متى 14:11 – إيليا المزمع أن يأتي

اعتراض على متى 14: 11 – إيليا المزمع أن يأتي

وللرد نقول: تشير هذه النبوَّة إلى يوحنا المعمدان، وهو واضح من الآية التالية (متى 17: 12) والتي تقول: »إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضاً سوف يتألم منهم. حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان«. نعم إن يوحنا غير إيليا في شخصه، فلما سُئل يوحنا إن كان هو إيليا، أجاب: »لست أنا«. وإنما كان يوحنا سابِقَ المسيح الذي يُعِدّ الطريق أمامه »بروح إيليا وقوته« (لوقا 1: 19) كما أنبأ جبرائيل أباه زكريا (لوقا 1: 17). وكما تنبأ ملاخي أيضاً (ملاخي 4: 5) كان يوحنا المعمدان إيليا النبي لأن كليهما عاشا بكيفية واحدة، وكانت لكليهما كرازة نارية (قابل 3: 4 مع 1ملوك 17: 1-6).
مجيء يوحنا بروح إيليا، معناه أنه أتى بأسلوب إيليا وطريقته ومنهجه وروحه في العمل:

(1) كان إيليا ناسكاً، وكذلك كان يوحنا المعمدان. كان إيليا أشعر يتمنطق بمنطقة من جلد على حقويه (2ملوك 1: ​8). وكانت ملابس يوحنا من وبر الإبل، وعلى حقويه منطقة من جلد (متى 3: 4). وكان إيليا يسكن البرية في جبل الكرمل (1ملوك 18: 19 و42) أو في مغارة بجبل حوريب (1ملوك 19: 9)، أو في علية (1ملوك 17: 19) أو عند نهر كريث (1ملوك 17: 3). وعاش يوحنا المعمدان في البرية (متى 3: 1 ولوقا 3: 2) وإلى جوار نهر الأردن. وكان صوتُ صارخٍ في البرية (مرقس 1: 3).

(2) بدأ إيليا بحياة الوحدة والتأمل، واختاره الرب للخدمة والنبوَّة. وهكذا عاش يوحنا حياة الوحدة في البرية، ثم الكرازة بالتوبة.

(3)  كان إيليا شجاعاً حازماً في الحق، يقتل أنبياء البعل (1ملوك 18: 40)، ويُنزل ناراً من السماء فتأكل خمسين جندياً (2ملوك 1: 10). وكان المعمدان شديداً في توبيخ الخطاة. وكان يقول: »قد وُضعت الفأس على أصل الشجرة. فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً، تُقطع وتُلقى في النار« (لوقا 3: 9).

(4) وبَّخ إيليا أخآب الملك وقال له: »أنت مكدر إسرائيل، أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الرب وبسيرك وراء البعليم« (1ملوك 18:18) ثم وبخه وأنذره لقتله نابوت اليزرعيلي (1ملوك 21: 20-36). ووبَّخ المعمدان الملك هيرودس وقال له: »لا يحل لك أن تكون لك امرأة أخيك« (مرقس 6: 18) . إذن يوحنا كان بنفس روح إيليا وأسلوبه. وعبارة »روح إيليا« تذكرنا بطلبة أليشع من معلّمه إيليا قبل صعوده إلى السماء، وهي: »ليكن نصيب اثنين من روحك عليّ« (2ملوك 2: 9). وكان له كذلك. فلما صنع معجزات بنفس قوة إيليا، ورآه بنو الأنبياء، قالوا:  »استقرَّت روح إيليا على أليشع. فجاءوا للقائه وسجدوا له« (2ملوك 2: 14 و15). فإن كان الأمر مسألة تقمُّص، فما معنى عبارة »اثنين من روح إيليا«؟ هل إيليا له روحان؟ وهل تقمَّصت روحه في أليشع قبل تقمصها في يوحنا؟!.. إنما المقصود هو أن أليشع نال ضِعف قوة إيليا. ونفس القوة كانت في يوحنا.. أما تقمص الأرواح، فلا تؤمن به المسيحية، لأن الروح عندما تخرج من الجسد لا ترجع إليه مرة أخرى، ولا إلى جسد آخر. إنما إن كانت بارة تذهب إلى الفردوس، كروح اللص التائب، وإن كانت شريرة تذهب إلى الجحيم، كروح الغني الذي عاصر لعازر.

انتظر اليهود تحقيق النبوَّات بالمعنى الحرفي، فكانوا يتوهّمون أن المسيح يكون ملكاً جباراً يفتح البلاد ويحررهم من نير الرومان، ويجعل منهم وزراء وولاة في مملكته. ولم يخطر ببالهم أن ملكوت المسيح ملكوت روحي يحكم فيه بالمحبة والسلام والبر. فلما رأوه وديعاً متواضعاً ازدروا به. وعلى هذا القياس توقَّعوا تحقيق نبوَّة ملاخي عن مجيء إيليا قبل مجيء المسيح حرفياً. فلما أرسل اليهود كهنة ولاويين ليسألوا يوحنا المعمدان إن كان هو إيليا الحقيقي فأجاب: لا، ولكنه لم ينكر أنه هو »إيليا« الذي تنبأ عنه النبي ملاخي، فإنه أوضح (في آية 23) أنه أتى ليمهد طريق الرب. وبقوله إنه ليس إيليا أزال أوهامهم عن إيليا، وبيَّن لهم الحقيقة، وهي أنه أتى بروح إيليا. وفي قول ملاخي: »سيأتي إيليا« شبَّه المعمدان بإيليا. والقارئ المدقق لكلمة الرب يرى بينهما أوجه شبه كثيرة، فيوحنا مثل إيليا في تقشّفه وزُهده وغيرته، ومثله في شهامته في توبيخ الأمراء والوجهاء لانحرافهم عن الحق. وورد في لوقا 1: 17 أنه أتى بروح إيليا وقوته، فالمسيح قال إنه إيليا، وإنه أدّى مأموريته، وهي تمهيد الطريق أمام المسيح. فلا تناقض بين قول يوحنا وقول المسيح، فيوحنا نفى أوهام اليهود من أن إيليا الحقيقي الذي صعد إلى السماء حياً سيأتي بنفسه. ولم يكن المعمدان إيليا الحقيقي، ولكنه أتى بروح إيليا.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات