تثنية 8: 2 لكي يُذلَّك ويجرّبك، ليعرف ما في قلبك: أتحفظ وصاياه أم لا؟

قال المعترض: «جاء في تثنية 8: 2 «وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر لكي يُذلَّك ويجرّبك، ليعرف ما في قلبك: أتحفظ وصاياه أم لا؟». وهذا ينسب عدم المعرفة للرب، وهو مستحيل!  كما أنه يناقض ما قاله رسل المسيح في أعمال الرسل 1: 24 «أيها الرب العارف قلوب الجميع».

وللرد نقول: لا توجد آية واحدة في الكتاب المقدس تنفي علم الرب بكل شيء. أما العبارات التي تفيد أنه يمتحن الناس ليعرف قلوبهم فليس معناها أنه يجهل خفايا القلوب. ولكن معناها أن الرب يمتحن الناس ليعلّمنا أنه سبحانه يُدخل الإنسان في ظروف مخصوصة ليتضح بالبرهان صدق معرفة الرب السابقة لخفايا القلب ونياته. ومعنى هذا أن اكتشاف قلب الإنسان يكون ببرهان عملي يتفق مع حكم الرب عليه. وللإيضاح نقول مثلاً إن أستاذ الكيمياء، يشرح حقيقة علمية لتلاميذه يقول لهم:  دعوني أمزج هذا الحامض بهذه المادة لنرى ماذا تكون النتيجة، وهو يعرف مقدماً نتيجة المزج المزمع عمله. هكذا الحال عندما يرسل الرب التجارب إلى الإنسان، فهو يقصد بها امتحاناً ليس هو نفسه في حاجة إليه. ولكنه يقصد خير الإنسان نفسه وتبرير طرق معاملاته للناس. لقد ظهرت طاعة إبراهيم للرب عندما قبل أن يضحّي بابنه الوحيد حسب أمر الرب، وكان هذا برهاناً عملياً على محبة إبراهيم للرب. كما أن إيمان إبراهيم في الوقت نفسه قد تشدد. وإذا شك أحد في أمانة إبراهيم وإخلاصه للرب، فتكفيه الإشارة إلى عمل طاعته هذه الفائقة. وعندما قال الرب لإبراهيم: «الآن علمتُ أنك خائف الله» (تكوين 22: 12) لم يكن يقصد أنه لم يكن يعرف فعرف، بل إنه أعلن عظمة إيمان إبراهيم ببرهان ملموس.

وعلاوة على ما تقدم نرى أن انتصار أبطال الإيمان يشجع أولاد الرب في كل عصر على السير في خطواتهم. فإبراهيم انتصر في هذه القضية انتصاراً باهراً، وسُطِّر خبر هذه النصرة في الكتاب لأجلنا نحن (انظر رومية 4: 23، 24) فالآيتان المشار إليهما إذاً لا تتناقضان.
لا شك أن الرب في كامل عِلمه كان يعرف كل شيء عن ماضي إبراهيم وحاضره ومستقبله، وهو الذي لا يخفَى عليه شيء. وهناك ما يعرفه الرب بإدراكه الإلهي الذي لا تدركه الأفهام والأبصار والأسماع البشرية، كما أن هناك ما يُعرَف بالإظهار والبرهنة والإثبات بالأمثلة والتجارب. فكان علم الرب بالإدراك الإلهي سابقاً للعِلم الذي برهنه إبراهيم للأبصار والأسماع أنه خائف الرب. ولنضرب مثلاً للتوضيح فنقول إن مدرِّساً للرياضيات يقول لتلاميذه: دعونا نجد الجذر التربيعي للرقم 49، وبعد أن يبرهنه يقول الآن علمنا أنه 7. لقد كان المدرِّس يعلم الجذر التربيعي للرقم 49، ولكنه أراد لتلاميذه أن يدركوا هذا بالبرهنة والإثبات.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات