لوقا 22: 54-61 – إنكار بطرس

اعتراض على لوقا 22: 54-61 – إنكار بطرس

 

وللرد نقول:

(1) اتفق الإنجيليون على عدد مرات إنكار بطرس لسيده، وأجمعوا على أن إنكاره كان قبل أن يصيح الديك. وتمت بذلك نبوَّة المسيح أن بطرس سينكره ثلاث مرات، وقبل صياح الديك.لقد قال المسيح العبارتين – قال إن بطرس سينكره قبل أن يصيح ديك، وإنه ينكره قبل أن يصيح الديك مرتين. وذكر متى إحدى العبارتين، وذكر مرقس العبارة الأخرى. ومما يجدر ذكره أن لوقا ويوحنا أوردا قول المسيح بنفس الصيغة الواردة في متى. وقبل الجزم بأن أحد البشيرين يناقض البقية يجب أن نأتي بالدليل على أن المسيح لم يقل هذه العبارة إلا مرة واحدة، وإلا فلا تناقض. فيصح أن نتصور ما يأتي: أنذر المسيح بطرس أنه قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات.. ولما كان بطرس سريع التأثر ثار لما سمع هذا، وكأنه يقول: هل أنا أنكر سيدي؟ إن هذا مُحال! »ولو اضطُررت أن أموت لا أنكرك«. وعندئذ كرر المسيح الإنذار، وأضاف تفصيلاً آخر بقوله: يا بطرس، قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات. ويترجح جداً أنه قد تُبودلت عبارات كثيرة بين بطرس وسيده بصدد هذه النقطة الخطيرة. ولا شك أن المسيح قال لبطرس نفس العبارة الواردة في متى ولوقا ويوحنا، والعبارة الواردة في مرقس أيضاً. ولنورد حلاً آخر، وهو أن متى ولوقا ويوحنا أوردوا إعلان المسيح لبطرس أنه سينكره بصيغة عامة، أما مرقس  (فكما هي عادته)  أورد العبارة بالتدقيق. وكما نراه في روايات أخرى يورد تفصيلات دقيقة لا نراها في بقية البشائر، هكذا هنا أيضاً أورد كلمة دقيقة لم يوردها غيره. وعلاوة على هذا يجب أن نتذكر أن بشارة مرقس (كما يفيد التقليد) كُتبت تحت إشراف بطرس. ولذا نرى فيها أسلوب بطرس ولهجته. فلا نستغرب عندما نجد أن العبارة المقولة لبطرس واردة في هذه البشارة بدقة أكثر من سواها.

(2)  اقتصر لوقا البشير على ذكر المرة التي أنكر فيها بطرس سيده صراحة وبشدة، لأنها كانت أهم من المرة الأولى. وهذا لا ينافي أن جاريتين سألتاه مرتين. أما متى ومرقس فذكرا الحالتين. وعليه فلا اختلاف، فإن الاختلاف لا يتحقق إلا إذا نفى الواحد ما أثبته الآخر. وهنا اقتصر لوقا على ذكر الأهم، وأما الآخرون فذكروا كل شيء بالتفصيل.

(3)  قال لوقا إن رجلين سألاه عن نسبته إلى سيده، وقال متى ومرقس إن الرجال سألوه، فعبارتهما تتضمن أن رجلين سألاه نيابةً عن باقي الجمهور، فلا نتصوَّر أن كل الحاضرين سألوا بطرس مرة واحدة.

(4)  قال متى: إنه كان خارجاً في الدار، وقال مرقس: في الدار أسفل، وقال لوقا: في وسط الدار، وقال يوحنا: إنه كان واقفاً عند الباب خارجاً، فخرج التلميذ وكلَّم البوَّابة فأدخل بطرس (آية 16). فلا يوجد اختلاف. بطرس كان حسب قول متى خارجاً في الدار، أي ليس في الدار الأعلى الذي كان فيه المسيح والمجلس. ومما يدل على أنه كان في صحن الدار قول متى إنه لما ضايق اليهود بطرس خرج إلى الدهليز، مما يدل على أنه كان في الدار. ولم يقل البشير إن بطرس كان خارج الدار، بل »خارجاً في الدار« أي خارج المخادع. وبما أنه كان في المحل التحتاني (أي صحن الدار)  فيصح أن يُطلق عليه أسفل الدار. ولا يخفى أن معنى صحن الدار هو أسفله، وهو لا ينافي أنه كان جالساً في وسطه يستدفئ. وقصد الرسل أنه لم يكن في الدور الأعلى المرتفع الذي كان فيه المجلس، بل كان في مكان الخدم وهو الصحيح.

(5)  من تأمل الأسئلة الموجَّهة لبطرس وجدها واحدة، ففي متى قالت الجارية: »وأنت كنت مع يسوع الجليلي«. ثم قالت أخرى: »وهذا كان مع يسوع الناصري«. وقال القيام (أي الحراس): »أنت أيضاً منهم فإن لغتك تظهرك«. هذه هي رواية متى. أما مرقس فذكر أن الجارية قالت: »أنت كنت مع يسوع الناصري«. ثم رأته ثانية وقالت للحاضرين: »إن هذا منهم«. وقال الحاضرون لبطرس: »حقاً أنت منهم لأنك جليلي أيضاً ولغتك تشبه لغتهم«. وقِس على ذلك ما ورد في إنجيل لوقا ويوحنا، فإنه لا يختلف عن ذلك في شيء ما.

(6)  أنكر بطرس المسيح ثلاث مرات قبل صياح الديك، غير أن بعضهم ذكر أن الديك صاح مرتين واقتصر البعض الآخر على ذكر صياح الديك مرة، وسبب ذلك هو أن الديوك عادةً تصيح مرتين، عند قدوم الصبح وعند طلوع النهار. وبما أنه يندر من يسمع صياحه أول مرة، لم يذكره بعض البشيرين. والمهم هو الصياح الثاني وقد ذكره جميع البشيرين، وهذا لا ينافي أنه صاح قبلها.

(7)  إجابات بطرس واضحة متشابهة لا فرق بينها. وبما أن كثيرين من الخدم والحاضرين أخذوا يعنفونه ويضايقونه، فزع وتلعثم في الكلام، وهو يبرئ نفسه بأساليب متنوعة في الوضوح والخفاء. فتارة ينكر، وأخرى يحلف ليتخلّص من ظلم اليهود. وكان ينتقل من مكان لآخر ليواري نفسه ويتخلص من مأزقه.

(8)  وهكذا يتضح عدم وجود اختلاف في أقوال البشيرين، فكل واحد منهم ذكر أقوال الوحي الإلهي بحسب روحه ونَفَسه، فإن الوحي لا يبتلع شخصية الإنسان. فالرب يوحي للنبي أو الرسول المعاني والأحكام، ويكون في يد الرب بمنزلة القلم في يد الكاتب، فتُحفظ شخصيته، ويظهر في كتابته ما اختص به من القوى العقلية وطرق الفكر والتصوّر. وهذا هو سبب تنوّع طرق تعبير الأنبياء. وكلامنا هنا هو عن الأنبياء أو الرسل بصيغة الجمع. أما إذا اختلف رسول أو نبي في أقواله وعباراته، فهذا هو الذي يُؤاخذ عليه، لأنه ناقض نفسه بنفسه.

فهرس الأسلاميات

فهرس المسيحيات