إشعياء 45: 7 أن الرب خالق الشر.

إشعياء 45: 7 أن الرب خالق الشر.

“هل الرب خالق الشّر؟” “القس عزت شاكر جزء 1

                           هل الرب يخلق الشر؟ ولماذا يقول الرب للشعب بوضوح: “أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. 7مُصَوِّرُ \لنُّورِ وَخَالِقُ \لظُّلْمَةِ صَانِعُ \لسَّلاَمِ وَخَالِقُ \لشَّرِّ. أَنَا \لرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هَذِهِ” (إش45: 6 و 7).   يسأل عدد كبير من الناس بفزع شديد  قائلين:  هل الرب هو مصدر الشر؟  هل الرب هو مصدر الحروب والأمراض والأوبئة؟ هل الرب هو مصدر الكوارث الطبيعية؟

وللإجابة على هذه الأسئلة أقول:  لكي نعرف لماذا يعلن الرب صراحة هنا أنه خالق الشر، علينا أن نعرف أولاً: متى قال الرب هذه الكلمات؟ ولمن؟ وما هي الخلفية التاريخية؟ وما معنى كلمة “الشر” هنا؟ وما المقصود بها؟

أولاً : يجب أن ندرك أن كل الكتاب المقدس يعلن لنا أن الرب صالح، وقد وردت عبارة “الرب صالح” عشرات المرات في الكتاب المقدس (مز25: 8، 100: 5، 135: 3، إر33: 11، 1بط 2: 3). لذلك هتف المرنم أكثر من مرة: “اِحْمَدُوا \لرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ” (مز106: 1، 107: 1 ، 118: 1 و29، 136: 1).  وأضاف فى مزمور آخر “الرَّبُّ صَالِحٌ لِلْكُلِّ” (145: 9). فهو صالح مع كل إنسان. إن الرب كلي الصلاح والحب والحكمة والرحمة، لذلك فكل ما يخطط له ويفعله ويأمر به ويرضى عَنْهُ صالح. وفي الحقيقة لا يوجد من هو صالح بلا حدود إلا الرب (مر10: 18). وكل عطايا الرب صالحة كما يقول الرسول يعقوب: “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي \لأَنْوَارِ” (يع1: 17). قال زكريا “مَا أَجْوَدَهُ وَمَا أَجْمَلَهُ” (زك9: 17). وصرخ القديس أغسطينوس: “يؤلمنى إنني تأخرت كثيراً فى معرفتك أيها الجمال القديم وماتزال جديداً”. وقال تشارلس كنجلي فى مرضه الأخير: “كم هو جميل الرب، كم هو جميل”. ويجب أن ندرك أن الشر لا يتفق مع طبيعة صلاح الرب، لذلك يقول الرسول يعقوب: “لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ \للَّهِ، لأَنَّ \للَّهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَداً” (يع13:1).

ثانياً : الدارس لكلمة الرب  يجد أن هذه الكلمات جاءت على لسان إشعياء النبي الذى عاش فى القرن الثامن وبداية السابع قبل الميلاد، وكانت موجهة إلى الشعب أثناء السبي وقت أن كانت المملكة الفارسية متسيِّدة على كل العالم بقيادة الملك كورش، ويظهر هذا في الآيات الأولى من هذا الأصحاح إذ يقول: “هَكَذَا يَقُولُ \لرَّبُّ لِمَسِيحِهِ لِكُورَشَ \لَّذِي أَمْسَكْتُ بِيَمِينِهِ لأَدُوسَ أَمَامَهُ أُمَماً وَأَحْقَاءَ مُلُوكٍ أَحُلُّ. لأَفْتَحَ أَمَامَهُ \لْمِصْرَاعَيْنِ وَ\لأَبْوَابُ لاَ تُغْلَقُ: 2«أَنَا أَسِيرُ قُدَّامَكَ وَ\لْهِضَابَ أُمَهِّدُ. أُكَسِّرُ مِصْرَاعَيِ \لنُّحَاسِ وَمَغَالِيقَ \لْحَدِيدِ أَقْصِفُ” (إش45: 1-2). وكان القصد هو التأكيد على ثلاثة أمور هامة وهى: 1- وحدانية الرب   2- سيادة الرب 3- بر الرب.

1 ـ وحدانية الرب:    مفتاح فهم هذه الآية نجده فى الآية السابقة لها حيث يقول الرب: “أَنَا \لرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلَهَ سِوَايَ” (عدد 5). والدارس المدقق يجد أن عبارة “أَنَا الرَّبُّ” ومترادفاتها ترد فى هذا الأصحاح أكثر من 15 مرة، والسبب هو أن الشعب الفارسي كان يعبد إلهين “أهورا” إله الخير، و “أهريمان” إله الشر. فهذا الشعب لم يكن يعرف الإله الواحد الحي، فجاءت رسالة التحذير هذه للشعب الإسرائيلي لئلا يسقط فى هذه الوثنية، خاصة وأن الشعب كان مهيأً لذلك، فقد عبدوا من قبل مولك وعشتار وكموش والعجل الذهبي ….الخ.    وكان الشعب الفارسي يعبد “أهورا” إله الخير لكي يمنحه الخير، ويعبد “أهريمان” إله الشر لكي يتقي شروره. ولذلك نرى الرب يؤكد على الوحدانية فى أكثر من عبارة فيقول: “أَنَا \لرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ” (عدد 5)، “لاَ إِلَهَ سِوَايَ” (عدد 5)، “ليْسَ غَيْرِي (عدد 6)، “أَنَا \لرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ” (عدد 6 و 18)، “أَلَيْسَ أَنَا \لرَّبُّ وَلاَ إِلَهَ آخَرَ غَيْرِي؟” (عدد 21)، “لَيْسَ سِوَايَ” (عدد 21)، “أَنَا \للَّهُ وَلَيْسَ آخَرَ” (عدد 22). لقد أراد الرب أن يعلن لهم أنه لا يوجد إله للخير وإله للشر، فلا يوجد إله سواه، مسيطر على كل الكون وكل ما يحدث فيه من خير ومن شر، ولا يوجد شئ يحدث بعيداً عن دائرة سلطانه.

2 ـ سيادة الرب: عندما كان الشعب فى السبي راودتهم فكرة ضعف يهوه أمام آلهة الكلدانيين، فهو لم يقدر أن ينقذهم من أيدى الأمم المجاورة لهم، وتركهم يؤخذون إلى السبي، ولذلك بدأوا يتجهون إلى عبادة تلك الآلهة الغريبة، لذلك كانت المهمة شاقة أمام إشعياء حتى يصحح مفاهيم الشعب ويعلن لهم أنه حتى وإن كان الرب قد ترك يهوذا للسبي فى بلاد بعيدة إلا أنه هو الإله الوحيد الذى لا يوجد غيره المتسلط على الكون، وهذا ما نجده فى القرينة الأكبر (إش40: 17، 22، 41: 2، 43: 16، 44: 6، 46: 9). فهو الخالق (40: 25، 45: 18) الذى خلق الطبيعة بكل ما فيها من سماء وأرض وشمس وقمر ونجوم، وهو الذى له السلطان عليها (48: 12، 40: 22) وهو الذى يعطي نسمة لكل الساكنين على كل الأرض (42: 5)، وهو الذى يجب أن تجثو له كل ركبة، ويحلف به كل لسان (45: 23) ويوضح لهم الفرق بين الإله الحي وآلهة الأمم فيقول لهم: “فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ \للَّهَ وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟ 19اَلصَّنَمُ يَسْبِكُهُ \لصَّانِعُ وَ\لصَّائِغُ يُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ وَيَصُوغُ سَلاَسِلَ فِضَّةٍ. 20الْفَقِيرُ عَنِ \لتَّقْدِمَةِ يَنْتَخِبُ خَشَباً لاَ يُسَوِّسُ يَطْلُبُ لَهُ صَانِعاً مَاهِراً لِيَنْصُبَ صَنَماً لاَ يَتَزَعْزَعُ! 21أَلاَ تَعْلَمُونَ؟ أَلاَ تَسْمَعُونَ؟ أَلَمْ تُخْبَرُوا مِنَ \لْبَدَاءَةِ؟ أَلَمْ تَفْهَمُوا مِنْ أَسَاسَاتِ \لأَرْضِ؟ 22الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ \لأَرْضِ وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ. \لَّذِي يَنْشُرُ \لسَّمَاوَاتِ كَسَرَادِقَ وَيَبْسُطُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسَّكَنِ. 23الَّذِي يَجْعَلُ \لْعُظَمَاءَ لاَ شَيْئاً وَيُصَيِّرُ قُضَاةَ \لأَرْضِ كَالْبَاطِلِ” (إش40: 18-19) وفي مرة أخرى يقول لهم: “بِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي وَتُسَوُّونَنِي وَتُمَثِّلُونَنِي لِنَتَشَابَهَ؟. 6«اَلَّذِينَ يُفْرِغُونَ \لذَّهَبَ مِنَ \لْكِيسِ وَ\لْفِضَّةَ بِالْمِيزَانِ يَزِنُونَ. يَسْتَأْجِرُونَ صَائِغاً لِيَصْنَعَهَا إِلَهاً. يَخُرُّونَ وَيَسْجُدُونَ! 7يَرْفَعُونَهُ عَلَى \لْكَتِفِ. يَحْمِلُونَهُ وَيَضَعُونَهُ فِي مَكَانِهِ لِيَقِفَ. مِنْ مَوْضِعِهِ لاَ يَبْرَحُ. يَزْعَقُ أَحَدٌ إِلَيْهِ فَلاَ يُجِيبُ. مِنْ شِدَّتِهِ لاَ يُخَلِّصُهُ” (46: 5 -7). فكيف يشبهون الإله الحي بهذه الأحجار المنحوتة، أو الأخشاب المصنوعة فى أشكال متنوعة، التي يظنها الناس آلهة؟    وأعلن لهم أنه هو الرب  الذى يخبر بالمستقبل (45: 11) فـهـل تـستطـيـع الآلهة الأخرى أن تفعل ذلك؟ بالطبع لا تستطيع قطعة الخشب أو الحجر أن تفعل ذلك! أما الرب فيفعل ذلك (48: 6). والإخبار بالمستقبل ليس من قبيل التخمين أو الاستنتاج بل هو حقيقة لابد أن تقع، لسبب واحد بسيط هو أنه هو بنفسه الذى رتَّب هذا المستقبل وصنعه، إنه إله المستقبل كما أنه إله الحاضر والماضي. إنه سيد التاريخ ومحرِّك الأحداث صانع السلام وخالق الشر مصور النور وخالق الظلمة، فلا يوجد حدث يتم بصورة عشوائية أو خارج دائرة سلطانه.

3 ـ بر الرب:  كانت صرخة الشعب وهو فى السبي: «قَدِ اخْتَفَتْ طَرِيقِي عَنِ \لرَّبِّ وَفَاتَ حَقِّي إِلَهِي» (إش40: 27). ولذلك يتحدث النبي هنا عن بر الرب الذى يتجلى فى خلاصه، وهو ليس براً سلبياً بل براً إيجابياً يخلص ويفدي (41: 10)، وهذا الخلاص قد يقتضي التأديب والعقاب، ولكن الشعب لم يفهم هذا، فقد كان “الشر” من وجهة نظر الشعب فى ذلك الوقت هو “السبي”، ولكن هنا يعلن الرب أنه هو صانع هذا الشر، فهو الذى أرسلهم إلى السبي تأديباً لهم، وقد قال لهم بوضوح: “هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَئَنَذَا جَالِبٌ شَرّاً عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ جَمِيعَ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي السِّفْرِ الَّذِي قَرَأُوهُ أَمَامَ مَلِكِ يَهُوذَا” (2أخ24:34). وقال لهم على لسان إرميا بوضوح: “اسْمَعُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ يَا مُلُوكَ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ. هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: هَئَنَذَا جَالِبٌ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ شَرّاً كُلُّ مَنْ سَمِعَ بِهِ تَطِنُّ أُذُنَاهُ. 4مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَأَنْكَرُوا هَذَا الْمَوْضِعَ وَبَخَّرُوا فِيهِ لِآلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ يَعْرِفُوهَا هُمْ وَلاَ آبَاؤُهُمْ وَلاَ مُلُوكُ يَهُوذَا وَمَلَأُوا هَذَا \لْمَوْضِعَ مِنْ دَمِ الأَزْكِيَاءِ” (إر19: 3-4). راجع أيضاً  (إش10: 5- 8، حب1: 1 -11). فإن كان قد سمح لهم بالسبي فقد فعل هذا لخيرهم، وكانت عينه عليهم، وسوف يردهم، كما قال على لسان إرميا: “هَكَذَا قَالَ \لرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: كَهَذَا التِّينِ الْجَيِّدِ هَكَذَا أَنْظُرُ إِلَى سَبْيِ يَهُوذَا الَّذِي أَرْسَلْتُهُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِلْخَيْرِ. 6وَأَجْعَلُ عَيْنَيَّ عَلَيْهِمْ لِلْخَيْرِ وَأُرْجِعُهُمْ إِلَى هَذِهِ الأَرْضِ وَأَبْنِيهِمْ وَلاَ أَهْدِمُهُمْ وَأَغْرِسُهُمْ وَلاَ أَقْلَعُهُمْ. 7وَأُعْطِيهِمْ قَلْباً لِيَعْرِفُونِي أَنِّي أَنَا الرَّبُّ فَيَكُونُوا لِي شَعْباً وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً لأَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيَّ بِكُلِّ قَلْبِهِمْ” (إر24: 5 – 7). ويؤكد مرة أخرى على لسان إرميا أنه إن كان قد سمح بالشر “الذي هو السبي” فإنه سيجلب عليهم الخير “الذي هو العودة من السبي” فيقول: “لأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ. كَمَا جَلَبْتُ عَلَى هَذَا \لشَّعْبِ كُلَّ هَذَا الشَّرِّ \لْعَظِيمِ هَكَذَا أَجْلِبُ أَنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ \لْخَيْرِ \لَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ إِلَيْهِمْ” (إر42:32). فبر الرب الذى يتجلى فى خلاصه قد يقتضي التأديب، وهكذا فعل مع شعبه وأرسلهم إلى السبي، ولكنه لا يتوقف عند هذا الحد بل يتقدم إلى خلاصهم، لذلك نراه يقيم كورش ويمسك بيمينه، ويفتح أمامه المصراعين، ويمهد الهضاب ويعطيه انتصاراً على كل الممالك المجاورة، ويقول بوضوح: “أَنَا قَدْ أَنْهَضْتُهُ بِالنَّصْرِ وَكُلَّ طُرُقِهِ أُسَهِّلُ. هُوَ يَبْنِي مَدِينَتِي وَيُطْلِقُ سَبْيِي” (إش45: 13). (قارن عز1: 1- 5، إش45: 1 -4).

فهنا يعلن الرب لهم بوضوح أن ما يظنونه “شراً” لم يخرج عن دائرة سلطانه، فهو الذى أرسلهم إلى السبي وهو سيخلصهم منه. إن هذه الآية تعلن بوضوح للشعب الذي يعيش فى السبي متألماً ومهدداً بخطرٍ السقوط فى الوثنية، إن الرب واحد ولا يوجد غيره، وهو المتحكم فى كل شئ، وما نظنه شراً يستخدمه الرب لخيرنا.

 

المصدر : القس عزت شاكر . 

 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات