متى 28: 1-15 قصة القيامة

اعترض المعترض على قصة القيامة، وقال إنها وردت مختلطة متناقضة في روايات البشيرين الأربعة.

وللرد نقول: لا توجد قضية أشار إليها الملحدون لإثبات التناقض في الإنجيل أكثر من قضية قيامة المسيح بحسب الوارد عنها في البشائر الأربع: ولكي ننفي هذه الشبهة نقول أولاً إنه لم ترد في أية بشارة على حِدة خلاصةٌ شاملة لكل الحقائق المختصّة بقضية القيامة. فمتَّى يقول إن مريم المجدلية جاءت مع المريمات الأخريات إلى قبر المسيح في صباح ذلك اليوم العظيم. ومرقس يذكر بهذا الصدد مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة. ولوقا أورد أسماء مريم المجدلية ويونّا ومريم أم يعقوب. أما يوحنا فلا يذكر بهذا الصدد إلا اسم مريم المجدلية فقط. وليس في هذا تناقض، فالبشائر الأربع متفقة في إيراد اسم المجدلية. ثم إن مرقس ولوقا أوردا اسم مريم أم يعقوب التي يشير إليها متى بمريم الأخرى (متى 27: 56)، بمعنى أن اسم مريم هذه قد ورد في ثلاث بشائر. إذاً يوجد اتفاق تام بين كل ما جاء في البشائر عن النساء اللاتي أتين إلى القبر. صحيحٌ أن مرقس انفرد بذكر سالومة بينهن، كما انفرد لوقا بذكر يونّا، ولكن هذا لا يدل على أن مرقس ولوقا متناقضان. كل ما في الأمر أن قول هذا يكمل قول ذاك. فسالومة كانت بين النساء في ذلك الصباح كما كانت يونّا أيضاً. ومع أن يوحنا لا يذكر إلا مريم المجدلية، إلا أنه يشير في كلامه إلى مصاحبة بعض رفيقات لها، إذ يقول إنها »لما وجدت القبر فارغاً ركضت إلى بطرس ويوحنا وقالت لهما: أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه« (يوحنا 20: 2). فقولها: »لسنا نعلم« بصيغة الجمع يبيّن أنها لم تذهب وحدها. وقد قال البعض بوجود تناقض بين يوحنا ومرقس في تعيين وقت ذهاب النساء إلى القبر. فمرقس يقول إنهن أتين عند طلوع الشمس، بينما يقول يوحنا إن مريم المجدلية جاءت إلى القبر والظلام باقٍ. ولكن لا تناقض بينهما، لأن يوحنا يتكلم عن وقت بدء السير إلى القبر، بينما مرقس يشير إلى وقت الوصول إليه. وبديهي أنه كان لا بد لأولئك النساء من قطع مسافة قبل الوصول إلى القبر، سواء كنَّ مقيمات في أورشليم أو في بيت عنيا التي تبعُد عنها قليلاً. فعندما بدأنَ في السير كان الظلام باقياً، ولكن عند وصولهن إلى القبر الواقع شمال أورشليم كانت الشمس على وشك الطلوع. على أن النقطة التي كثُر فيها البحث أكثر من سواها هي الإشارة إلى الملاكين اللذين ظهرا للنساء وأخبراهنَّ عن القيامة. فمتى ومرقس يقولان إن ملاكاً واحداً كلّم النساء، بينما لوقا ويوحنا يذكران ملاكين كانا عند القبر وزفَّا بشارة القيامة إلى أولئك النساء. فيقول الملحدون إن هذا تناقض ظاهر. ولكن القارئ المدقق يرى خطأ قولهم هذا. فلم يقُل متى ومرقس إنه لم يكن عند القبر إلا ملاك واحد. وإشارتهما إلى ملاك واحد لا تمنع إمكانية وجود ملاكين أو أكثر عند القبر. ولنتأمل فيما حدث عند ميلاد المسيح، إذ ظهر ملاك واحد للرعاة. وفي الحال ظهر معه جمهور من الجند السماوي. وربما كان سبب ذكر متى ملاكاً واحداً أن »ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه« (متى 28: 2). فهو يخص بالإشارة هذا الملاك، وهو الذي كلم النساء. ولما كانت مأمورية الملاك هذه على جانب عظيم من الأهمية، ذكر متى هذا الملاك فقط، دون أن يعلّق أهمية على وجود سواه من الملائكة عند القبر. كما أن عدم إشارة مرقس إلى وجود ملاك آخر قد يكون راجعاً إلى اهتمامه بالملاك الذي حمل بشرى قيامة المسيح. ولعل ما كان مهماً في نظره هو أن النساء لم يتلقَّيْن هذه البشرى من أحد الرسل، بل من ملاك مرسَل من الرب. فسواء كان عند القبر ملاك واحد أو ملاكان، هذا أمر ثانوي. ولا يخفى أن عدم الإشارة إلى وجود شخص ما في ظرف معيَّن لا ينفي وجوده. فلنفرض مثلاً أنك قد حظيت بالمثول بين يدي رئيس الدولة، وكان رئيس الوزراء ساعتئذ حاضراً. وعند رجوعك إلى البيت قد تقول لأهلك: رأيت رئيس الدولة، وقال لي كذا وكذا. وبعد قليل قد تقابل صديقاً لك وتقول له: رأيت هذا الصباح رئيس الدولة ورئيس الوزراء، وقالا لي كذا وكذا. وإذا قابلت صديقاً آخر تقول له: اُتيحت لي رؤية رئيس الدولة ورئيس الوزراء هذا الصباح، فقال لي رئيس الدولة كذا وكذا. فهل يجرؤ أحدٌ على اتّهامك بالتناقض في هذه الأقوال الثلاثة؟ وعليه يجب أن نعامل الكتاب المقدس عند الحكم على ما جاء به بمبدأ العدل الذي نطلبه لأنفسنا، فنجده خالياً من كل تناقض. فمن المحتمل في قضية القيامة أن أحد الملاكين هو الذي نطق بالبشارة. ومن المحتمل أيضاً أن الثاني كان يردّد كلام الأول تأييداً له. وكيفما كانت الحال، فالبشيرون لهم الحق أن يشيروا إلى أحدهما أو كليهما معاً. ثم يوجد في موضوع القيامة نقطة أخرى قيل بوجود تناقض فيها، وهي قول يوحنا إن المسيح ظهر لمريم المجدلية عند القبر بعد رجوعها من عند بطرس ويوحنا، اللذين أخبرتهما بعدم وجود جسد المسيح. بينما متى يقول إن المسيح ظهر للنساء وهنَّ عائدات من القبر إلى الرسل حاملات بشرى القيامة من الملاك. ولا حاجة إلى الاسترسال في شرح نقطة ظاهرة كهذه، فعند رجوع مريم من القبر لتخبر التلاميذ بعدم وجود جسد الرب، دخلت باقي النساء القبر حيث رأين الملاكين اللذين أسمعاهنَّ بشرى القيامة. وفيما هن راكضات إلى التلاميذ بهذه البشرى رجعت مريم إلى القبر، وهناك ظهر لها الرب المقام.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات