إشعياء 40: 18 فبمن تشبِّهون الرب، وأيَّ شيءٍ تُعادلون به؟

قال المعترض: «جاء في إشعياء 40: 18 «فبمن تشبِّهون الله، وأيَّ شيءٍ تُعادلون به؟« بينما يتحدث مزمور 44: 3 عن يمين الرب وذراعه ونور وجهه، كما جاء ذلك في أماكن كثيرة أخرى».

وللرد نقول: التساؤل في إشعياء 40: 18 هو تساؤل إن كان هناك ندٌّ للرب أو معادل له، يفعل مثلما يفعل سبحانه، وهو الذي «كال الماء بيده، وقاس السماوات بالشِّبر، ووزن الجبال بالقبَّان والآكام بالميزان« (آيات 12-17) بمعنى أنه العارف بكل شيء، والذي لا يخفى عليه أمر، والقادر على كل شيء. ولا يقصد النبي أن يتحدث عن شبيه للرب في ملامحه وتقاطيع وجهه وغير ذلك من الصفات الجسمية. أما الحديث عن يد الرب فمن قبيل توضيح المعنى للقارئ والمستمع، لأن الوحي يستخدم تشبيهات إنسانية ليقرِّب المعنى للعقل البشري، وليس لأن للرب يداً بالمعنى الحرفي.
(1) لا شك أن الرب منزّه عن الندم  والحزن والأسف وغيرها. ورد في عدد 23: 19 «ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل، أو يتكلم ولا يفي؟»  وفي 1صموئيل 15: 29 «نصيح إسرائيل لا يكذب ولا يندم، لأنه ليس إنساناً ليندم». وفي يعقوب 1: 17 «كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار، الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران». وفي إشعياء 46: 9، 10 «لأني أنا الله وليس آخر، الإله وليس مثلي. مخبرٌ منذ البدء بالأخير، ومنذ القديم بما لم يُفعَل. قائلاً: رأيي يقوم وأفعل كل مسرتي». وفي ملاخي 3: 6 «لأني أنا الرب، لا أتغيّر».

(2) ندم الرب لا يعني تغييره، لأن الرب لا يتغيَّر، فهو يكره الخطية ويعاقبها. كل ما في الأمر أن الرب يوبِّخ الخاطئ وينذره بالهلاك إن لم يتُب. فإذا غيَّر إنسانٌ موقفه من الخطية وتاب، فإن الرب يغيِّر إعلان العقاب، ويمنح العفو والغفران. ويبارك المؤمن المطيع، ولكن لو غيَّر مؤمنٌ موقفه من الرب وعصى، فهل يستمر الرب يباركه؟  إن الرب لا يتغيّر، لكن معاملته للإنسان تتغيَّر بتغيير موقف الإنسان من الوصايا الإلهية. لقد سُرَّ الرب بالإنسان لما خلقه، ثم حزن وتأسف وندم لما سلك الإنسان سبيل الشر. ويقولون «يا حسرة على العباد». والحسرة هي الندم. فالرب  في محبته يطيل أناته على العباد والكافرين ليتوبوا، ويرزق الصالحين والطالحين لينتبهوا إليه. فإذا لم يندموا ويتحسروا على خطاياهم يتحسّر هو ويندم على سوء أفعالهم. راجع تعليقنا على تكوين 17: 8 (بند 1).

(3) القول «ندم الرب» أو «حزن» معناه الشفقة والرقة والرحمة عند الرب. فلو أن أباً محباً أدّب ابنه لأنه خالفه، ثم رأى ألم ابنه بسبب التأديب، فإنه يتوجَّع لوجعه ويتألم لألمه ويتأسف ويحزن ويندم، مع أن الأب عمل الواجب في تقويم ابنه وتأديبه وخيره. إنما أسفه وندمه وحزنه كله ناشئ من الشفقة والرحمة. ولا يجوز  أن نقول في مثل هذا المقام إن أباه رحمه أو أشفق عليه، بل نقول إن أباه ندم، بمعنى الرحمة والشفقة. فعلى هذا القياس يُقال إن الرب ندم، بمعنى أنه أعلن شفقته ورحمته وجوده وكرمه، وكأنك تقول: «رحمهم بعد عقابه لهم». أو تقول: «ندم بعد العقاب والعذاب» دلالة على رحمته. والدليل على ذلك أن النبي داود قال: «وندم حسب كثرة رحمته».

(4) استعمال مثل هذه الألفاظ البشرية في جانب الرب جائز، ليقرّب لعقولنا الأمور المعنوية، فإنه لا يخاطبنا بلغة الملائكة بل بلغتنا واصطلاحاتنا لندرك حقائق الأمور. وعلى هذا فهو يقول لنا إن الرب ندم، بمعنى أنه غيَّر قضاءه بسبب تغيير الشروط التي سبق ووضعها. ولو أن هذا الندم يختلف عن ندم الإنسان، فالإنسان يندم بسبب عدم معرفته لما سيحدث. وهذا لا ينطبق على الرب، الذي ليس عنده ماضٍ ولا مستقبل، بل الكل عنده حاضر. وعندما نقول إن الرب يحب ويكره ويتحسّر ويندم، لا نقصد أن له حواس مثل حواسنا، إنما نقصد أنها مواقف للرب إزاء ما يفعله البشر.

 

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات