تثنية 20: 16-18 ناسخ ومنسوخها فى لوقا 6: 35، 36

قال المعترض: «في تثنية 20: 16-18 «وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستَبْقِ منها نسمةً ما. تحرّمها تحريماً. الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك، لكي لا يعلّموكم أن تعملوا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم، فتخطئوا إلى الرب إلهكم». وهذه الشريعة منسوخة بقول المسيح في لوقا 6: 35، 36 «بل أَحبوا أعداءكم، وأَحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئاً، فيكون أجركم عظيماً، وتكونوا بني العلي، فإنه منعمٌ على غير الشاكرين والأشرار. فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضاً رحيم».

وللرد نقول:

(1) كانت الأمم التي سكنت أرض كنعان قبل دخول بني إسرائيل إليها تحت قيادة يشوع في منتهى الشر والفجور، فلما أعطى الرب شريعته لبني إسرائيل حذّرهم من الرذائل والرجاسات، وكرر لهم القول إنه قد حكم بالقضاء على أولئك الشعوب بسبب شرورهم (لاويين 18: 24-30). فإن كانت في تاريخ البشرية شعوب قد استوجبت غضب الرب ونقمته فهي هذه الشعوب، لأن شرورهم كانت قد وصلت إلى أقصى حد.

(2) لا يمكن أن يُقال إن أولئك الشعوب كانت تنقصهم المعرفة، ولا بد أنّ ضمائرهم قد احتجَّت على شرورهم (رومية 1: 18-32). لقد كان عندهم الحق الذي ظهر نوره في حياة ملكي صادق، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، قبل القضاء على تلك الشعوب بنحو أربعة قرون ونصف، وهو يشهد ضدهم. ومن المحتمل أيضاً أن ملكي صادق كاهن الرب العلي قد خلَّف بعده قوماً عبدوا الإله الحقيقي، لأن الرب لا يترك نفسه في أي جيل بلا شاهد.

(3) يجب أن لا ننسى أيضاً أن الرب إله المحبة هو إله العدل أيضاً. فهو يريد أن يغفر ويقبل، ولكن من يتمادى في رفض محبته والعصيان عليه لا بد أن يقع تحت عدله. وكما أننا على يقين من وجود سماء كذلك لا ريب في وجود جهنم. قد يتعذّر على عقولنا القاصرة ومعرفتنا الناقصة أن نوفّق بين عدل الرب ونعمته، ولكن الكتاب يعلّم عن الحقيقتين بكل وضوح.. ثم أن هذا الأمر كان قضاءً من القاضي العادل على شعب معين في زمن معيَّن (كما في حادثة الطوفان) وليس إطلاقاً عاماً على كل العصور.

(4) ولم يكن أمراً خارقاً للعادة أن يأتي قضاء الرب على تلك الأمم بلا استثناء كبير أو صغير. ففي حادثة الطوفان هلك الجميع رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، ما عدا نوحاً وعائلته. وعند إحراق سدوم وعمورة لم ينجُ من تلك المنطقة إلا لوط وابنتاه. وكذلك في وقتنا الحاضر إذا وقع وبأ أو جوع على إقليم تعمُّ الضربة كل سكانه ولا يُستثنى الأطفال. ولما كانت طرق الرب وأحكامه بعيدة عن الفحص وجب علينا التسليم بحكمته وعدم استغراب قضائه في هذه الحوادث وسواها. غير أن العقل البشري قد لا يجد في كل ما تقدم رداً على اعتراضه.

(5) من المحتمل أن الرب من رحمته قضى على أولئك الأطفال ونقلهم من العالم الشرير قبل أن يكبروا فيسيروا في رجاسات أسلافهم، مسوقين بإرادتهم الشريرة النجسة. وكما يُستفاد من نور تعليم الكتاب أنه خيرٌ للطفل أن يموت في طفولته من أن يكبر ويعيش في الشر، ثم يموت في حالة عدم الإيمان بعد العصيان والتمرد على الرب.

(6) يعترض البعض على عدم إعطاء الكنعانيين فرصة للتوبة، ظانين أنهم كانوا يتوبون لو أمر الرب بني إسرائيل بإرشادهم وتعليمهم بدلاً من إهلاكهم. فعلاوة على ما سبقت الإشارة إليه في النقطة الثانية نقول: إن كان الرب قد قَصَّر عهد النعمة لتلك الأمم الأثيمة فلا بد أنه قد تصرّف بحكمة، ورأى بعلمه السابق أن الإرشاد ما كان يفيد أولئك الفُجّار الأثمة!

(7) كان بقاء بني إسرائيل في حالة التعبّد الصحيح يستلزم ليس فقط إخضاع أولئك الأثمة وإذلالهم، بل استئصالهم والقضاء عليهم، لأنهم لو بقوا في أرض كنعان لكانوا خطراً دائماً على طهارة عبادة الرب، الأمر الذي قد حصل فعلاً (كما نرى أخيراً في تاريخ بني إسرائيل). فخير إسرائيل الروحي قضى بالانتقام من أولئك الشعوب الأثمة. فيمكننا أن نقول في الختام إن الرب في معاملته الكنعانيين بالعدل لم يتعدَّ ناموس رحمته، بمعنى أنه بيَّن محبته لإسرائيل باستئصال أولئك الفجار، الذين لو بقوا لجلبوا عليهم الانحطاط الروحي.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات