشرية، ليس هو تهديد للخالق ولا تحدي له كما يدعى البعض بل تمجيد له، وتحقيق لقصده نحو العالم. بل لا يوجد إيمان حقيقي دون اكتشاف للطاقة الهائلة التي وضعها الرب في الإنسان، وللإمكانيات الموجودة في الكون والتي يجب علينا اكتشاف أسرارها. فالرب يساند كل اختراع جديد، ويؤيد كل عالم في معمله، ويسند كل من يسعى ويبحث لرفاهية وتقدم الجنس البشري. فهو مصدر كل مهارة وكل موهبة للعمل. ألم يقل الوحي: “وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 2«اُنْظُرْ. قَدْ دَعَوْتُ بَصَلْئِيلَ بْنَ أُورِي بْنَ حُورَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا بِاسْمِهِ، 3وَمَلأْتُهُ مِنْ رُوحِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ، 4لاخْتِرَاعِ مُخْتَرَعَاتٍ لِيَعْمَلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ، 5وَنَقْشِ حِجَارَةٍ لِلتَّرْصِيعِ، وَنِجَارَةِ الْخَشَبِ، لِيَعْمَلَ فِي كُلِّ صَنْعَةٍ» (خر31: 1– 5).

ثانياً: ما هو هدف بناء البرج؟ يا ترى لماذا فكروا في بناء البرج؟ لقد قَالُوا: «هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ» (ع4). لاحظ هنا نبرة الكبرياء والتجبُّر وتأليه أنفسهم. يقول (E. F. Kevin): “كان القصد الأول هو ضمان الدفاع، والسيطرة السياسية، وربما كان لغرض ديني ولعلم التنجيم، ولكن من الواضح أن الدوافع الدفينة لهذا العمل كانت الاكتفاء الذاتي للبشر، والعصيان على الرب”. ويقول وليم مارش “في الأساطير القديمة والتي ذكر بعضها يوسيفوس أن نمرود كان غير تقي وهو الذي أمر ببناء البرج ليعصى الرب وينقذ به شعبه من طوفان ثان”. لم يثق هؤلاء البشر في مواعيد الرب التي أعطاها الرب لجدهم نوح، فأخذوا في بناء البرج المرتفع حتى إذا حل الطوفان مرة أخرى يجدون لأنفسهم ملجأ فيه، ونسوا أن الرب هو الملجأ الحقيقي، وأن الأمان في الإيمان الصادق. لقد أظهروا بهذا العمل عدم ثقتهم في ميثاق الرب مع أبيهم نوح، وحسبوا الرب غير أمين في مواعيده. لقد كان هدفهم كقولهم “هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ” (تك 4:11)، لقد أرادوا أن يتحدوا القدرة الإلهية، متخيلين أن الطوفان حتى لو أتى ثانية فلن يصل إلى رأس هذا البرج. أما الرب فقد أبطل مشورتهم ليعلّمهم أنه ليس في مقدور أحد تحدي القدرة الإلهية.

ثالثاً: لماذا بلبل الرب ألسنتهم؟ هل الرب  يغار من بناء الأبراج؟ وهل يسلك سياسة فرق تسد؟ كلا. إن ما حدث في بلبلة الألسن هو شفقة من الرب على الإنسان، إذ أن الإنسان في جهله ظن أنه يمكنه أن يبنى برجاً رأسه في السماء. تُرى ماذا كان سيحدث لو ظلوا يبنون؟ هل كان سيستطيعون الاستمرار؟! وإلى أي ارتفاع كانوا سيصلون دون أن ينهدم عليهم البناء؟ إن بناء ناطحات السحاب لم يصل إليه الإنسان إلاَّ بعد علم كبير في القرن العشرين، وبرغم كل العلم فإنه لن يستطيع إنسان بناء برج رأسه في السماء. وحتى لو وصل إلى أعلى ارتفاع فلن يضير الرب في شئ، بل يسعده، إذا فعل الإنسان هذا بتواضع، لأن الرب يريد نجاح وتقدم الإنسان، وأن يكتشف كل أسرار الكون.  لكن حقاً لقد أشفق الربعلى الإنسان الذي ظن في كبريائه أنه يمكنه أن يتحدى الرب، وأرجو أن تلاحظ ما قاله الرب عنهم: “هذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ” (ع6). فعندما يتمادى الإنسان في الخطأ لا يتوقف، فيزيد الشر في العالم. ولذلك أراد الرب  أن يحدَّ من انتشار الشر في العالم بأن يفرقهم. ولا يمكن المقارنة بين هذا البرج الذي يدل على التكبر والتعالي والشر، وبين الأبراج الضخمة وناطحات السحاب التي نراها اليوم. لقد بدد الرب البشرية وفرَّقها عند برج بابل ليس لأنها اتحدت على فعل الخير، ولكن لأنها تكبرت وأرادت الاعتماد على ذاتها دون الرب، وقد فقدت الثقة في الوعد الإلهي بأنه لن يكون هناك طوفان آخر بعد.

فلا تعتبر بلبلة الألسن غيرة وحقد من الرب، لأن الرب محبة، وهو الذي خلق الإنسان من جوده وفضل محبته. لكن بلبل الرب ألسنة البشر بهدف معالجتهم من الدوافع الشريرة للعصيان، وحماية لهم من شر أنفسهم وسقوطهم فى الكبرياء، وحماية لهم من سقوط البرج عليهم. وكان في هذه البلبلة أيضاً خير للناس الذين انتشروا في أرجاء الأرض، فاستغلوا خيرات الأرض عوضاً عن تكدسهم في مكان واحد، يتزاحمون فيه على موارد الحياة، مما يسبب خصام وشجار وقتال ودمار وهلاك.

إنها ليست سياسة فرِّق تسد بل سياسة فرِّق تنقذ، فهو لم يفرق أناساً متحابين يصنعون الخير بل يؤذون بعضهم البعض، وهو لم يفرق الألسن ليستفيد هو شيئاً، إنما فرق الألسن عقاباً لهم على كبريائهم، وأيضاً لئلا ينهار البناء عليهم فيقتلهم.

المصدر : القس عزت شاكر .

 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات